مع صادق أهل البيت سلام الله عليهم في ذكرى استشهاده
اسمه الشريف: جعفر. وكلمة (جعفر) في أصل اللغة تعني (النهر
الصغير)
كنيته: أبو عبد الله
ألقابه: الصابر، الفاضل، الطاهر والصادق وهذا الأخير أشهرها.
ومنشأ تسميته سلام الله عليه بالصادق هو:
أولاً: صدق كلامه وصحة حديثه وتحقق أقواله.
ثانياً: للتمييز بينه سلام الله عليه وبين حفيده الخامس جعفر بن
الإمام علي الهادي وأخو الإمام الحسن العسكري سلام الله عليهما الذي
إدعى الإمامة كذباً وافتراءً وهو المعروف بـ (جعفر الكذاب).
جاء عن الإمام زين العابدين، عن أبيه، عن جده سلام الله عليهم قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن
الحسين بن علي بن أبي طالب فسمّوه الصادق، فإنه سيكون في ولده سمّي له،
يدّعي الإمامة بغير حقها، ويسمّى كذاباً».
نسبه الشريف: هو جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين سلام
الله عليهم.
أمه: هي السيدة الفاضلة الجليلة فاطمة المكنّاة بام فروة بنت
(الفقيه) القاسم بن (الطيب الطاهر) محمد رضوان الله تعالى عليه بن أبي
بكر بن أبي قحافة.
ولادته: ولد سلام الله عليه في يوم الاثنين 17 ربيع الأول لعام
83 هجرية في المدينة المنورة.
مدة إمامته: 34 سنة.
نشأ إمامنا الصادق سلام الله عليه في وسط مجتمع لا يتصل بآل البيت
إلا من طريق الحذر والتكتم لشدة المراقبة التي تحوط بهم من السلطة
الأموية، وشاهد طلاب العلم يتصلون بمدرسة جده وأبيه وهم بأشد الحذر،
لأن ذلك الدور لا يستطيع أحد أن يتظاهر بالاتصال بآل محمد صلى الله
عليه وعليهم، ومن عرف في ذلك فإنما مصيره القبر أو ظلمة السجن إلى حيث
الأبد.
وكان ناس عصره يتقربون إلى ولاة الأمر بالوشايات والاتهامات فلا حرمة
للنفوس ولا قيمة للدين ولا نظام يشمل الرعية، بل هي فوضى والأمراء
يحكمون بما شاؤا والرعية بين أيديهم ألعوبة لأغراضهم.
وكان أشد الناس بلاءًا هم أنصار آل محمد صلى الله عليه وآله وشيعتهم،
واتخذ خصومهم شتم علي سلام الله عليه سُنة يتمّون به فرضهم.
كانت نشأته سلام الله عليه نشأة خشونة وملاقاة مصائب، وخوض غمرات محن
وبلاء، من ولاة أضاعوا الحق وظلموا الأمة، واتبعوا شهواتهم وأعلنوا
العداء لآل محمد صلى الله عليه وآله ومع هذا كله فأنه كان لا يمتنع من
الجهر بالحق وإرشاد الناس وتحذيرهم من مخالطة أولئك الظلمة، وكان ينهى
عن المرافعة إليهم وينهى عن الاختلاط بهم وإعانتهم في شيء، والتولي لهم
وقبول أي عمل منهم.
ومن جملة ما قاله سلام الله عليه في تحذيراته ومناهيه:
«إيّاكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فإنه ما خفقت النعال خلف رجل
إلا هلك وأهلك».
«من سوَّد اسمه في ديوان ولد فلان (بني العباس) حشره الله عز وجل يوم
القيامة خنزيراً».
«لو لا أن بنيّ أمية وجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفيء، ويقاتل عنهم
ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقنا».
«في قوله تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا...: هو الرجل يأتي السلطان
فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده كيسه فيعطيه».
«إياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور».
لقد قام الإمام سلام الله عليه بنهضة قادها بنفسه على الظلم
والطغيان والانحراف، ولكن نهضته لم تكن بقوة السلاح كغيرها من
الانتفاضات، بل كانت بنشر الثقافة الإسلامية والدعوة إلى التحلّي
بالخُلق الإسلامي الرفيع الذي يفرض على المسلمين اجتناب المعاصي
والمنكرات وحسن الصحبة والجوار والتعاون والصبر على المكاره والعمل
لخير الناس أجمعين، وأراد من أصحابه أن يكونوا دعاة صامتين يدعون الناس
إلى هذه الخصال بأعمالهم قبل أقوالهم، وكان يقول لهم: «مروا بالمعروف
وانهوا عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يقرّبا
أجلاً ولم يبعدا رزقاً) ويعقّب على ذلك بقوله: (ويل لقوم لا يدينون
الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
كانت مدرسة الإمام الصادق سلام الله عليه جامعة إسلامية – بما
للكلمة من معنى – خلّفت ثروة علمية وخرّجت عدداً وافراً من رجال العلم،
وأنجبت خيرة المفكرين وصفوة الفلاسفة وجهابذة العلماء، وقد عدت أسماء
تلامذته والمتخرجون من مدرسته فكانوا أربعة آلاف رجل.
وكانت مصدراً للعلم وينبوعاً يفيض على الأمة بالمعارف الإسلامية،
وأغدقت على العالم الإسلامي بخدماتها الجليلة، في بث تلك التعاليم
القيمة في عصر إزدهر فيه العلم، وأقبل المسلمين على إنتهاله.
ولو تسنّى لمدرسته سلام الله عليه الظهور التّام لأدت رسالتها على أحسن
ما يتطلبه واقع المسلمين وما هم فيه من الحاجة إلى نشر التعاليم القيمة
في بث روح الأخوة الإسلامية، والعدالة الاجتماعية، ومحو المعتقدات
الفاسدة والآراء الشاذة.
ولكن بمزيد الأسف أن السلطة الحاكمة قد إتخذت جميع التدابير لمحاربة
تلك المدرسة، لأن شهرة الإمام الصادق سلام الله عليه في العالم
الإسلامي كانت تقضّ مضاجعهم، وتبث في قلوبهم الوجل من نشاطه العلمي إلى
جانب ما لأهل بيته من النشاط السياسي.
إن الطابع الذي طبعت عليه مدرسته سلام الله عليه ومنهجها الذي اختصت
به، هو استقلالها الروحي، وعدم خضوعها لنظام السلطة، ولم تفسح المجال
للحكام أن يتدخلوا في شؤونها، أو تكون لهم يد في توجيهها وتطبيق
نظامها، لذلك لم يتسنَّ لذوي السلطة إستخدامها في مصالحهم الخاصة، أو
تتعاون معهم في شؤون الدولة، ومن المستحيل ذلك – وإن بذلوا جهدهم في
تحقيقه – فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين، ولا تركن
إليهم كما لا ترتبط وإيّاهم بروابط الألفة، ولم يحصل بينها وبينهم
انسجام، ورغم كل الأخطار والمضايقات وبطش الجبارين وعسف الظالمين الذي
تعرضت له مدرسته سلام الله عليه من قبل حكام بني العباس، سارت مدرسة
الإمام سلام الله عليه على ذلك الاستقلال الروحي، ونالت تلك الشهرة
العظيمة، وخلّفت ذلك التراث الثمين والمجد العلمي، وإن الحضارة
الإسلامي مدينة لها بالتطور والخلود.
واليوم، وقد إنقضى نحو أربعة عشر قرناً على عصر الإمام الصادق سلام
الله عليه، استطاعت الشيعة بفضل مدرسته أن تطاول الدهر وتنهض بنشاط
علمي ملموس، ولها من الآثار العلمية، ما كفل لها البقاء إلى يوم
القيامة.
· «البادئ بالسلام أولى بالله وبرسوله».
· «صدقة يحبّها الله، إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا
تباعدوا».
· «أحبّوا للناس ما تحبّون لأنفسكم».
· «خمس من لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع، قيل: وما هنّ يا ابن
رسول الله؟ قال: الدين، والعقل، والحياء، وحسن الخلق، وحسن الأدب».
· «إن أصحاب جعفر منكم لقليل إنما أصحاب جعفر من اشتدّ ورعه وعمل
لخالقه».
· «من أكثر ذكر الله أظلّه الله في جنّته».
· «إن الله تبارك وتعالى أوجب عليكم حبّنا وموالاتنا، وفرض عليكم
طاعتنا، ألا فمن كان منّا فليقتد بنا فإن من شأننا الورع والإجتهاد،
وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، والعفو عن
المسيء، ومن لم يقتد بنا فليس منّا».
· «إن شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة».
لقد لقي سلام الله عليه في هذين العهدين مشاكل كثيرة، فهو في العهد
الاموي عرضة لأخطار، اولئك القوم الذين يكيدون آل محمد صلى الله عليه
وآله ويتوقعون الفرص للفتك بهم، وهو في عصره عميد البيت النبوي الشريف
وسيد الهاشميين، والمبرز من آل محمد صلى الله عليه وآله، ومن رجال
الأمة الذين كانوا يهم الدولة أمرهم باتجاه الأنظار إليهم، ولا يستبعد
من الامويين أن يقابلوه بكل اذى وشدّة، ولكن الله سبحانه وتعالى عصمه
منهم، وردّ كيدهم عنه. ولما دبّ الضعف في جسم الدولة كانت فترة مريحة
استطاع الإمام أن يركن إلى الراحة والأطمئنان مدة من الزمن، فتوافد
عليه طلاب العلم من رجال الأمة...
أما في العهد العباسي فهو قذى في عيونهم لأنه زعيم أهل بيت ثارت الأمة
لأجلهم وانهارت الدولة الأموية بالدعوة لهم، ورفعت شعارات البيعة لهم.
وقد كان في أيام السفاح برفاهيّة نظراً للظروف والأوضاع التي سايرها
السفاح بمقتضى سياسة الدولة. وفي زمن المنصور كانت المشكلة أشهر مما هي
عليه من قبل، فقد كان المنصور يقظاً لا يفوته ما للإمام من المنزلة في
المجتمع، ويعظم عليه إتجاه الأنظار إليه، وقد عاشره من قبل وعرف منزلته
وعلمه لذلك كان حذراً منه أشد الحذر، والمخاوف تحيط به والأوهام
والشكوك تساوره، كما أن الوشاة ملأوا سمع المنصور من الأكاذيب على
الإمام سلام الله عليه مما جعله يحاول الفتك به، وكانت سياسة الإمام
الصادق سلام الله عليه وإنعزاله ونظره إلى الأمور بعين الواقع برهنت
على كذب اولئك الوشاة وخففت من سورة غضب المنصور قليلاً ولكنها لم ترفع
أصل الإتهام، فهو على حذر دائم لأنه يعرف مقام الإمام سلام الله عليه
ومنزلته العلمية ومكانته الاجتماعية.
غير إن السلطات العباسية تنبهت أخيراً إلى خطورة كفاح الإمام سلام الله
عليه على سلطانهم وتأثيره الكبير ضد سياستهم. لأنه سلام الله عليه
بأسلوب كفاحه نشر الوعي الديني وأحيا الروح الإيمانية والنهضوية في
نفوس المسلمين فصاروا ينظرون إلى الحكام نظرة إزدراء وإلى سياستهم
وسلوكهم نظرة إحتقار وانتقاد. وهذا أمر طبيعي لأن الباطل لابدّ أن
يفتضح إذا ظهر أمام الحق. والحق يعلو ولا يعلى عليه.
لذلك صمم المنصور العباسي لعنة الله عليه على إسكات صوت الحق وإخماد
شعلة الهداية وإطفاء نور الله تعالى. وذلك بالقضاء على الإمام الصادق
سلام الله عليه فدس الخبيث المنصور إليه سمّا في طعام على يد واليه
حاكم المدينة.
فقضى إمامنا الصادق سلام الله عليه شهيداً في 25 شوال لعام 148 هـ.
سلام الله عليك يا جعفر بن محمد أيها الصادق يا ابن رسول الله.
السلام عليك يوم ولدت ويوم عشت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّاً.
ولعنة الله والملائكة والناس أجمعين على ظالميك وقاتليك ومبخسي حقك
ومنزلتك.
وسيعلم الذين ظلموا محمد وآل محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.
|