أنحن نخلي عنك وبما نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟ لا والله
حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي،
ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة. والله لا
نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك.
أما والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى
يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا
أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء
لها أبداً.
كانت هذه الكلمات الحماسية جواب مسلم بن عوسجة لسيده ومولاه
الإمام الحسين سلام الله عليه بعد أن طلب منهم الإمام أن
يتفرقوا عنه بقوله سلام الله عليه:
«فانطلقوا في حلّ ليس عليكم مني
ذمام، وهذا الليل قد غشيكم، فاتخذوه جملاً».
وقال زهير:
والله لوددت أني قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت حتى أُقتل هكذا ألف
مرة وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان
من أهل بيتك.
لقد اندفع أصحاب مولانا أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه
بأجمعهم يعلنون الوفاء للإمام والترحيب بالموت في سبيله
والتفاني في الفداء من أجله.
فقال لهم الإمام سلام الله عليه بخلاف ما يتوقع قوله عادة من
القادة وأمراء الجيوش:
«إني غداً لمقتول وأنتم جميعاً
ستقتلون»
فهتف الأصحاب جميعاً:
الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك، أَوَ لا
ترضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول الله.
وفي هذا اليوم كان القاسم بن الحسن سلام الله عليهما قد أعلن
لعمّه الحسين سلام الله عليه: إن الموت فيك أحلى من العسل.
ثم إن الإمام أمر بمقاربة الخيام بعضها من بعض ووضع أرقى
المخططات العسكرية استعداداً للحرب في يوم غد، وقام أصحاب
الإمام بمحاولة أخرى لتحصيل الماء، فذهبت مجموعة من الفرسان
لإنجاز هذه المهمة بقيادة مولانا علي الأكبر سلام الله عليه
فأفلح في مهمّته كما أفلح من قبل عمّه العباس سلام الله عليه،
ورجع بالماء فشرب الإمام ومن معه جميعاًًً وأمر أصحابه أن
يغسلوا ثيابهم لتكون أكفاناً لهم. وكانت هذه آخر شربة ماء
للإمام وأهل بيته وأصحابه.
وكان سيدنا قمر بني هاشم سلام الله عليه يتفقد خيام الإمام
الحسين سلام الله عليه في مساء هذا اليوم ـ أي ليلة العاشر ـ
حتى يكون النساء والأطفال في مأمن من هجوم مرتزقة عبيد الله.
وفي هذه الليلة كان بقية الماضين وثمال الباقين إمام الأحرار
مولانا الحسين سلام الله عليه يردّد بهذه الأبيات:
|
يا دهر أف لك من خليل |
كم لك في الإشراق والأصيل |
|
من طالب وصاحب قتيل |
والـدهر لا يقنع بالبـديـل |
|
وإنما الأمر إلى الجـلـيل |
وكل حـي ســالك سبيلي |
وكانت أخت الإمام السيدة زينب في خيمة الإمام السجاد سلام الله
عليه التي كانت بقرب خيمة الإمام، فلما سمعت ما يقوله الإمام
اضطربت وأسرعت إلى أخيها وقالت بنبرات لفظت فيها شظايا قلبها:
«ليت الموت أعدمني الحياة»
قال لها الإمام وعيناه ترقرق بالدموع أسى على لوعة أخته:
«يا أخية لا يذهبن بحلمك الشيطان»
أما زينب فلم تملك صبرها واحترق قلبها غمّاً على أخيها ولطمت
وجهها وخرّت على الأرض فاقدة لوعيها.
فأسرع الإمام سلام الله عليه نحو أخته ورشّ الماء على وجهها
وبعد أن عاد وعيها قال لها:
«يا أختاه اتقي الله وتعزّي بعزاء
الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل
شيء هالك إلا وجه الله تعالى الذي خلق الخلق بقدرته ويبعث
الخلق ويعودون وهو فرد وحده، وأبي خير منّي وأُمّي خير منّي
وأخي خير منّي ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة.
يا أختاه إني أقسمت عليك فأبرّي قسمي؛ لا تشقّي عليّ جيباً ولا
تخمشي عليّ وجهاً ولا تدْعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت».
فهدّأ الإمام بهذه الكلمات روع عقيلة الهاشمين، ثم أمسك بيدها
وأدخلها في خيمة ولده السجاد.
لقد كان من الصعب تصوّر أن زينب ستكون بعد ساعات هي المحامية
عن ابن أخيها.
فقد كان رضا الله تعالى في أن تؤسر زينب لتشارك أخاها في
مأساته ولكي لا يذهب دم إمام العدل والإنسانية هدراً.
فكانت خواطر هذه الليلة وما تلاها من الليالي والأيام تعصر قلب
الإمام علي بن الحسين سلام الله عليهما دوماً.
وأقبل الإمام وأهل بيته وأصحابه الأوفياء على العبادة فقضوا
ليلتهم بالصلاة ومناجاة الله والاستغفار فكانوا مصداقاً لقوله
تعالى:
«الذينَ يذكرونَ الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم»
وكان لهم دويّ كدويّ النحل، وهم ما بين راكع وساجد وقارئ
للقرآن ولم يذق أحد منهم طعم الرقاد، فكان مشهداً ملائكياً لا
يمكن وصفه وخصوصاً عندما يسمع المرء صوت الإمام الحسين سلام
الله عليه وهو يقرأ في صلاته قوله تعالى:
«وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ
عَذَابٌ مُّهِينٌ، مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ
الطَّيِّبِ».
وكان الإمام يصلّي فأشرف عليه الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن
ولما سمع الإمام يقرأ الآيتين المذكورتين في صلاته جعل يهزأ
بالإمام، وقال:
نحن وربّ الكعبة الطيّبون ميزنا منكم.
لقد خفي على هذا الأثيم أنه لا يسخر من آيات الله ونعمه إلا
القوم الكافرون والظالمون.
وكان برير بن خضير قريباً من ذلك المشهد فخاطب ابن ذي الجوشن
بهذا القول:
يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين؟!
وذكروا أن دوي الإمام وأصحابه كان له وقع مؤثّر على جيش عمر بن
سعد حيث قامت مجموعة من الجنود ممن كانوا يحومون حول خيام
الإمام بالالتحاق بأصحاب الإمام ثم نالوا شرف الشهادة.
وخفق الإمام الحسين سلام الله عليه ليلة عاشوراء خفقة فاستيقظ
وقال:
«رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليّ
لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ وأظن أن الذي يتولى
قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم...»
ذكر التاريخ أن شمر بن ذي الجوشن كانت له هذه المواصفات.
واستمر الإمام سلام الله عليه في كلامه وقال:
«ثم إني رأيت بعد ذلك جدّي رسول الله
صلى الله عليه وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني
أنت شهيد آل محمد وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح
الأعلى، فليكن إفطارك عندي الليلة عجّل ولا تؤخّر، فهذا ملك قد
نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء. فهذا ما رأيت وقد
أَزِف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا، لا شك في ذلك».
|