الصفحة الرئيسية        

اليوم الثامن

لم تذكر كتب التاريخ من حوادث في هذا اليوم سوى تشديد الحصار على خيام مولانا الإمام سيد الشهداء سلام الله عليه، ومنع الماء على الإمام وأهل بيته وأصحابه. لذلك سنتناول في هذا المجال ما تبع ذلك من حوادث، وهي كثيرة وتتطلب المزيد من البحث.
لقد قرّر عمر بن سعد أن يبدأ هجومه على خيام الإمام سلام الله عليه في عصر تاسوعاء، وأطّر قراره بقوله:
يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري!!
وكان الإمام الحسين صلوات الله عليه جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه. فسمعت أخته زينب الكبرى عليها السلام أصوات الرجال وتدافعهم نحو أخيها، فركضت نحوه، فأيقظته، فرفع الإمام رأسه فرأى أخته، فقال لها:
«إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام، فقال: إنك قادم إلينا».
وذابت نفس العقيلة، وانهارت قواها وقالت:
«يا ويلتاه»
قال الإمام: «أخيّه هوّني عليك، فالويل لشانئك».
في هذه الأثناء التفت ابن علي المرتضى وأعظم ناصر للحسين بكربلاء سيدنا أبو الفضل العباس، التفت إلى الإمام وأخبره بزحف القوم.
فطلب منه الإمام أن يتعرّف على خبرهم.
وأسرع أبو الفضل نحوهم ومعه عشرون فارساً من أصحابه، فوقف أمام القوم وسألهم عن زحفهم.
قالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم.
قال العباس:
تمهلوا حتى أقدم على أبي عبد الله وأعرض عليه الأمر.
وكان في أصحاب سيدنا العباس أبطال أشاوس كحبيب بن مظاهر وزهير بن القين.
قال حبيب لزهير:
هذه خير فرصة ننصح فيها القوم ونعظهم ونرشدهم. فهل تتكلم فيهم أنت أم أقوم أنا بذلك؟
قال زهير: تكلّم أنت فيهم.
فجعل حبيب يعظهم. فقال رجل من جيش يزيد مستهزئاً: يابن مظاهر إنك لتزكّي نفسك.
وانبرى إليه زهير وقال:
إن الله قد زكّى حبيب وهداه، فاتقوا الله ولا تكونوا ممن يعين أهل الضلالة على قتل النفوس الزكية.
قال رجل من جيش يزيد وكان يعرف زهيراً:
يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت، إنما كنت عندنا عثمانياً!
قال زهير:
أفلست تستدلّ بموقفي هذا أني منهم؟ أما والله ما كتبت إليه قط، ولا أرسلت إليه رسولاً، ولا وعدته نصرتي، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله ومكانه منه، وعرفت ما يقدم عليه عدوّه، فرأيت أن أنصره وأن أكون من حزبه وأجعل لنفسي دون نفسه لما ضيَّعتم من حق الله ورسوله.
ورجع إليهم أبو الفضل العباس. وكان الإمام قد أراد منه أن يؤخّر القوم عن القتال إلى يوم غد ليصلّي لربّه ليلته، ويدعوه، ويستغفره، فالله يعلم أنّ الإمام يحبّ الصلاة وتلاوة القرآن وكثرة الدعاء والاستغفار.
فامتثل سيدنا أبو الفضل العباس لما أراده الإمام منه، واستطاع أن يؤخّر ارتكاب القوم جريمتهم إلى يوم غد.
وفي الساعات الأولى من الليل جمع الإمام سلام الله عليه أصحابه الأوفياء الأحرار وخطب فيهم قائلاً:
«أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء. اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين.
أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإني لأظن يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم حرج منّي ولا ذمام.
هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً، ثم تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري
».
وبعد أن فرغ الإمام من كلماته هبّت الصفوة الطيّبة من أهل بيته وأعلنوا أنهم قد اختاروا الطريق الذي يسلكه الإمام، ويتبعونه في مسيرته ولا يختارون غير منهجه.
وقال العباس الذي كان مطيعاً للإمام دوماً في أقواله وتصرفاته كلّها، وكان يعد نفسه جندياً بين يدي الإمام:
لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً.
وتابع العباسَ بن علي عليهما السلام الفتيةُ الطيبة من أهل البيت وأعلنوا للإمام عن بقائهم وثباتهم معه واستعدادهم للتضحية بين يديه سلام الله عليه.
التفت الإمام سلام الله عليه إلى أبناء عمه من بني عقيل فقال لهم:
«حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا فقد أذنت لكم».
وهبّت فتية آل عقيل تتعالى أصواتهم قائلين بلسان واحد:
لا والله لا نفعل ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا نقاتل معك، حتى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.
لقد اختبر الإمام أهل بيته وأصحابه، فوجدهم خيرة الرجال صدقاً ووفاءً، قد أشرقت نفوسهم بنور الإيمان، وتحرّروا من جميع شواغل الحياة، وآمنوا أنهم صائرون إلى الفردوس الأعلى، وكانوا في ظمأ إلى الشهادة ليفوزوا بنعيم الآخرة، وكان لسان حالهم يقول:   

عُشّاقك نحن أتيناك

 لتصبّ دمانا بدماك

قلبٌ ولسانٌ لبّـاك

وهتفنا وهتفنا حيدر

خُدّامك قلنا لبيـك

نحن عبيدك بين يديك

جئناك نواسي المختار

وقسيم الجنة والنـار

ونواسي الطالب بالثار

ونواسي ونواسي شُبّر

جئناك نواسي الزهراء

لترانا مـشروع فداء

بدموع حرّى ودماء

تجري تجري للمحشر