كلما تصفحنا تاريخ كربلاء، أو أردنا الحديث عنها انحبست
أنفاسنا، خصوصاً كلما اقتربنا من يوم العاشر من محرم. وعندها
نأمل كالصغار أن يتغير التاريخ ويبيضّ وجه الإنسانية، ولا تكون
ذليلة بل تكون شامخة ومرفوعة الرأس ولا تكون تحت أقدام
الجاهلية والدناءة والغش وحبّ الدنيا.
ولكن...وا أسفاه... تلفّنا الحسرة.
كأن التاريخ قد أُريد له أن يكون لمرة واحدة باختيار الإنسان،
وهذه المرة هي الحاضر والماضي، أما في المستقبل فسيكون الإنسان
في اختيار التاريخ.
إن الحديث عن كل لحظة من لحظات كربلاء صعب جداً ومرهق، والأصعب
منه درك هذا الأمر:
أَمِنَ الممكن أن يخفى طيب الحسين وصدقه وشرفه على أكثر
الناس؟!
وهل بمقدورنا أن نصدّق أن الإنسان ذا الفطرة السليمة يسحق
فطرته تحت أقدام الآمال والأوهام الدنيوية الفانية الزائلة،
وينكر فضل الحسين!!
لقد اتصف أولياء الله تعالى بصفات متضادة. فقد كانوا أشداء على
الكفار رحماء بينهم. وكانوا في أعلى مراتب الدقة وفي الوقت
نفسه كانوا يغضّون الطرف عن عيوب الناس.
وكانوا أقدر الناس على مواجهة الظلم، وفي الحال أخضع الناس
للحق.
ويعجز عن استيعاب ودرك هذه الأضداد من لم ينوّر عقله بنور من
الله تعالى.
إن الإمام الحسين سلام الله عليه مع أنه قد استعدّ للشهادة
لكنه سعى كثيراً لمنع إراقة الدماء، فطلب من ابن سعد الاجتماع
به.
فالتقى معه وقال له الإمام الحسين سلام الله عليه:
يا ابن سعد! أما تتقي الله الذي إليه
معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي،
فإنه أقرب لك إلى الله تعالى.
فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري.
فقال الحسين سلام الله عليه: أنا
أبنيها لك.
فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.
فقال الحسين سلام الله عليه: أنا
أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.
فقال: لي عيال وأخاف عليهم. ثم سكت ولم يجبه إلى شيء.
فانصرف عنه الحسين سلام الله عليه وهو يقول:
ما لك ـ ذبحك الله على فراشك عاجلاً
ولا غفر لك يوم حشرك ـ فو الله إني لأرجو أن لا تأكل من بُرّ
العراق إلا يسيراً.
وقد نقلوا في التاريخ أنّ مثل هذا الحوار قد تكرّر
بين الإمام الحسين سلام الله عليه وعمر بن سعد لمرات، فكتب ابن
سعد على أثرها كتاباً إلى ابن زياد بهذا المضمون:
أما بعد، فإنّ الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر
الأمة. هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو
أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم
وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في
يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضى وللأمّة صلاح.
ولما ورد كتاب ابن سعد إلى ابن مرجانة استصوب رأيه، ورأى فيه
حلاً للمشكلة، ولكن شمر بن ذي الجوشن الذي كان جالساً إلى جانب
ابن زياد ضاق ذرعاً بالأمر، فقد عُرِف الخبيث بوضاعة النسب
وشغفه بالمنصب والدنيا، فقال لابن مرجانة:
أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وأتى جنبك؟ والله لئن رحل بلادك
ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة ولتكونن أولى بالضعف
والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة، فإنها من الوهن ولكن لينزل على
حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت أولى بالعقوبة وإن عفوت كان
ذلك لك.
فكانت تخرّصات شمر موافقة لنفسية ابن مرجانة، فقال الأخير:
نعم ما رأيت الرأي رأيك، أُخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد،
فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث
بهم إليّ سلماً، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له
وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه وابعث
إليّ برأسه.
وكتب ابن مرجانة إلى عمر بن سعد:
لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا لتطاوله ولا لتمنّيه
السلامة والبقاء ولا لتعتذر عنه ولا لتكون له عندي شفيعاً.
انظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ
سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنهم
لذلك مستحقّون. فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه
عاتٍ ظلوم، ولست أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً ولكن على
قول قد قلته لو قد قتلته لفعلت هذا به، فإن أنت مضيت لأمرنا
فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا
وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه
بأمرنا والسلام.
وبعد أن وصل كتاب ابن زياد لعمر بن سعد، التفت الأخير إلى شمر
بن ذي الجوشن وقال له:
ما لك ويلك ـ لا قرّب الله دارك وقبّح الله ما قدمت به عليّ ـ
والله إني لأظنّك نهيته عمّا كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمراً
قد كنّا رجونا أن يصلح. لا يستسلم والله حسين، إنّ نفس أبيه
لبين جنبيه.
فقال له شمر:
أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه؟ وإلا فخل
بيني وبين الجند والعسكر.
قال ابن سعد:
لا ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولّى ذلك.
إنّ يزيد، وعبيد الله، وشمراً، وعمر بن سعد كلّهم من سنخ واحد:
عبيد الدنيا، وذئاب كاسرة.
ولخسّتهم ودناءتهم وانحطاطهم نكون قد ارتكبنا ظلماً بحق الذئاب
إن شبّهنا بها هؤلاء المنحطّين السفلة.
فهؤلاء لم يكن لديهم مانع من أن يقطّعوا أوصال بعضهم بعضاً كي
يصلوا إلى القدرة وسدّة الحكم، بل إن هذا الأمركان من طبعهم
وديدنهم.
ولهذا قبل ابن سعد بقيادة الحرب مع الإمام، لكنه أثبت للجميع
أنه مهما سعى عبيد الشهوات والمناصب، الوالهون بالدنيا وزخرفها
في أن يجمعوا بين الدنيا والآخرة فإن سعيهم هواء في شبك، ولا
نصيب لهم لا من الدنيا ولا من الآخرة، فهم عبيد أهوائهم وليسوا
عباداً للواحد الأحد. |