في كل يوم كان يلتحق العديد بجيش عمر بن سعد ويزداد عدداً،
أما أصحاب الإمام فقد بقوا على قلّتهم.
وحضر حبيب بن مظاهر بين يدي الإمام وقال:
يا ابن رسول الله هاهنا حي من بني أسد بالقرب منّا أتأذن لي في
المصير إليهم، فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم عنك؟
فأذن له الإمام، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكراً ودعاهم
إلى نصرة ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فتبادر رجال
الحي حتى التأم منهم تسعون رجلاً، فأقبلوا يريدون الحسين سلام
الله عليه، ولكن كان مندساً فيهم عين لابن سعد، فأسرع إليه
وأخبره بالحال، فدعا ابن سعد أربعمائة فارس ووجّهم نحو حي بني
أسد، فناوش القوم بعضهم بعضاً واقتتلوا قتالاً شديداً، فاستشهد
إثر ذلك عدد من بني أسد ورجع الباقي إلى حيّهم، ورجع حبيب بن
مظاهر إلى الحسين سلام الله عليه وأخبره بذلك.
وبعد وصوله كربلاء أصدر عمر بن سعد وبأمر من ابن مرجانة
الأوامر بمنع الماء عن الإمام وأهل بيته وأصحابه، وكان وقع هذا
الأمر صعباً على الحر.
وذكروا أن الإمام سلام الله عليه أخذ فأساً وحفر حول خيمة
النساء فنبعت عين ماء عذب فشربوا منها إلا أنها لم تلبث إلا
قليلاً حتى غارت.
وعدّ جماعة هذا الأمر من معجزات الإمام سلام الله عليه. ولما
وصل خبر ذلك لابن زياد اغتاظ فأرسل إلى ابن سعد رسالة جاء
فيها:
امنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم غاية التضييق.
وأضاف متهماً: افعل بهم كما فعلوا بعثمان!
ولما اشتد العطش بأهل بيت الإمام وأصحابه، توجّه أحد الأصحاب
إلى الإمام وهو يزيد بن حصين الهمداني وقال: ائذن لي يا ابن
رسول الله لآتي هذا ابن سعد فأكلّمه في أمر الماء، فعساه
يرتدع.
قال له الإمام: ذلك إليك.
فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد، فدخل عليه، فلم يُسلّم عليه.
قال ابن سعد: يا أخا همدان ما منعك من السلام عليّ ألست مسلماً
أعرف الله ورسوله؟
فقال له الهمداني: لو كنت مسلماً كما تقول لما خرجت إلى عترة
رسول الله صلى الله عليه وآله تريد قتلهم، وبعد هذا ماء الفرات
تشرب منه كلاب السواد وخنازيرها وهذا الحسين بن علي وإخوته
ونساؤه وأهل بيته يموتون عطشاً قد حلت بينهم وبين ماء الفرات
أن يشربوه وأنت تزعم أنك تعرف الله ورسوله؟
فأطرق عمر بن سعد ثم قال:
والله يا أخا همدان إني لأعلم حرمة أذاهم ولكن ما أجد نفسي
تجيبني إلى ترك الري لغيري.
فرجع يزيد بن حصين فقال للحسين سلام الله عليه:
يا ابن رسول الله قد رضي أن يقتلك بولاية الري.
وذكروا أن الإمام الحسين سلام الله عليه وفي اليوم السادس من
محرم لما رأى أطفاله وأهل بيته يستغيثون من الظمأ القاتل دعا
بأخيه العباس، فضم إليه ثلاثين فارساً وعشرين راكباً وبعث معه
عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات.
فقال عمرو بن الحجاج وكان من الحرّاس على الماء: من أنتم؟
فقال رجل من أصحاب الحسين سلام الله عليه يقال له هلال بن نافع
البجلي:
ابن عم لك جئت أشرب من هذا الماء.
فقال عمرو: اشرب هنيئاً.
فقال هلال: ويحك تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون
عطشاً؟
فقال عمرو: صدقت ولكن أمرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه.
فصاح هلال بأصحابه، فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس واقتتلوا
قتالاً شديداً، فكان قوم يقاتلون وقوم يملأون حتى ملأوها، ولم
يقتل من أصحاب الحسين أحد. ثم رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب
الحسين سلام الله عليه ومن كان معه ولذلك سمّي العباس عليه
السلام السقّاء.
وكانت هذه أوّل مواجهة حصلت بين أصحاب الإمام أبي عبد الله
الحسين سلام الله عليه وجيش الكوفة، وذكروا أنه لم يقتل فيها
إلا رجل واحد حيث جرحه نافع بن هلال برمحه ثم هلك بعدها.
إثر ذلك أحاطوا نهر الفرات بمزيد من الحرس ليمنعوا الماء عن
الإمام سلام الله عليه وأهل بيته وأصحابه.
وفي الساعات الأخيرة من هذا اليوم بلغ عدد جيش عمر بن سعد
عشرين ألفاً. فقد زحف الكثير من أهل الكوفة ليشاركوا في محاربة
ابن رسول الله، في حين أن بعضهم وهم في الطريق إلى كربلاء
كانوا يلوذون بالفرار، ولكن ليس إلى الله بل لينجّوا أنفسهم
الدنيئة.
إن الذين بقوا لمحاربة الإمام سلام الله عليه أبانوا عن كفرهم
وخبثهم، وأما الذين فرّوا من جيش عبيد الله فلم يكن لهم من
الأهمية بمكان أن يراق دم ابن رسول الله لأنهم كانوا عبيداً
للدنيا وكان الدين لعقاً على ألسنتهم ـ كما عبّر الإمام سلام
الله عليه ـ.
فقد نأوا بأنفسهم عن نصرة رجل عرفت شأنه وفضائله المخلوقات
كلّها والجمادات، فكيف بهم وقد عاشوا لسنين معه ومع أبيه
وأخيه، وكانوا يعرفونه حق المعرفة أنه صفيّ الله وصفيّ رسوله،
والمنتجب الذي اختير لبسط الخير.
وكانت هذه الحقيقة مشهودة وبارزة بحيث لم يستطع أحد أن ينكرها
حتى أعداء آل علي سلام الله عليه، فالذي ينكر وجود الشمس في
النهار يقدح بنفسه.
فقد سعوا كثيراً بإعلامهم المضلّل أن يسدلوا الستار على شأن
الإمام الحسين سلام الله عليه وأفضليته، وأن ينسبوا الفضل
لأنفسهم.
فكانوا ينعتون المعارض لهم بأنه معارض للإسلام ولسيرة النبي
حتى لا يدعوا فرصة ومجالاً لأولي الألباب، وهذا ما وقع.
والذين لم يقفوا إلى جانب يزيد وتجنّبوا في الوقت نفسه
المواجهة معه فقد اختاروا لأنفسهم العيش المنفعي الذليل.
ولكن خابت ظنونهم ولم يبلغوا شيئاً من مُناهم، فما لا يريده
الله لا يقع.
وقبال هؤلاء كانت هناك نخبة من الأحرار الإباة قد استطابوا
الموت مع خير خلق الله في سبيل الكرامة والعزّة.
ذكروا في التاريخ أن أحد الرجال وهو عمر بن أبي سلامة الدالاني
حاول أن يغتال ابن زياد في النخيلة إلا أنه لم يتمكن من ذلك،
ففرّ والتحق بالإمام الحسين سلام الله عليه.
بعدها أيقن الناس أن واقعة دموية قد أشرفت على الوقوع.
لقد كان هدف الإمام سلام الله عليه أن يبيّن للعالمين البون
الشاسع بين الحق والباطل.
... وانقضت اللحظات ومرّت الأيام وسار الحسين سلام الله عليه
على ما خطّه له الربّ الجليل: «وَاعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ». |