تنبيه: بما أن التاريخ
لم يذكر شيئاً من حوادث هذا اليوم إلاّ استعدادات جيش الكفر
كالتي مرّ ذكرها، لذا سنعرض في هذا المجال ما مرّ على الحرّ
خلال الأيام الأربعة الماضية.
لقد كانت الأيام الأربعة الأولى من محرم الحرام عصيبة على
الحرّ بن يزيد الرياحي، فقد انزاحت أمامه الستائر، وأوصله
التقدير إلى مرحلة اختيار عظيم. فقبل وصول عمر بن سعد وجيشه
إلى كربلاء كان الحر قائداً لجيش عبيد الله بن زياد، وهو الذي
جعجع بقافلة مولانا أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه.
مرّت أيام على أول لقاء للحرّ مع قافلة أبي عبد الله في
البراري بأطراف الكوفة كان خلالها يشاهد التعامل الإنساني
للإمام الحسين سلام الله عليه وكان يعي هذا التعامل بقلبه
جيداً.
في صباح اليوم الذي عزمت فيه القافلة أن تسير من منزل (شراف)
أمر الإمام الحسين سلام الله عليه فتيانه أن يستقوا من الماء،
ويكثروا منه، ففعلوا ذلك باستغراب، وبادر بعض أصحاب الإمام
فكبّر، حيث تصوّر أنه رأى نخلاً، لكنها لم تكن نخلاً بل طلائع
جيش العدو بقيادة الحرّ بن يزيد.
فمال موكب الإمام إلى جبل كان بالقرب منه ليكون ملجأً إليهم
يجعلونه في ظهورهم، ويستقبلون القوم من وجه واحد. ولم يصدر
الإمام سلام الله عليه أمراً في المواجهة بل اكتفى باتخاذ موقع
فقط.
كان جيش الحر مرهقاً وقد أشرف هو وخيوله على الهلاك من شدّة
الظمأ، وكانت الظروف من الناحية العسكرية مواتية للإمام
ولصالحه لكنه سلام الله عليه أمر أصحابه أن يسقوهم، فسقوا
الجيش ثم انعطفوا إلى الخيل وسقوهم أيضاً.
قال علي بن الطعان المحاربي الذي كان من جيش الحرّ:
كنت ممن أضرّ بي العطش، فأمرني الحسين بأن أنخ الراوية، ولما
أردت أن أشرب جعل الماء يسيل من السقاء حتى ارتويت أنا وفرسي.
كانت هذه أول مواجهة لجيش الحر مع الحسين بن علي سلام الله
عليه، وكان مهيباً وقع هذا الخُلُق الرفيع على أصحاب القلوب
السليمة كالحر، فقد تأثّر ضميره اليقظ الحساس بهذا المعروف
والإحسان، فاندفع بعدها بوحي من ضميره حتى التحق بالإمام
واستشهد بين يديه.
فبقى الطرفان في الصحراء إلى حلول فريضة الظهر، فأمر أبو عبد
الله سلام الله عليه مؤذّنه أن يؤذّن ويقيم لصلاة الظهر.
ثم خاطب الإمام سلام الله عليه جيش العدو وقال:
أيها الناس إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمتْ عليّ رسلكم أن
أقدم علينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجمعنا وإياكم على الهدى
والحق، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنّ إليه من
عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت
عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.
فأحجم أهل الكوفة عن الجواب ولم يقولوا شيئاً.
بعدها التفت الإمام إلى الحر وقال له:
أتريد أن تصلّي بأصحابك؟
قال الحر: بل نصلّي بصلاتك.
بعدها اقتدوا بالإمام أيضاً في صلاة العصر.
وبعدما فرغ الإمام الحسين سلام الله عليه من صلاة العصر انبرى
بعزم وثيق فخطب في ذلك الجيش وقال:
أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله
يكن أرضى لله عنكم ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر
عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور
والعدوان، فإن أبيتم إلا الكراهة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم
الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت عليّ به رسلكم انصرفتُ عنكم.
وانبرى إليه الحر فقال له: والله لا علم لي بشأن الكتب.
فأمر الإمام باحضار كتب أهل الكوفة، فأحضروا خرجين مملوءين
صحفاً ونثرها الإمام بين يدي الحر، فبهر الحر وتأمّلها وقال:
لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرت أن لا أفارقك إذا
لقيتك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد.
قال الإمام الحسين سلام الله عليه:
الموت أدنى إليك من ذلك.
وعندما أمر الإمام أصحابه بالركوب والمسير حال الحر بينهم وبين
ذلك. فصاح به الإمام سلام الله عليه:
ثكلتك أمك ما تريد منّا؟
قال الحر: أما والله لو غيرك من العرب يقولها لي ما
تركت ذكر أمه بالثكل كائناً من كان، ولكني والله ما لي إلي ذكر
أمّك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه.
قال الإمام الحسين سلام الله عليه:
ما تريد منّا؟
قال: أريد أن انطلق بك إلى ابن زياد.
قال الإمام: والله لا أتبعك.
قال الحر: إذن والله لا أدعك.
وتكرر هذا الكلام بين الإمام سلام الله عليه والحرّ ثلاث مرات
إلى أن قال الحر:
إني لم أومر بقتالك إنما أُمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة،
فإذ أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة
يكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد،
فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك، فخذ
هاهنا.
ثم سار الطرفان، وفي الطريق أقبل الحر على الإمام وقال له:
يا حسين إني أذكّرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت
لتقتلنّ.
فقال له الإمام الحسين سلام الله عليه:
أفبالموت تخوّفني وهل يعدو بكم الخطب أن
تقتلوني وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول
الله صلى الله عليه وآله، فخوّفه ابن عمّه وقال أين تذهب؟ فإنك
مقتول، فقال:
|
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
إذ
ما نوى حقاً وجاهد مسلماً
|
|
وآســى الـرجال الصالحين بـنفـســه |
وفــارق مـثبـوراًً وودّع
مـجـرمـاًً |
|
فإن
عشتُ لم أندم وإن متُّ لم أُلَم |
كفى
بك ذلاً أن تعيش وتُرغَما |
ولما سمع الحرّ ذلك لم يقل شيئاً ورجع إلى جيشه متأمّلاً كلام
الإمام.
ثم إنّ الإمام سلام الله عليه خطب فيهم في منازل أخرى وكانت
لخطبه وقع مؤثر في قلوب الأحرار، أما الذين كانت قلوبهم أشدّ
قسوة من الحجارة فلم ينتفعوا من كلام الإمام سلام الله عليه. |