بعد دخوله كربلاء صمم ابن سعد على أن يرسل إلى الإمام سلام الله عليه من يسأله
عما جاء به؟ فامتنع الكثير من قوّاد جيشه من الذهاب إلى الإمام لأنهم كانوا ممن
كاتب الإمام بالقدوم إلى الكوفة. فانتدب لمقابلته كثير بن عبد الله الشعبي وكان
فاتكاً جريئاً فقال: أنا له وإن شئت أن أفتك به لفعلت.
قال ابن سعد: ما أريد أن تفتك به، ولكن ائته فسله ما الّذي جاء به؟
فأقبل كثير يشتد نحو الإمام، ولما بصر به أبو ثمامة الصائدي ـ وكان من أصحاب الإمام
ـ عرفه، فقام في وجهه، وقال له: ضع سيفك.
فأبى كثير.
قال أبو ثمامة: فإنّي آخذ بقائم سيفك ثم تكلّم بحاجتك.
فأبى كثير مرة أخرى.
قال أبو ثمامة: إذن أخبرني بما جئت به وأنا أبلّغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فإنّك
فاجر.
فاستبّا وانصرف إلى عمر بن سعد، فأخبره الخبر.
فدعا عمر بن سعد قُرّة بن قيس الحنظلي ـ وهو ابن اخت حبيب بن مظاهرـ فقال له: ويحك
الق حسيناً فسله ما جاء به؟ وماذا يريد؟
فلما أقبل قال الإمام لأصحابه:«أتعرفون هذا؟»
فأجابه حبيب بن مظاهر: نعم إنه من بني تميم، وهو ابن أختنا، وقد كنت أعرفه بحسن
الرأي، وما ظننت أنه يشهد هذا المشهد!!
وتقدَم قُرّة نحو الإمام فسلّم عليه، وسأله عما جاء به؟ فقال سلام الله عليه:
«إني لم أرد إلى هاهنا حتى كتب إليّ أهل مصركم أن
يبايعونني، ولا يخذلونني، وينصرونني، فإن كرهوني أنصرف عنهم من حيث جئت».
فرأى ابن سعد أنه بالإمكان التوصّل لحل سلمي يجنّبه خوض القتال مع الحسين سلام الله
عليه، لذلك أخبر ابن زياد بقول الإمام، فقال ابن زياد:
الآن وقد علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص
وكتب إلى ابن سعد: أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فأعرض على الحسين أن
يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام.
لكن عمر ابن سعد لم يعرض على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين
وأصحابه لا يقبل بهذه الذلة أبداً، ويعلم أيضاً أن الحسين إمام دين يفضّل الموت
بعزّ على الحياة مع الظالمين.
في الكوفة
(أيها الناس: إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما
تحبّون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن
السيرة محمود الطريقة محسناًَ إلى الرعية، يعطى العطاء
في حقّه، وأمنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية
في عصره، وهذا ابنه يزيد يكرم العباد ويغنيهم بالأموال
وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفرها
عليكم، وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين فاسمعوا له
وأطيعوا).
كانت هذه خطبة ابن زياد خطبها بالناس في مسجد الكوفة
بعد أن خطب فيهم شريح القاضي وأعلن لهم عن فتياه.
بعد ذلك قام ابن زياد بتوفير الأموال الكثيرة لأهل
الكوفة، وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين وأصحابه تحت
إمرة عمر بن سعد.
كانت الكوفة مضطربة، وخرج الآلاف منها لمقاتلة الحسين.
فقد لقي التهديد والإرعاب والتطميع والدعاية سوقاً
رائجة فيها.
وبسبب خباثة وشيطنة ابن مرجانة زحف الناس لساحة الحرب.
فقد فرض ابن زياد نوعاً من الأحكام العرفية كانت في
منتهى القسوة وأدّت أن يقع في شباك فتنة بني أمية كل
المتذبذبين.
أما طلاّب الحق والحقيقة فإنهم لم يرضخوا للأمويين
ورفضوا أن يصطفوا معهم.
فاجتمع أكثر أهل الكوفة في النخيلة، ثم أرسلهم ابن
زياد إلى كربلاء في أفواج، وأمّر على الأفواج رجالات
الكوفة.
من جانب آخر، وقبل أن يعسكر في النخيلة كان ابن زياد
قد أصدر أوامره المشددة بحمل أهل الكوفة في الحرب، وقد
أصدر مرسوماً جاء فيه: فلا يبقى رجل من العرفاء
والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي.
فلم يتجرّأ أحد على البقاء في الكوفة لأنه كان
سَيُتَّهم بالتمرّد ويكون مصيره الإعدام.
فقد ألقت شرطة ابن زياد القبض على رجل من همدان قدم
الكوفة يطلب ميراثاً له، فأتي به إلى ابن زياد فأمر
بقتله حتى يرتعب الناس ولا يتمرّدوا عن الخروج للحرب.
وبثّ ابن زياد الجواسيس والعيون حتى لا يخرج أحد إلى
كربلاء لنصرة الإمام سلام الله عليه. وكان عبد الله بن
يسار يحفز الناس إلى نصرة الإمام، وخذلان بني أمية،
فعلم به ابن زياد فأمر بإلقاء القبض عليه، فأخفى نفسه
وأخذت الشرطة تبحث عنه فظفروا به وقتلوه.
ففي هذه الأجواء والأوضاع، اضطر الكثير من الناس
للالتحاق بجيش عبيد الله بن زياد. ولكن الأكثرية
الساحقة منهم كانوا وهم في الطريق إلى كربلاء يتحيّنون
الفرص فيلوذون بالفراراً تحاشياً من حرب سبط رسول الله
صلى الله عليه وآله، بحيث إن القائد كان على ألف مقاتل
لا يصل إلى كربلاء إلا ومعه ثلاث مائة أو أربع مائة أو
أقلّ من ذلك.
وعلى هذا فالجيش الذي تدفق إلى كربلاء لحرب الإمام كان
عدده ثلاثين ألفاً كما ذكرت الروايات المأثورة عن
الإمام الصادق وباقي الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم
أجمعين. فقد انضمّ هذا العدد بكامل عتاده وأجهزته في
معسكر الظلم وكانوا كلّهم يدّعون بأنهم مسلمين ومن أمة
رسول الله صلى الله عليه وآله.
خلال هذه الأيام لم يتمكن من اللحوق بالإمام الحسين
سلام الله عليه سوى القليل، كالأربعة من أهل الكوفة(1)
الذين وافوا الإمام عندما انتهى إلى منطقة (عذيب
الهجانات)، وأراد الحر منعهم من الالتحاق بالإمام سلام
الله عليه وإرجاعهم إلى الكوفة، فصاح به الإمام:«إذاً
أمنعهم بما أمنع فيه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري، وأعواني».
لقد طوى هؤلاء الأربعة الصحاري وتحمّلوا عناءً كثيراً
ليوصلوا أنفسهم لمحبوبهم، وفي طول الطريق كان أحدهم
يرتجز بالأبيات أدناه وهو يحدو بالإبل:
|
يا
ناقتي لا تذعري من زجْرى |
وامضي بنا قبل طلوع الفجر |
|
بخير
فتيان وخير سفـــر |
آل
رسول الله أهل الفخر |
|
السادة البيض الوجوه الزُّهر |
الطاعنين بالرماح السمر |
|
الضاربين بالسيوف البـتر |
حتى
تحلى بكريم النجر |
|
بماجِدِ الجدّ رحيب الصدر |
أتى
به الله لخير أمر |
|
عمّره الله بقاء الدهـــر |
يا
مالك النفع معاً والضر |
|
امدد حسيناً سيدي بالنصر |
على
الطغاة من بقايا الكفر |
|
على
اللعينين سليلَيْ صخر |
يزيد لا زال حليف الخمر |
|
والعود والصنج معاً والزَّمْر |
وابن زياد العهر وابن العهر |
|