الصفحة الرئيسية        

اليوم الثالث

في اليوم الثالث من محرم الحرام لسنة إحدى وستين للهجرة لاحت في الأفق بداية فاجعة عاشوراء، فقد اصطف جنود الشيطان لمحاربة صفوة الخلق، خامس أصحاب الكساء مولانا الحسين سلام الله عليه.
فبعد أن رفض إمام الحق والهدى الجواب على كتاب ابن زياد، وبعد أن سمع الأخير ما كان لائقاً به من قول الإمام (حقّت عليه كلمة العذاب)، استنفر ابن زياد مكره وخبثه كلّه في جرّ الناس إلى محاربة الحسين سلام الله عليه.
إن الذي ساعد ابن زياد على استخدامه الناس للوصول إلى أهدافه الدنيئة هي الخصلة التي اتصف به أكثر الناس والتي بيّنها الإمام سلام الله عليه بقوله (الناس عبيد الدنيا) ولهذا استخدم كل الوسائل الدنيوية كالرشوة والتطميع والإرعاب والتهديد في جمع جيش من عبيد الدنيا ليقاتل به سبط رسول الله صلى الله عليه وآله، وبثَّ جلاوزته وجواسيسه في الكوفة ليمنع التحاق الناس بقافلة الحسين سلام الله عليه. وجمع الناس في جامع الكوفة وأخذ منهم البيعة ليزيد خليفةً وأميراً للمسلمين بعد أن خدعهم بدجله ونفاقه.
وكان من أكبر قبائح أولئك المفسدين الخبثاء أنهم أعلنوا على منبر الكوفة فتوى شريح القاضي القائلة بخروج ابن رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدين وكفره، والجواز بإهدار دم كل المعارضين ليزيد بن معاوية.
ياللعجب! فلقد كان الخارج الحقيقي عن الدين معاوية وأتباعه الذين نقضوا المعاهدة مع الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه. والأعجب من ذلك أن يصبح من وُلد بالحرام، الجامع لكل الرذائل والقبائح، ومن هو أفسد الفاسدين خليفة للمسلمين، وأن يجعلوا من إراقة دم ذرية رسول الله صلى الله عليه وسيلة للتقرّب إلى الله.
لقد كانوا مصداقاً لقوله تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً».
والأدهى هي الطاعة الذليلة من أهل الكوفة وخنوعهم لأوامر ابن زياد وشريح القاضي وولاة الفاسد يزيد وجلاوزته...
كان لعمر بن سعد بن أبي وقّاص جاه واعتبار بين بعض عوام الناس، لأن أباه كان من المسلمين الأوائل وكان قائداً للجيش الذي أرسله الخليفة الثاني لفتح بلاد فارس، وكان عمر هذا أمويّ الهوى وجاسوساً لبني أمية في رصد تحرّك مسلم بن عقيل في الكوفة.
وقبل وصول الإمام سلام الله عليه إلى كربلاء كان ابن زياد قد بعث عمر على رأس أربعة آلاف من الجنود لفتح إحدى مدن همدان، وكتب له عهداً بولاية الري. وكان من المقرر أن يذهب عمر إلى الري ليتولى منصبه، لكن بعد أن صمّم ابن زياد على حرب الحسين بن علي صلوات الله عليهما، أرسل في طلب عمر وأمره بالخروج إلى كربلاء وإنهاء أمر الحسين، على أن يذهب بعد ذلك همدان. وظنّ ابن زياد من اختياره عمر بن سعد أميراً على جيشه أنه يضفي شرعية على جريمته النكراء وأنه يحسّن الوجه القبيح لبني أمية.
فأتى عمرُ ابنَ زياد وقال له: (ابعث إلى الحسين من لست أغنى في الحرب منه)، وسمّى له أناساً من أشراف الكوفة.
قال عبيد الله: لست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا عهدنا.
لقد كان إرجاع عهد ملك الري بالنسبة لعمر بن سعد بمثابة تحطّم آماله كلها، ومن جهة أخرى كان عمر يعلم بمكانة الحسين عند الله تعالى وعند رسوله المصطفى وذلك من خلال ما علمه من القرآن وما سمعه من الرسول حول الحسين سلام الله عليه. فطلب من ابن زياد أن يمهله ليلته ليفكّر في الأمر علّه يجد حلاّ وسطاً يمكّنه من الحصول على ملك الري مع عدم الخروج لمقاتلة الحسين بن علي. فجمع نصحاءه فنهوه عن المسير لحرب الحسين، وقال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: أنشدك الله أن لا تسير لحرب الحسين فتقطع رحمك وتأثم بربّك، فو الله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كله لو كان لك لكان خيراً لك من أن تلقى الله بدم الحسين.
فقال لهم ابن سعد بخلاف ما كان يكنّه: أفعل. وبات ليلته مفكّراً في أمره، لكنه صار كأبيه، وفضّل حبّ الدنيا على ما كان يدعوه إليه ضميره ونفسه الّلوامة في عدم الشخوص إلى كربلاء، فقد سُمع يقول:
أأترك ملك الري والري رغبة أم أرجع مأثوماً بدم حسين
‏وفي قتله النار التي ليس دونها حجاب وملك الري قرة عين
فصمم على الخروج إلى كربلاء، فدخلها في أربعة آلاف من الجند، والتحق به الحر.
لقد كان عمر بن سعد جباناً خائر العزيمة ضعيف النفس خسيس الطبع، كما بيّنت ذلك الروايات المنقولة عن رسول الله والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وكان أبوه سعد ناقماً عليه لما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، ويقول الرواة أنه ـ أي سعد ـ عهد إلى ورثته أن لا يعطوه أي شيء من مواريثه.
ومن الروايات المنقولة قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «يكون مع قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقر بألسنتها».
ومنها أن عليّاً سلام الله عليه لقي عمر بن سعد يوماً فقال له: «ويحك يا بن سعد!! كيف بك إذا قمت مقاماً تُخيّر فيه بين الجنة والنار فتختار النار؟».