الصفحة الرئيسية        

اليوم الثاني

إنّ الأنبياء جميعاً من آدم إلى خاتمهم صلى الله عليه وآله بكوا كلما نظروا إلى أرض كربلاء، فهذه التربة كانت منذ القدم معهودة بدموع أولياء الله تعالى.
حتى أنه في ظهر الخميس الثاني من محرم الحرام لسنة إحدى وستين للهجرة عندما وصل سيدنا أبو عبد الله الحسين سلام الله عليه هذه الأرض وسأل عنها ممن كان معه وأخبروه عن اسمها، سالت دموعه وقال: «اللهم أعوذ بك من الكرب والبلاء».
في هذا اليوم حوصرت قافلة الشهادة حين انتهائها إلى نينوى من قبل جيش الحرّ بن يزيد الرياحي ومنعت من الذهاب إلى الكوفة. فقد ظهر من جانب الكوفة راكب، فإذا هو رسول عبيد الله بن زياد إلى الحر معه كتاب يقول فيه: جعجع بالحسين ولا تنزله إلاّ بالعراء على غير ماء وغير حصن. وقد قُرر على رسول ابن زياد أن يرجع بخبر تنفيذ الحر لما ورد في الكتاب.
بعد أن قرأ الحر الكتاب على الحسين سلام الله عليه وأصحابه تقدّم زهير بن القين وكان من الأصحاب وقال: يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا ما لا قبل لنا به.
فقال سبط رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما كنت أبدأهم بقتال».
وهكذا سارت القافلة، وبينا هي تسير إذ وقف جواد الحسين ولم يتحرك. فقد حطّ على أرض هي ميعاد المشفقين على الإنسانية والحرية من بدء الخلق إلى يوم القيامة. فوصفها الإمام سلام الله عليه هكذا: «هاهنا محط ركابنا وسفك دمائنا ومحلّ قبورنا، بهذا حدّثني جدّي رسول الله».
وكان لمالك بن نمر رسول ابن زياد الذي أرسله للحر رجل من أبناء عشيرته مع أصحاب الإمام سلام الله عليه وهو يزيد بن المهاجر الكندي، فنظر الأخير إلى رسول ابن زياد فعرفه، فلامه وقال له: ثكلتك أمك ماذا جئت فيه؟
قال: أطعت إمامي ووفيت ببيعتي.
فقال له ابن المهاجر: بل عصيت ربّك وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسيت العار والنار، وبئس الإمام إمامك، قال الله عزّ وجلّ: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ»(1) فإمامك منهم.
فلم تنفع موعظة ابن المهاجر مالكاً فقد كان من الذين «لهم آذانٌ لا يسمعونَ بها»(2).
ثم إن الإمام سلام الله عليه ضرب الخيام له ولأهل بيته وأصحابه، ووعسكر الحر وجيشه إزاء خيام الإمام الحسين سلام الله عليه، ثم بعث إلى ابن زياد يخبره بنزول الإمام في كربلاء، فكتب ابن زياد إلى الإمام الحسين سلام الله عليه: لقد كتب إليّ يزيد أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو أقتلك، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد، والسلام.
ولما قرأ الحسين سلام الله عليه الكتاب رماه من يده وقال: «لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق!».
وطالبه الرسول بالجواب فقال سلام الله عليه: «ما له عندي جواب لأنه حقّت عليه كلمة العذاب».
وأخبر الرسولُ ابنَ زياد بما قاله الإمام سلام الله عليه، فاشتدّ غضبه وأمر بالخروج إلى كربلاء لحربه سلام الله عليه.
وذكر في بعض التواريخ أن الإمام سلام الله عليه عندما وصل أرض كربلاء جمع ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال: «اللهم إنّا عترة نبيّك محمد وقد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو أمية علينا، اللهم فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين». وأقبل على أصحابه وقال: «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون».
ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر جدّه فصلّى عليه ثم قال: «إنه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وإن الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرت حذاء ولم تبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. أَلا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً، فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».
فقام زهير بن القين وقال: قد سمعنا يا ابن رسول الله مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لأثرنا النهوض معك على الإقامة.
وقام برير بن خضير وقال: والله ياابن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك وتُقطَّع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة.
وقام هلال بن نافع البجلي وقال: فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربّنا وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك.


(1) سورة القصص: الآية 41.
(2) سورة الأعراف: الآية 179.