ومن الأمور والعطاءات الإلهية التي تفرّد بها الإمام الحسين زيارته سلام الله
عليه؛ فإنّها تستحبّ حتى مع الخوف بل يزاد في مثوبتها، في حين أنّ الحج على عظمته
يشترط في صحّته خلوّ السرب (أي الطريق) من الخوف والخطر، حيث يقول جمهرة من الفقهاء
أنّه لو لم يبال الشخص مع ذلك وحجّ وأصابه الخطر لم يصحّ حجّه، بل ذهب بعضهم إلى
أنه لا يُقبل منه إذا لم تكن الطريق آمنة حتى لو لم يُصَب بسوءٍ؛ لأنه لم يلتزم
بهذا الشرط الذي هو من شروط الاستطاعة، فليس المقصود الاستطاعة المالية فقط بل يدخل
ضمنها الأمن، فمن لم يأمن الطريق لا يكون مشمولاً لها.
أما زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه فهي مسنونة ومستحبّة حتى مع الخوف بل ورد
الحثّ عليها، رغم أن الظلمة كانوا يسجنون الزوّار وربما يقطعون منهم الأيدي والأرجل
ويصادرون الأموال والأنفس، ومع ذلك لم نسمع أن الأئمّة نهوهم عن الزيارة بل كانوا
يشجعونهم؛ فلقد روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه، أنّ ابن بكير قال له: إنّي
أنزل الإرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً
من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح. فقال:
«يابن بكير، أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً، أما تعلم أنّه من خاف لخوفنا
أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسين سلام الله عليه تحت العرش، وآمنه الله
من أفزاع يوم القيامة، يفزع ولا يفزع، فإن فزع، وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة»(1).
الأمر الذي أدّى بزوار الإمام الحسين سلام الله عليه لأن يتوافدوا على ضريحه
المقدّس رغم الأخطار وبعد الأسفار، في البرد والحرّ رغم كلّ الظروف، حتى وصلتهم من
الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه تلك الدرر المكنونة من أدعيته سلام الله عليه
في قوله:
«اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا،
وخلافاً منهم على من خالفنا فارحم تلك الوجوه التي قد غيّرتها الشمس... اللهم إنّي
استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش»(2).
وفي حديث محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر سلام الله عليه أنّه قال له: «هل
تأتي قبر الحسين عليه السلام؟» قلت: نعم على خوف ووجل فقال سلام الله عليه:
«ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف»(3).
إنّ الذي يواجه الصعوبات ويشترك في قضايا سيّد الشهداء سلام الله عليه لاشكّ يكون
ثوابه أكثر من غيره، بل تكون تلك المعاناة فضلاً من الله عليه. فمثلاً لو أنفق شخص
مليون دينار في هذا الطريق وكان يمثّل 10% من ملكه، وأنفق آخر نفس المبلغ ولكنها
كانت تشكّل 5% من كل ما يملك فلا شك أن الأول أكثر ثواباً.
سمعت أنّ رجلاً كان يعمل حمّالاً في إحدى المدن قد بنى حسينية في بلدته من ماله
الخاص، حيث كان يعمل منذ شبابه من الصباح حتى المساء. وعندما كان يعود إلى بيته،
يجلس فيقسم حاصله اليومي إلى ثلاثة أثلاث، يخصّص ثلثاً منها ويدّخره باسم الإمام
الحسين سلام الله عليه. وبمرور الليالي والأيام، وبعد البركة التي أفاضها الله
تعالى على رزقه وما ادّخره، اشترى قطعة أرض خارج مدينته، وبعد سنوات قليلة شاء الله
تعالى أن تتوسّع المدينة، فأدخل التوسّع قطعته تلك إلى داخل المدينة، وبعد ذلك
إنبرى الحمّال فبنى قطعته وجعل منها حسينية عامرة بالروّاد وإقامة الفرائض والشعائر
الحسينية، وكلّ ذلك تم بتوفيق الله تعالى.
ولو تصوّرنا يوم الحساب والعقاب، يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله
بقلب سليم، ونرى هذا الحمّال قد جاء بحسينية في سبيل أبي عبد الله سلام الله عليه.
فبم سنأتي نحن؟
لنرتقي بهمّتنا في خدمة الإمام الحسين ولا نستصغر ما نستطيع عمله في هذا الطريق
الاستثنائي، فإن التوفيق من الله تعالى، لأنّه سبحانه جعل ما يرتبط بالإمام الحسين
سلام الله عليه استثنائياً.