مسؤولية دم الإمام الحسين سلام الله عليه

في زيارة للإمام الحسين سلام الله عليه يرويها ابن قولويه القمّي رحمه الله(1) في كتابه «كامل الزيارات»(2)؛ عن الإمام الصادق سلام الله عليه مخاطباً جدّه الإمام الحسين سلام الله عليه: وضمَّن ـ أي الله تعالى ـ الأرض ومَن عليها دمك وثارك(3).
يمكنني القطع أنّه لم يرد مثل هذا التعبير في الأدعية والزيارات المرويّة عن أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين بمثل ما ورد هنا بحقّ الإمام الحسين سلام الله عليه، وقد حار العلماء في تفسيرها، ومنهم العلامة المجلسي الذي نقل هذه الزيارة في كتابه «بحار الأنوار» عن ابن قولويه.
لنستطلع أوّلاً معاني مفردات هذه الجملة وأوّلها مفردة «ضمّن».
أقول: الضمان هو أحد أبواب الأحكام العملية الشرعية وقد وقع الخلاف بين الشيعة ومخالفيهم في تحديد صيغته والعمل بمقتضاه. فالمشهور بين علماء العامة أنّه «ضمّ ذمّة إلى ذمّة»، أمّا مشهور الشيعة فيقولون: إنّ الضمان «نقل ذمّة إلى ذمّة». وتوضيحهما:
لو كان في ذمّة زيد مال لعمرو بسبب دَين مثلاً، وضمن بكر زيداً لدى عمرو، فحسب مشهور الشيعة للضمان، لا يحقّ لعمرو بعد ذلك مطالبة زيد بالمال لأنّ الذمّة قد انتقلت إلى بكر وهو المطالَب حينئذ. أما حسب المشهور بين العامّة فإن عمراً يمكنه أن يطالب زيداً وبكراً كليهما، وحقّه بمطالبة كل منهما ينتفي لو وفّى له أحدهما، فيكون الضامن ـ على كلا الرأيين ـ مسؤولاً أمام صاحب الحقّ، سواء بانتقال المسؤولية إليه وحده، أم بالاشتراك مع المستفيد من ذلك الحقّ.
فالظاهر من عبارة الإمام الصادق سلام الله عليه في قوله وضمّن الأرض ومَن عليها هو: أنّ الله سبحانه وتعالى ألقى على الأرض ومَن عليها مسؤولية دم الحسين سلام الله عليه، لأنّ ذلك الدم الطاهر أُريق عليها، فأصبح بذمّتها وذمّة مَن عليها فصارت بذلك هي ومَن عليها الضامن والمسؤول عن دم الحسين سلام الله عليه.
لا إشكال أنّ العدل الالهي يعدّ أصلاً من أصول الدين عند أتباع آل البيت سلام الله عليهم، والذي يعني أنّ الله منَزّه عن الظلم. وهذا يستلزم أن كل ما يرد في روايات أهل البيت سلام الله عليهم لا بد أن ينسجم مع منطق العدل الإلهي، وكلّ تفسير يتعارض مع العدل الإلهي أو ينافيه فهو مرفوض سلفاً جملة وتفصيلاً.
ههنا يقول النص إنّ الله ضمّن الأرض أي الأرض كلّها، فليس في العبارة ما يصرف لفظة الأرض عن معناها العام إلى بقعة بعينها، مع العلم أنّ كلمة «كربلاء» وهي الأرض التي أُريق عليها دم الحسين سلام الله عليه موجودة في الروايات والزيارات الأخرى كثيراً، وكذلك كلمة «الكوفة» وهي الأرض التي خرجت منها الجيوش لقتل الحسين سلام الله عليه. ولكن عندما نراجع هذه الزيارة نرى كلمة «الأرض» وردت بإطلاقها، بل يقول النص: وضمّن الأرض ومَن عليها. أي الأرض وكلّ من عليها وهم كلّ البشر الذين سكنوا الأرض من أوّل الدنيا إلى آخرها.
يقول العلاّمة المجلسي رضوان الله عليه: لعلّ المقصود بـ (مَن عليها): الملائكة والجنّ(4).
ولكن قد يقال: ولماذا الملائكة والجنّ فقط؟ بل البشر وكلّ شيء أوعز إليه التسبيح لله تعالى أيضاً، لأنّ (مَن) ههنا موصولة وهي ظاهرة في العموم كما هو المشهور بين علماء اللغة والأصول. فتكون معنى العبارة: أنّ الله تعالى ألقى مسؤولية دم الحسين سلام الله عليه على الكرة الأرضية وكلّ مَن عليها. وحقَّ للعلماء أن يحاروا في توجيه هذه العبارة التي وردت عن الإمام الصادق سلام الله عليه وهو لا يقول ـ حاشاه ـ كلمات غير مفهومة؛ لأنه من أهل البيت سلام الله عليهم الذين هم القمّة في البلاغة ناهيك عن عصمتهم ودقّتهم في كلّ الأمور؛ فلماذا يقول الإمام سلام الله عليه أن الله تعالى جعل دم الحسين في ذمّة الأرض؟ ما شأنها؟ هل هي قتلت الحسين سلام الله عليه؟ وإذا كان المقصود بكلمة الأرض هنا كربلاء فنحن نعلم أن الله تبارك وتعالى رفع شأنها بالإمام الحسين سلام الله عليه حتى جعلها أشرف من الكعبة ـ وهذه من جملة العطاءات الاستثنائية التي خصّ بها الإمام الحسين سلام الله عليه ـ ولكن الإمام سلام الله عليه لم يخصص أرض كربلاء بل قال: ضمّن الأرض. أي كلّ الأرض، فإذا كان الإمام الحسين سلام الله عليه قد قُتل على بقعة من الأرض فلماذا حمّل الله الأرض كلها مسؤولية ذلك الدم الطاهر؟
أجل، حار العلماء في فهم كلام الإمام الصادق سلام الله عليه في هذه الزيارة، فقال جماعة: بما أنّه قُتل الإمام الحسين سلام الله عليه على الكرة الأرضية فإنّ الله تعالى جعلها كلها مسؤولة عن تعذيب قتلة الحسين سلام الله عليه وخاذليه حيثما دُفنوا وفي أيّ بقعة منها! وهذا هو ضمان الله على الأرض، وهو مائز ميّز الله تعالى به الحسين سلام الله عليه وخصيصة خصّه بها، وكشف عنها الإمام الصادق سلام الله عليه. أما كيف تنفّذ الأرض هذا التكليف الإلهي فهذا ليس من شأننا معرفته، وهي تعرف تكليفها ونحن يكفي أن نعرف في المقام أنها مكلّفة وأنها تؤدّي تكليفها؛ (قالتا أتينا طائعين)(5).
النقطة الأخرى الجديرة بالتأمّل في كلمات الإمام الصادق سلام الله عليه في هذه الزيارة قوله: «ومن عليها». وهذا يكشف أننا نحن أيضاً وآباؤنا وأبناؤنا وأجيالنا اللاحقة ممن سيعيش على هذه الأرض، جميعاً مسؤولون عن دم الحسين سلام الله عليه والثار له، فأنا وأنت بذمّتنا دمه وكذا من يعيش اليوم وغداً في أقصى نقاط العالم. والسؤال: نحن لم نكن موجودين في زمن بني أمية ولا شهدنا مقتل الحسين سلام الله عليه فكيف نكون مسؤولين وعمّ؟ بل الإمام الصادق سلام الله عليه نفسه لم يكن موجوداً في زمن جدّه ولا رأى مقتله، ولو شهد لنصره فكيف يقول إذن: ضمّن الأرض ومن عليها دمك وثارك؟
إذن لابدّ أن يكون لذلك معانٍ أخرى فلنحاول الوقوف عليها.


(1) وابن قولويه هذا (ت: 368 هـ) هو أستاذ الشيخ المفيد رضوان الله عليهما، فالشيخ المفيد يروي عن الكليني بواسطته، والشيخ القمّي رحمه الله مدفون في الكاظمية في الرواق الشريف وفي محاذاة تلميذه الشيخ المفيد.
(2) اعتبره جماعة من فقهاء الشيعة ومحدّثيهم من أصحّ كتب الطائفة.
(3) كامل الزيارات لابن قولويه: 385 ح17 الباب 79 زيارات الإمام الحسين بن علي عليهما السلام.
(4) راجع بحار الأنوار: 98 / 170.
(5) فصّلت: 11.