إنَّ المنانية(1) وأشباههم حين أجتهدوا في عيب الخلقة والعمد(2) عابوا الشعر
النابت على الركب والإبطين ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصبُّ إلى هذه المواضع
فينبت الشعر، كما ينبت العشب في مستنفع المياه.
أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها، ثمَّ إنَّ هذه
تعدّ مما يحمل الإنسان من موؤنة هذا البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة،
فإنَّ اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر ممّا يكسر به شرته(3)، ويكف
عاديته(4)، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر(5) والبطالة.
تأمّل الريق وما فيه من المنفعة فإنّه جعل يجري جرياناً دائماً إلى الفم ليبلَّ
الحلق واللّهوات(6) فلا يجفَّ فإنَّ هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك
الأسنان(7) ثمَّ كان لا يستطيع أن يسيغ(8) طعاماً إذا لم يكن في الفم بلّة تنفذه،
تشهد بذلك المشاهدة.
واعلم أنَّ الرطوبة مطيَّة الغذاء، وقد تجري من هذه البلّه إلى موضع أخر من
المرَّة(9) فيكون في ذلك صلاح تامٌّ للإنسان ولو يبست المرَّة لهلك الإنسان.
ولقد قال قوم من جهلة المتكلّمين وضعفة المتفلسفين بقلّة التمييز وقصور العلم: لو كان بطن الإنسان كهيئة القباء(10) يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ألم يكن أصلح من أن يكون مصمّتا(11) محجوبا عن البصر واليد، لا يعرف ما فيه إلاّ بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحسّ العرق وما أشبه ذلك ممّا يكثر فيه الغلط والشبهة حتّى ربّما كان ذلك سبباً للموت فلو علم هؤلاء الجهلة أنَّ هذا لو كان هكذا كان أوَّل ما فيه أنّه كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض والموت، وكان يستشعر البقاء ويغترُّ بالسلامة فيخرجه ذلك إلى العتوِّ(12) والأشر(13)، ثمَّ كانت الرطوبات الّتي في البطن تترشّح وتتحلّب(14) فيفسد على الإنسان مقعده ومرقده وثياب بدلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه، ثمَّ إنَّ المعدة والكبد والفؤاد إنّما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزيّة الّتي جعلها الله محتبسةً في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتّى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزيّة وبطل عمل الأحشاء فكان في ذلك هلاك الإنسان، أ فلا ترى أنَّ كلما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل(15).
فكّر يا مفضّل في الأفعال الّتي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبّر فيها فإنّه جعل لكلّ واحد منها في الطباع نفسه محرّك يقتضيه ويستحثُّ به فالجوع يقتضي الطعم الّذي فيه راحة البدن وقوامه، والكرى(16) يقتضي النوم الّذي فيه راحة البدن وإجمام(17) قواه، والشبق(18) يقتضي الجماع الّذي فيه دوام النسل وبقاؤه، ولو كان الإنسان إنّما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطرُّه إلى ذلك كان خليقاً أن يتوانى(19) عنه أحياناً بالثقّل والكسل حتّى ينحلَّ بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء لشيء مما يصلح به بدنه فيدافع به حتّى يؤدّيه ذلك إلى المرض والموت، وكذلك لو كان إنّما يصير إلى النوم بالفكّر في حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدفعه(20) حتّى ينهك بدنه، ولو كان إنّما يتحرّك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتّى يقلَّ النسل أو ينقطع فإنَّ من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به، فانظر كيف جعلّ لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الإنسان وصلاحه محرّكا من نفس الطبع يحركه لذلك ويحدوه عليه.
اعلم أنَّ في الإنسان قوى أربعا: قوَّة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة وقوَّة
ماسكة تحبس الطعام حتّى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوَّة هاضمة وهي الّتي تطبخه
وتستخرج صفوه وتبثّه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل(21) الفاضل بعد أخذ
الهاضمة حاجتها.
ففكر في تقدير هذه القوى الأربع الّتي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها
والأرب فيها، وما في ذلك من التدبير والحكمة، فلو لا الجاذبة كيف كان يتحرّك
الإنسان لطلب الغذاء الذي به قوام البدن، ولو لا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في
الجوف حتّى تهضمه المعدة.
ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ(22) حتى يخلص منه الصفو الّذي يغذوا البدن ويسدُّ
خلله(23)، ولو لا الدافعة كيف كان الثفل الّذي تخلّفه الهاضمة يندفع ويخرج أوّلاً
فأوّلا، أ فلا ترى كيف وكّل الله سبحانه بلطف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن
والقيام بما فيه صلاحه.
وسأُمثّل لك في ذلك مثالا: إنَّ البدن بمنزلة دار الملك، له فيها حشم(24) وصبّية
وقوّام(25) موكّلون بالدار، فواحد لقضاء حوائج الحشم وإيرادها(26) عليهم، وآخر لقبض
ما يرد وخزنة إلى أن يعالج ويهّيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما
في الدار من الأقذار وإخراجه منها.
فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين، والدار هي البدن، والحشم هم الأعضاء،
والقوام هم هذه القوى الأربع ولعلّك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي
وصفت فضلا وتزداداً(27)، وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة الّتي ذكرت في كتب
الأطّباء، ولا قولنا فيه كقولهم لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطبِّ
وتصحيح الأبدان، وذكرناها على مايحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغيّ(28)
كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها.