الفؤاد واتصاله بالرئة

أصف لك الآن يا مفضّل الفؤاد اعلم أنّ فيه ثقباً موجّهة نحو الثقب الّتي في الرئة تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الإنسان أفيستجيز ذو فكرة ورويّة أنّ يزعم أنّ مثل هذا يكون بالإهمال ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه(1) عن هذا القول لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلّوب(2).
أكنت تتوهم أنّه جعل كذلك بلا معنى، بل كنت تعلم ضرورةً أنّه مصنوع يلقى فرداً آخر، فيبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة، وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنّه فرد من زوج مهيّأ من فرد أنثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه، فتّباً(3) وخيبة وتعساً لمنتحلي الفلسفة، كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتّى أنكروا التدبير والعمد فيها.


الرجل وجهازه التناسلي

لو كان فرج الرجل مسترخياً كيف كان يصل إلى قعر الرحم حتّى يفرغ النطفة فيه، ولو كان منعضاً(4) أبداً كيف كان الرجل يتقلب في الفراش أو يمشي بين الناس وشي‏ءٌ شاخص أمامه ثمَّ يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كلّ وقت من الرجال والنساء جميعا، فقدَّر الله جلَّ اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كلّ وقت ولا يكون على الرجال مؤونة بل جعل فيه القوَّة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك، لما قدَّر أن يكون فيه من دوام النسل وبقائه.


منفذ الخروج وحكمة وضعه

اعتبر الآن يا مفضّل بعظيم النعمة الإنسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى، أ ليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع منها فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه فلم يجعله بارزاً من خلفه، ولا ناشراً من بين يديه بل هو مغيب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان وتحجبه الأليتان بما عليهما من اللّحم فتواريانه فإذا احتاج الإنسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفى ذلك المنفذ منه منصّباً مهيّأً لانحدار الثفل(5)، فتبارك من تظاهرت آلاؤه ولا تحصى نعماؤه.


الطواحن من أسنان الإنسان

فكر يا مفضل في هذه الطواحن(6) التي جعلت للإنسان فبعضها حداد(7) لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض(8) لمضغه ورضه فلم ينقص واحد الصفتين إذ كان محتاجا إليهما جميعاً.


حكمة نموّ الشعر والأظفار

 تأمّل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار فإنّهما لمّا كانا ممّا يطول ويكثر حتّى يحتاج إلى تخفيفه أوَّلاً فأوَّلا جعلا عديما الحسّ لئلاّ يؤلم الإنسان الأخذ منهما، وكان قصُّ الشعر وتقليم الأظفار ممّا يوجد له مسٌّ من ذلك لكان الإنسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كلّ واحد منهما حتّى يطول فيثقل عليه، وإمّا أن يخفّفه بوجع وألم يتألّم منه.
قال المفضل: فقلت فلمّ لم يجعل ذلك خلقةً لا تزيد فيحتاج الإنسان إلى النقصان منه؟ فقال سلام الله عليه: إنَّ لله تبارك اسمه في ذلك على العبد نعماً لا يعرفها فيحمده عليها.
اعلم أنَّ آلام البدن وأدواءه(9) تخرج بخروج الشعر في مسامّه(10) وبخروج الأظفار من أناملها، ولذلك أُمر الإنسان بالنورة وحلق الرأس وقصِّ الأظفار في كلِّ أسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات، فتخرج الآلام والأدواء بخروجهما(11) وإذا طالا تحيّرا وقلَّ خروجهما فاحتبست الآلام والأدواء في البدن فأحدثت عللاً وأوجاعاً، ومنع مع ذلك الشعر من المواضع الّتي تضرُّ بالإنسان وتحدث عليه الفساد والضرر.
لو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمى البصر، ولو نبت في الفم ألم يكن سينغصَُّ على الإنسان طعامه وشرابه، ولو نبت في باطن الكفّ ألم يكن سيعوقه عن صحّة اللّمس وبعض الأعمال، ولو نبت في فرج المرأة وعلى ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذّة الجماع.
فانظر كيف تنكب(12) الشعر عن هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة ثمَّ ليس هذا في الإنسان فقط بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات فإنّك ترى أجسامهنَّ مجللةً بالشعر وترى هذه المواضع خاليةً منه لهذا السبب بعينه؛ فتأمل الخلقة كيف تتحرّز(13) وجوه الخطإ والمضرة وتأتي بالصواب والمنفعة.


(1) يزعه: يكفه ويمنعه.
(2) الكلوب ـ بفتح الأول ـ وتشديد الثاني ـ المهماز أو حديدة معطوفة الرأس يجرّبها الجمر أو خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد، والجمع كلاليب.
(3) تبا لفلان تنصبه على المصدر باضمار فعل أي الزمه الله هلاكا وخسرانا.
(4) المنعض كأنه من العض وهو القرن يريد أنه صلب شديد.
(5) الثفل ـ بالضم ـ ما يستقر في اسفل الشيء من كدرة.
(6) الطواحن جمع طاحن وهو الضرس.
(7) حداد أي قاطعة.
(8) عراض جمع ضد طويل، وربما اريد بها المعارضة وهي السن في عرض الفم.
(9) الأدواء جمع داء وهو المرض والعلة.
(10) المسام من الجلد ثقبه ومنافذه كمنابت الشعر.
(11) يؤيّد هذا الرأي علم الطب الحديث، هو يردّ على نظرية دارون القائلة بأن الشعر والأظافر من الزوائد الحيوانية الأولى التي لم يعد لها نفع ولا فائدة.
(12) تنكب عنه: عدل عنه وتجنبه.
(13) احترز منه وتحرز أي تحفظه وتوقاه كأنه جعل نفسه في حرز منه.