الحلق والمري‏ء

من جعل في الحلق منفذين أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتّصل بالرئة، والآخر منفذا الغذاء وهو المري‏ء(1) المتّصل بالمعدة الموصل الغذاء إليها، وجعل على الحلقوم طبقاً يمنع الطعام أن يصل إلى الرئة فيقتل.


الرئة مروّحة القلب

من جعل الرئة مروّحة الفؤاد لا تفتر ولا تختلُّ لكيلا تتحير(2) الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجاً(3) تضبطهما لئلاّ يجريا جرياناً دائماً فيفسد على الإنسان عيشه فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا بل الّذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر.


المعدة والكبد ووظائفهما

من جعل المعدة عصبانيّة شديدةً وقدرَّها لهضم الطعام الغليظ، ومن جعل الكبد رقيقةً ناعمةً لقبول الصفو(4) اللّطيف من الغذاء ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلاّ الله القادر، أ ترى الإهمال يأتي بشي‏ء من ذلك، كلاّ بل هو تدبير مدبّر حكيم، قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إيّاها، لا يعجزه شي‏ء وهو اللطيف الخبير.


المخ والدم وكيفيتهما

فكر يا مفضّل لم صار المخُّ الرقيق محصّناً في أنابيب العظام، هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه، لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف(5) إلاّ لتضبطه فلا يفيض، لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلاّ وقايةً لها ومعونةً على العمل، لمَ صار داخل الأُذن ملتويا كهيأه اللولب(6) إلاّ ليطرّد فيه الصوت حتّى ينتهي إلى السمع وليكسر حمّة الريح ينكأ في السمع، لمَ حمل الإنسان على فخذيه وإليتيه هذا اللّحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها، كما يألم من نحل جسمه وقلَّ لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يقيه صلابتها.


الإنسان آية من آيات الله

 من جعل الإنسان ذكرا وأُنثى إلاّ من خلقه متناسلاً، ومن خلقه متناسلاً إلا من خلقه مؤمّلاً، ومن خلقة مؤمّلاً ومن أعطاه آلات العمل إلاّ من خلقه عاملاً، من خلقه عاملاً إلاّ من جعله محتاجاً، ومن جعله محتاجاً إلاّ من ضربه بالحاجة(7)، ومن ضربه بالحاجة إلاّ من توكّل بتقويمه(8)، ومن خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء، ومن وهب له الحيلة إلاّ من ملكه الحول(9) ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة، من يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ مدى شكره. فكّر وتدبّر ما وصفته هل تجد الإهمال يأتي على مثل هذا النظام والترتيب تبارك الله تعالى عمّا يصفون.


(1) المري: هو العرق الذي يمتليء ويدر باللبن جمعه مرايا، وقد أبان الأمام وظيفة المري وعمله بتعبير لطيف.
(2) تحيرت الحرارة: ترددت كأنها لا تدري كيف تجري فتجمعت، وفي نسخة تتحيز وليس لها معنى مستقيم.
(3) الاشراج جمع شرج وهو في الأصل الشقاق في القوس، وقد استعار الإمام منها معنى لمنافذ البول والغائط.
(4) الصفو من كل شيء: خالصه وخياره.
(5) الظروف جمع ظرف وهو كل ما يستقر فيه غيره ويغلب استعماله للقربة والسقاء.
(6) اللولب: آلة من خشب أو حديد ذات محور ذي زوائد ناتئة وهو الذكر أو داخلة وهو الأثنى، جمعه لوالب. ـ وفي نسخة أخرى الكواكب.
(7) أي سبب له أسباب الاحتياج أو خلقه بحيث يحتاج.
(8) أي تكفل يدفع حاجته وتقويم أوده.
(9) الحول مصدر بمعنى القدرة والقوة على التصرف وجودة النظر والعذق.