فكر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كلّ منها للإرب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ(1) لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها والفرج لإقامة النسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا ما تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شيء منها قد قدِّر لشيء على صواب وحكمة.
قال المفضّل: فقلت: يا مولاي إنَّ قوماً يزعمون أنَّ هذا من فعل الطبيعة، فقال سلام الله عليه: سلهم عن هذه الطبيعة، أهي شيءٌ له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق؟ فإن هذه صنعته(2) وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة علم أنَّ هذا الفعل للخالق الحكيم أنَّ الذي سموه طبيعةً هو سنّتهُ في خلقه الجارية على ما أجراها عليه(3).
فكر يا مفضّل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير فإنَّ الطعام يصير
إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة(4) بينهما قد جعلت
كالمصفى للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكأها(5).
وذلك أنَّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثمَّ إنَّ الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير
دماً، وينفذه إلى البدن كله في مجاري مهيئة لذلك، بمنزلة المجاري الّتي تهيأ للماء
حتّى يطرد في الأرض كلّها، وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفايض(6) قد أعدَّت
لذلك.
فما كان منه من جنس المرَّة(7) الصفراء جرى إلى المرارة(8)، وما كان من جنس السوداء جرى
إلى الطحال، وما كان من البلّة والرطوبة جرى إلى المثانة(9)، فتأمل حكمة التدبير في
تركيب البدن، ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها، وأعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك
الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير،
وله الحمد كما هو أهله ومستحقَّه.
قال المفضل: فقلت: صف نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال قال سلام الله عليه: أوَّل ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبّره حتى يخرج سوّياً مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللّحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف(10) فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمو بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشدَّه إن مدَّ في عمره أو يستوفي مدَّته قبل ذلك، هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة.
انظر يا مفضل ما خصَّ به الإنسان في خلقه تشرفاً وتفضلاً على البهائم فإنه خلق ينتصب قائماً ويستوي جالساً ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوباً على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئاً من الأعمال.