المقدمة

إن المسؤولية الملقاة على عاتق الاطباء والجرّاحين وما يتعرضون له عند المعالجة والجراحة ـ من دون عمد ولا اختيار ـ الى اخطاء وهفوات، هي من المواضيع المهمة التي لازمت ممارسة الطب منذ قديم الأزمنة، وقد وضعت القوانين والنصوص المحددة لتلك المسؤولية، والمشخصة لذلك الخطأ والهفوة منذ العصور الغابرة.
وبتطور العلوم الطبية عبر مختلف العصور، تطورت تلك القوانين أيضاً وبشكل ينسجم مع تطور الطب، حتى اذا جاء الاسلام ووضع ضوابط وافية، وقوانين كافية وشافية لممارسة الطب والتي يشكل محورها القرآن الحكيم واحاديث النبي الكريم وعترته الهادية صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فقد ورد في القرآن الحكيم آية تجمع الطب كله في جملة واحدة، وهي قوله سبحانه: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا»(1).
وقد ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله حول التداوي قوله المأثور: «تداووا فما أنزل الله داءً إلا أنزل معه دواءً إلا السام فإنه لا دواء له» والسام: يعني الموت(2).
وورد عن الحلبي أنّه قال: قال أبوعبدالله سلام الله عليه وهو يوصي رجلاً فقال: «أقلل من شرب الماء فإنّه يمدّ كل داء واجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء»(3).
لقد جاء الإسلام بأفضل نظام عرفه التاريخ في مجال الطب والجراحة، نظاماً يتضمّن وظائف الطبيب والجرّاح ومسؤولياته، ويشرح روابطه مع المرضى والمراجعين، نظاماً يعطي لمهنة الطب والطبابة مكانة مرموقة في المجتمع الإسلامي والإنساني، ويجعل للطبيب والجراح منزلة رفيعة في الوسط الإجتماعي والبشري، أنه قال وبكل وضوح: العلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان(4).
نعم، لقد جعل الإسلام علم الأبدان وهو الطب والطبابة، موازياً لعلم الاديان، وعِدلاً وقسيماً له، وفرضاً وواجباً كفائياً على المسلمين، يأثمون جميعاً بتركهم له، ويسقط عنهم لو قام به بعضهم بقدر الكفاية.
انطلاقاً من هذه المكانة الرفيعة التي منحها الإسلام للطبيب والجراح، والعناية الكبيرة التي بذلها للطب والطبابة، خصّ هذه المهنة وأصحابها بأحسن المناهج وأجملها، وأفضل البرامج وأتقنها، حيث أنه فرض على الطب والطبيب أموراً، وحرّم عليهم أموراً، وحبّذ لهم أموراً أخرى:
1. فرض عليهم التضلّع في علم الطب والمهارة فيه، بعد أن فرض عليهم إجراء التجارب الطبية على الحيوانات والاجسام المشابهة المطاطية لاعلى الانسان، كما اوجب عليهم تطبيب المرضى وانقاذهم من الموت أن توقفت حياتهم عليه، بعد أن أوجب عليهم إبداء الدقة في تشخيص الداء ووصف الدواء.
2. وحرّم عليهم اتخاذ المرضى أو الموتى وسيلة لإجراء التجارب الطبية عليهم، كما وحرّم عليهم ترك المعالجة والتطبيب فيما لو كان في الترك خطراً على حياة المريض، وكذلك حرّم عليهم ترك الدقة اللازمة في تشخيص المرض وفي توصيف الدواء، بعد أن حرّم عليهم ترك المهارة والتضلّع في مهنة الطب والجراحة.
3. وحبّذ لهم أموراً أخلاقية وإنسانية جمة، مثل تلقي المريض بوجه بشوش، وثغر ضحوك ومبتسم، وعدم تلقيه بتثاقل وتكاسل، وتخذيل وتخييب، فكيف بما لو كان بتقطّب وتعبّس وتخويف وتهويل؟
ومثل تطييب نفوس المرضى بقولهم: ان مرضهم بسيط وان الشفاء محتوم لهم، والسلامة والعافية تنتظرهم وتترقّبهم.
ومثل التسامح مع المرضى في الأمور المالية وعدم تعيين اجرة لفحصهم وعلاجهم، والرضا منهم بما يهديه المرضى اليهم من أموال وأجور، وأن يكون هدفهم خدمة المجتمع وتقديم النفع الى الناس، فإن خير الناس من نفع الناس.
هذا وقد ورد في الحديث الشريف ما مضمونه: ان الطبيب انما يقال له: طبيب، لأنّه يطيّب نفوس المرضى بتهوين مرضهم عليهم، وتقليله في أعينهم، وببشارتهم بالصحة والسلامة، والشفاء والعافية، وقد أقر علماء النفس هذا الأسلوب الجميل، وأثبتوا له الأثر الكبير في استعادة المريض صحته وسلامته، وغلبته على مرضه ودائه، وهو ما يؤكد على الطبيب والجراح الالتزام به ومزاولته مع المرضى والمراجعين.
هذا ويمكن تلخيص فقه الطب في نقاط تالية:
1. الحكم التكليفي لطلب علم الطب وممارسته.
2. الحكم الوضعي لمزاولة الطبابة والجراحة.
3. الحكم الأخلاقي للطبيب والجرّاح تجاه مهنته، وأمام المرضى والمراجعين.
وهذه المجموعة من المناهج السليمة، المتضمنة للوجوب والتحريم، والتحبيذ والتحريض، وكذلك الاحكام الراقية، المشتملة على الحكم التكليفي والوضعي، والأخلاقي والإنساني، المختصة في مجال الطب والطبابة، والمعنية بالطبيب والجراح تسمى: فقه الطب، وكل طبيب مسلم هو بحاجة اليها وغير مستغن عنها لتنظيم حياته الطبية، وتوفيقها مع أحكام الشريعة الإسلامية، استكمالاً للسعادة الروحية والجسمية ان شاء الله تعالى.
وعليه: فشريعة الاسلام ليست معزولة عن واقع ما يعيشه المسلم بل إن كل متخصص في أي علم من العلوم يجد في الاسلام ما يعينه على معرفة حكم الشريعة في تخصصه. ونحن قد جمعنا هنا في هذا الكتاب بعض الاحكام الطبية، وقسماً من المسائل الشرعية المرتبطة بالطب والطبيب، مضافاً الى اجوبة بعض الاسئلة التي وجّهها بعض الاطباء لسماحة آية الله العظمى المحقق السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله الوارف.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد القليل، إنه ولي حميد وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.


(1) سورة الأعراف: 31.
(2) بحارالانوار: ج 59، ص 65، ح 9.
(3) الكافي للكليني: ج 6، ص 382، ح 2.
(4) أنظر كنز الفوائد للكراجكي: ص 239 وبحارالانوار: ج 1، ص 220، ح 52.