قال الله تعالى: (الرّجَال قوّامُون عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبمَا أنْفَقُوا)(2).
«قوّامون» جمع مذكّر سالم لكلمة «قوّام» والقوّام صيغة مبالغة من «قائم» ومعناهما :
هو الذي يقوم بمصلحة أمر ما. فمثلاً في العراق يطلقون ـ في اللغة الدارجة ـ على
خادم العتبات المقدّسة كلمة «گيّم» أي «قيّم» لأنه يقوم بأمر العتبات ويعنى بما
يصلح شؤونها من تنظيف وترتيب وفتح للأبواب وما أشبه. وفي الفقه يقال: إنّ على
الحاكم الشرعي أن يعيّن «قيّماً» على الأطفال الصغار الذين فقدوا أباهم.
فمعنى الآية المباركة أنّ الرجل هو المسؤول عن المرأة والقائم على شؤونها ومصالحها.
والآية ليست بصدد بيان حقيقة خارجيّة ـ فقد لا يكون الواقع كذلك في كثير من الأحيان
ـ ولكنها بصدد تشريع حكم يجعل فيه الرجل قيّماً ومسؤولاً عن المرأة وليس العكس.
لاشك أنّ الرجل والمرأة متساويان من حيث الإنسانية والتكليف الإلهي بل هما متساويان
حتى من حيث واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يجب على كلّ منها بلا فرق،
كلّ حسب قدرته.
فيجوز بل يجب على المرأة أن تأمر زوجها بالمعروف وتنهاه عن المنكر كما يجب عليه ذلك
تجاهها، وإن كان هناك خلاف بين الفقهاء في حدود الأمر والنهي ومراتبهما؛ لأن من
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الضرب واستعمال اليد والقوة إذا اقتضى
الأمر. فقال بعض الفقهاء: لا يجوز ذلك للمرأة ويجوز للرجل، وقال بعضهم: لا فرق
بينهما حتى من هذه الجهة.
إن بين الفقهاء خلافاً في موردين من حيث جواز الضرب واللجوء إلى القوّة في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، أحدهما المرأة تجاه زوجها، والآخر الأولاد تجاه
والديهم، فقال بعض: هذان من موارد الاستثناء واستفادوا ذلك من عمومات أخرى؛ إذ لم
ترد آية أو رواية تقيّد عموم مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما رفض
آخرون هذا التقييد؛ لأن واجباً كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن تقييده من
خلال عمومات في موارد اُخرى بل لابدّ من وجود نصّ في خصوصه. ولم يرد فلا تقييد.
وهذا بحث طويل لا يناسب المقام الخوض فيه، وإن كان من الموارد التي قد يبتلى بها
المكلّف في حياته؛ لأنه كما قد تكون الزوجة أو الأولاد بحاجة لأن يؤمروا بالمعروف
ويُنهوا عن المنكر، كذلك قد يكون الزوج أو الوالدان هم من بحاجة إلى الأمر والنهي.
فلقد كانت امرأة فرعون صالحة وكان زوجها منحرفاً، كما أن التاريخ يحدّثنا عن أشخاص
انحرفوا عن الحقّ وكان أولادهم مهتدين.
المسألة المهمّة أنّ الآية الكريمة جعلت مسؤولية إدارة الأسرة على الرجل. ولا شكّ
أن هذا لا يتنافى مع وجود بعض الاستثناءات؛ لأنّ الأحكام ـ كما يقول أهل العلم ـ
تدور مدار القدرة، فقد يكون للمرأة كفاءة في الإدارة وقد يكون الرجل عاجزاً عن
إدارة الأسرة أحياناً ـ عجزاً ذاتياً أو عرضياً ـ ولكن عموماً فإن الرجل هو الذي
يكون مسؤولاً ومديراً بنسبة القدرة التي يتوفّر عليها؛ قال سبحانه تعالى: (يا
أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا قُوا أنفُسَكُمْ وأهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ
والحِجَارَةُ)(3).
وإذا كانت إدارة الأسرة في الإسلام تقع على عاتق الرجل، وكان لابد من توفّر شرط
القدرة فيه، فهذا يعني أنّ هذه المسؤولية تكون ـ على حدّ تعبير العلماء ـ واجباً
مطلقاً؛ فلا بدّ للرجل أن يسعى في تحصيل مقدّماته الوجودية، كما هو الحال في كلّ
الواجبات العقيلة.
فعندما يجب الحجّ على المكلّف مثلاً، تصبح كلّ المقدّمات لأداء هذا الواجب واجبة
عليه، ومنها تهيئة مقدّمات السفر ووسائله. وهذا الوجوب ـ أي وجوب إعداد المقدمات ـ
يحكم به العقل فهو واجب عقليّ.
وهكذا الحال في المقام ـ إداراة الأسرة ـ لابدّ أن يعمل الرجل ـ حسب المتعارف ـ كلّ
ما من شأنه أن يمكّنه لإدارة الأسرة والزوجة إدارة صالحة؛ بحيث تكون الزوجة مؤمنة
وصالحة في جميع الأبعاد ومنها بعد الطاعة للزوج، وكذا الأبعاد الاُخر مثل الالتزام
بالواجبات والتحلّي بالأخلاق الحسنة ، التي ندب إليها الإسلام.
لاشكّ أن للمجتمع الأثر البالغ على الأفراد، ولذلك قد لا ينجح الفرد في تحقيق كلّ
ما يقصده ولكن الأمر لا يبلغ إلى حدّ لا يكون للفرد أيّ أثر على أسرته؛ فإنّه رغم
التأثير السلبي الذي يتركه الجوّ العام على أفراد الأسرة وتوجّهاتهم يبقى لربّ
العائلة وقيّمها دور في توجيههم الوجهة الصحيحة؛ بل على الرجل (الأب) أن يؤدّي دوره
على كلّ حال، ولو من باب إتمام الحجّة؛ لأنّ العلة الغائية للمسؤولية ليست هي
التأثير وحده، بل علّتين غائيتين إحداهما: التأثير، والثانية: إتمام الحجة؛ (وَإِذَ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ)(4).
يثبت الواقع الخارجي أن تأثير الرجل على المرأة أكثر من تأثير المرأة على الرجل ـ
غالباً ـ وأن تأثرها به أكثر من تأثره بها وإن كان هناك استثناءات؛ قال سبحانه
تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ
كَيْفَ تَعْمَلُونَ)(5).
إن الامتحان في هذه الحياة الدنيا صعب وليس سهلاً، ولكن لو صمّم الانسان على
الاستعداد له فإنه سيتجاوزه بنجاح، لا أقول إنه سيسهل فهو صعب على كلّ حال، ولكن
يمكن للشخص أن يتحمّله. أذكر مثالاً على ذلك: إذا أصيب شخص بمرض وقيل له إنّ عليك
أن ترقد في المستشفى ثلاثة أشهر فإنّه سيستصعب الأمر في البداية ولا يتقبّله
بسهولة، ولكن إذا عرف أنّه لابدّ منه فإنه سيوطّن نفسه على الأمر وبالفعل تراه يبقى
كلّ تلك المدّة في المستشفى بغية أن يتماثل للشفاء فيخرج، وهذا لا يعني أنّ الأمر
كان سهلاً بل إنّ التصميم قلّل من صعوبته وجعله قابلاً للتحمّل.
فلو اعتقد الانسان بأمر ثم صمّم عليه فإنه سيجتازه بنجاح. فالعقيدة موجودة إن شاء
الله تعالى؛ وعندنا القرآن الكريم وروايات أهل البيت سلام الله عليهم، فلنصمّم من
الآن على أن نجتاز الامتحانات في هذه الدنيا ونتحمّل صعوباتها، ليوفّقنا الله تعالى
ونؤدّي وظائفنا بصورة صحيحة. فإنّه إذا اشتدت العزيمة زاد التحمّل بنسبتها.
لقد ذكروا في أحوال النبي صلى الله عليه وآله أنّه كان كثير العاطفة كما كان كثير
العقل. وهذا معناه أن الكلمة الحادّة التي قد تؤثّر فيّ أو فيك، كان تأثيرها في
النبيّ أكثر، ولكنه صلى الله عليه وآله كان يحمل بين جنبيه ـ في الوقت ذاته ـ نفساً
عظيمة أعظم من نفوسنا، وعقلاً كبيراً أكبر من كلّ العقول فكان يغضي عن السيئة
ويترفّع عن صغائر الأمور ويتحمّل المصاعب في سبيل الله عزّوجلّ .
لقد ذكروا في أحوال النبي صلى الله عليه وآله أنّ وجهه كان يحمرّ إذا غضب؛ ـ وربما
كان هذا في بعض غضبه ـ وذكروا أيضاً أنه لم تكن في محاسنه الشريفة إلا سبع عشرة
طاقة بيضاء فقط؛ رغم كلّ المشاكل التي كانت تواجهه في سبيل رسالته المباركة ؛ ومع
أنه صلى الله عليه وآله قد بلغ الستين من العمر.
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ الانسان إذا اعتقد بشيء وصمّم عليه، يسهل
عليه تحمّل أعظم الصعوبات في سبيله.