أصدق الصداق

يلزم على الرجل الذي يبغي النكاح أن يبذل شيئاً لمن يريد الزواج بها قلّ أم كثر ويطلق عليه الصداق أو المهر؛ فقد ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال لرجل أراد أن يتزوّج ولم يكن يملك مالاً: «تزوَّجْها ولو بخاتم من حديد»(1).
ورغم أنّ الإسلام لم يضع حداً معيّناً للمهر كما أخبر عنه الإمام الباقر سلام الله عليه في قوله: «الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير فهذا الصداق»(2)، ولكنّه أثنى في الوقت نفسه كلّ الثناء على بساطة المهر ثناءه على توخّي العدالة والرحمة من قِبل الزوج على زوجته لدى التعامل والتعايش معها، نظراً لأنّ الهدف الأساسي من الزواج هو تحقيق أهدافه المشروعة في السعادة، وهذه السعادة المرجوّة يستحيل تحقّقها عبر أمور موهومة كما في تعيين مهر كثير أو ما شابه.
روي أنّ أحد المسلمين جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وآله، وهو يفتقر حتى إلى خاتم من حديد يعطيه لزوجته مهراً، فأمره النبيّ صلى الله عليه وآله بأن يعلّمها ما يحفظ من آيات القرآن(3).
ولكنّ المؤسف في الأمر أنّ المجتمع المسلم ابتعد بنفسه عن الثقافة القرآنية والنبوية، رغم أنّ الله وصف رسوله بقوله: ()يَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الَّتي كَانَتْ عَلَيْهِم)(4) ونحن نعلم أنّ الناس لدى بعثة الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله لم يكونوا مكبّلين بسلاسل مادّية ليقوم الرسول المبعوث بتحطيمها أو نزعها من أيديهم وأرجلهم، ولكن كانت في الأدمغة والعقول أغلال فكرية، فكان الهدف من بعث النبيّ صلى الله عليه وآله إزاحتها وإعادة العقول إلى فطرتها التي فُطرت عليها.
ولكنّ الناس ورغم تقبّلهم للإسلام ديناً، إلا أنّ كثيراً منهم امتنعوا عن السماح بتنظيف أدمغتهم، فحملوا الأغلال السابقة معهم، ومن جملة تلكم الأغلال النظرة الخاطئة إلى هدفية الزواج والإساءة في استخدام الوسائل والأدوات التي حدّدها الشارع المقدس لتحقيقها، فراح الآباء والأمّهات يزايدون في وضع الشروط والعقبات بوجه من يتقدّم للزواج من أولادهم، بينما كان بمستطاع كلّ منهم أن يساهم في تحقيق زواج العديد من الشباب الفقراء، عوضاً عن رصد المبالغ الطائلة في هذا المضمار.
وظلّ الناس يتوارثون تلك الأغلال غابراً عن غابر حتى وصلت إلى جيلنا المعاصر، فأصبح الشابّ المؤمن الذي يمتنع عن جمع المال من الحرام محكوماً عليه بالعيش وحيداً. ولا شكّ في أنّ هذا الواقع إنّما يعبّر عن منطق مرفوض من قِبل الإسلام، لأنّه دين اليسر والتسامح، ولا يمكن أن يتصوّر فيه ذلك، وإلا فتخلّل الخطأ في المجتمع سيكون بنسبة عالية.


(1) رسالة في المهر للمفيد: 23.
(2) الكافي للكليني: 5/ 378 ح3 باب أن المهر اليوم ما تراضى عليه الناس قلّ أو كثر.
(3) الخلاف للطوسي: 4/ 366.
(4) الأعراف/ 157.