ينبغي الالتفات بدءاً إلى نقطة مهمّة هي: أنّه ليس كلّ إنسان منحرف عن الحقّ
يكون معانداً؛ إنّما المعاند هو الذي عرف الحقّ فزاغ عنه مصرّاً. قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا
بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾(1) الأمر الذي
استوجب خلودهم في النار، كما نقرأ في دعاء أمير المؤمنين سلام الله عليه الذي رواه
كميل رحمه الله: «وأن تخلّد فيها المعاندين».
إنّ كثيراً من المنحرفين عن منهج أهل البيت سلام الله عليهم قد غرّر بهم وغسلت
أدمغتهم الدعايات المضلّلة والكاذبة لوعّاظ السلاطين ومن حذا حذوهم فمنعت أبصارهم
من رؤية الحقّ، لذلك نسمع عن كثيرين منهم ما إن اطّلعوا على الحقيقة حتّى سارعوا
إلى الأخذ بالهدى. وما أكثر القصص في هذا المجال والتي تنتهي بالمستبصر بترديد قول
الله تعالى: ﴿اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾(2).
وما أكثر الذين بلغوا ـ من بين هؤلاء المستبصرين ـ مراحل عالية في الإيمان والقرب
من الله تعالى، حتّى تفوّقوا على كثير من غيرهم، وأفضل مثال على ذلك بعض شهداء
كربلاء(3) الذين يقف الملايين أمام قبورهم إجلالاً وإكراماً يفادونهم قائلين: «بأبي
أنتم وأُمّي»، وما ذاك إلاّ لأنّهم لم يكونوا معاندين، وما إن انكشفت لهم الحقيقة
حتّى مالوا إليها وساروا معها حتّى الشهادة، فاستحقّوا بها الفوز العظيم الذي حظي
به سائر شهداء كربلاء.
أمّا المعاند فهو الذي لا يرضخ للحقّ رغم معرفته به؛ قال تعالى في وصف علماء اليهود
المعاندين – الذين يعرفون الرسول صلّى الله عليه وآله ومع ذلك ينكرونه - : ﴿يَعْرِفُونَهُ
كمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُم﴾(4).
أمام أشخاص كهؤلاء ـ ليسوا منحرفين فقط بل معاندين لا تجدي معهم الموعظة ـ يطلب
الإمام السجّاد سلام الله عليه من الله تعالى أن يُظفره بهم وينصره عليهم؛ فيقول:
«وظفراً بمن عاندني».
المكر على الكائدين
هاهنا أيضاً ثلاث نقاط ينبغي الالتفات إليها:
النقطة الأُولى: إنّ الإمام سلام الله عليه في الموارد التالية غيّر عبارة
الطلب، فبعد أن كان طلبه في الموارد الثلاثة المتقدّمة بعبارة:
«اجعل لي» عدل عنها إلى عبارة:
«هب لي». ولعلّ هذا
يعود للاختلاف في نوع المطلوب؛ لأنّ الأُمور الثلاثة السابقة كانت تحتاج إلى عمل
خارجي، ولذلك عبّر عنها الإمام سلام الله عليه بقوله: «اجعل
لي» أمّا هنا فإنّ المكر وما بعده يتطلّب الفهم
والفكر، ولذلك قال الإمام سلام الله عليه: «هب لي».
النقطة الثانية: إنّ المكر يختلف في الاستعمال العرفي عن معناه اللغوي،
فالمكر في اللغة يعني: التدبير على العدوّ، أي أنّ الماكر يُنزل المكروه بالممكور
به من حيث لا يعلم، بمعنى تقدير ضرر الغير من غير أن يعلم به.
وهو غير الحيلة، التي تُستعمل في نفع الغير أيضاً.
ومكر الله ـ كمـا في قولـه تعالى ـ : «وَمَكَرُوا
وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ»(5)
عبارة عن إيصال الجزاء الى الماكر واستدراجه من دون أن يعلم (6).
فنسبة المكر لله تعالى تأتي من باب الازدواج في الكلام كما في قوله تعالى:
«فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه»(7)
فالأول عدوان والثاني ليس بعدوان ولكنّه سمّي به ليُعلم أنّه عقاب عليه وجزاء
به(8).
من هذا نستخلص أنّ المكر الذي يطلبه الإمام سلام الله عليه من ربّه تعالى يتحدّد في
استيهابه حسن التدبير في مواجهة الكائدين له حتى يسقطوا هُمْ في شرّ فعالهم فلا
ينالوا سوى الخسران المبين.
النقطة الثالثة: صحيح أنّ من معاني المكر التدبير على العدوّ في محاولة
إيقاعه في المشكلة، ويجوز في الحرب المكر والخدعة، كما روي عن النبيّ صلّى الله
عليه وآله: أنّه قال: «الحرب خدعة»(9)،
ولكن استعمال المكر والخدعة لا يعني اللجوء إلى الكذب والفتك، لأنّهما من سيّئ
الأعمال، فإنّ الكذب من أعظم الكبائر، كما أن الإيمان «قيّد
الفتك»(10).
فمثال الخدعة في الحرب أنّ الشخص يقوم بعمل من شأنه أن يوحي لخصمه بأمر ما وهو
يَنوي خلافه، وقد يُحاول تضليل عدوّه قبل الحرب أو في أثنائها يبتغي بذلك تقليل
الخسائر أو تعجيل النصر أو ما أشبه، التي يدعو إليها العقل ويحبّها الله تعالى، كما
ورد من فعل النبي صلّى الله عليه وآله في كتب السير، أنّه سار قبل غزوة بدر في خلاف
الجهة التي كان يتوقّعها الناس يريد صلّى الله عليه وآله بذلك تضليل العدو ولئلاّ
يشعر به الجواسيس، فتبقى المبادرة بيده من دون ظلم أحد، ولكن لا يجوز أن يُمنح
العدوّ الأمان ليسلّم نفسه فإذا سلّم نفسه بادروا لقتله غيلة أو صبراً؛ لأنّ هذا
يعدّ فتكاً؛ والإسلام لا يرضى به.
أمّا مخادعة العدو يُراد ستر المذهب عنه، فهذا مطلوب على كلّ حال، كما روي عن
الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنّه قال: «فاخزن
لسانك كما تخزن ذهبك وورقك»(11).