فلنسعَ لتقديم النماذج العملية للناس وهو ما أراده وطلبه منا الأئمة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين، ولا يقتصر دورنا في هذا المجال على أنفسنا بل علينا أن نحول دون ابتعاد الناس عن الإسلام وعلماء الدين. فإذا ما صدر من أحد أهل العلم تصرف مشين نسعى لتداركه ولا نقل إنه تصرف شخصي ولا علاقة لنا به، بل علينا أن نحاول تداركه لئلا يبتعد الناس بسببه عن الدين والمذهب.
ولنا في أئمتنا سلام الله عليهم أسوة. فهذا أمير المؤمنين سلام الله عليه قد ترك حقّه مخافة أن يرتدّ الناس، فإن كنا مأمومين بالإمام سلام الله عليه - ولكل مأموم إمام يقتدي به - فلنقتد بإمامنا سلام الله عليه في هذا المجال أيضاً.
ولنا في موقف الإمام الحسين سلام الله عليه مع الحر وأصحابه في كربلاء قدوة أيضاً، فإن الإمام سلام الله عليه سقاهم الماء مع أنه كان يعلم أنهم – إلا الحرّ – قاتلوه بعد ساعة! وكانت مهمّتهم تسليم الإمام سلام الله عليه لابن زياد، فكانوا أظهر مصاديق البغاة والمنافقين والمحاربين والخوارج والنواصب لا شك في ذلك ولا شبهة! وكانوا مسلحين لكي يجبروا الإمام على التسليم والاستسلام وإن لزم الأمر باللجوء إلى القوة.
ولكن تصرف الإمام سلام الله عليه هو مما أبقى التشيع حياً. فلم يكن مهماً عند الإمام أن يسقي القوم وإن اقتضى أن يترجل ويرشف خيولهم بنفسه، كما تقول الروايات، إنما كان المهم عند الإمام هو الإسلام ودعوة الناس إليه.
وهكذا كان تصرف النبي صلّى الله عليه وآله مع مشركي بدر، وكذلك سقى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أصحاب معاوية في صفين.
كلكم سمعتم بقصة خالد بن الوليد وما فعله مع بعض القبائل المسلمة، ولكن الرسول صلّى الله عليه وآله لم يكتف بالبراءة من صنع خالد، وإنما أرسل الإمام علياً سلام الله عليه ليديهم:
«عن فضالة عن أبان عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر سلام الله عليه قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد إلى حي يقال لهم بنو المصطلق من بني جذيمة وكان بينهم وبينه وبين بني مخزوم إحنة في الجاهلية، فلما ورد عليهم كانوا قد أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذوا منه كتاباً فلما ورد عليهم خالد أمر منادياً فنادى بالصلاة فصلى وصلوا. فلما كان صلاة الفجر أمر مناديه فنادى فصلى وصلوا، ثم أمر الخيل فشنوا فيهم الغارة فقتل وأصاب. فطلبوا كتابهم فوجدوه فأتوا به النبي صلى الله عليه وآله وحدثوه بما صنع خالد بن الوليد. فاستقبل صلى الله عليه وآله القبلة ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد.»
ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله تبر ومتاع، فقال لعلي عليه السلام: يا علي ائت بني جذيمة من بني المصطلق فأرضهم مما صنع خالد.
ثم رفع صلى الله عليه وآله قدميه فقال: يا علي اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك.
فأتاهم علي عليه السلام، فلما انتهى إليهم حكم فيهم بحكم الله، فلما رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله، قال: يا علي أخبرني بما صنعت؟ فقال: يا رسول الله عمدت فأعطيت لكل دم دية ولكل جنين غرة ولكل مال مالاً، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم وحبلة رعاتهم وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لما يعلمون و لما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: يا علي أعطيتهم ليرضوا عني؟ رضي الله عنك يا علي! إنما أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(1).
هذا هو الإسلام. فلنسع لأن نصلح ما خرّب غيرنا. ونقول للناس: إن النبي والأئمة سلام الله عليهم لم يكونوا هكذا بل كانوا صلحاء ومصلحين، فلا تتأثروا بما يصدر عن غيرهم.
في رواية صحيحة – عن الإمام الصادق عن الإمام الباقر سلام الله عليهما – أن الإمام السجاد سلام الله عليه كان مديناً لشخص بأربعمئة دينار ثم وفاه بعد ذلك. إلا أن الشخص أنكر على الإمام ذلك وطالب بالمبلغ مجدداً أو أن يحلف الإمام بالله تعالى أنه وفاه، ولكن الإمام أمر ابنه الباقر سلام الله عليهما أن يعطيه المال ولم يكن مستعدّاً لأن يحلف. وكان الدينار الواحد يمكن أن يشترى به خروف يومذاك، ما يدلّ أن المبلغ لم يكن قليلاً، ومع ذلك لم يحلف الإمام وهو صادق! (2)
نسأل الله تعالى ببركة أهل البيت سلام الله عليهم، وراعينا الإمام بقية الله الأعظم أرواحنا لمقدمه الفداء، أن يوفقنا جميعاً. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
(1) بحار الأنوار: ج 18 ص 366 باب 20.
(2) انظر: رياض المسائل: 2 / 403 (طبعة قديمة).