» شهر رمضان والتغيير الاجتماعي

أما المسألة المرتبطة بأهل العلم في الغالب - وإن كانت عامة أيضاً ولكن بمراتب - فهي مسألة التبليغ والدعوة إلى الله تعالى. يقول الإمام الصادق سلام الله عليه: ... وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً(1). والزين على درجات ومراحل. فتارة يسعى أحد أهل العلم أن لا يفعل أو يتكلّم ما من شأنه أن يسيء للإسلام، فهذه مرحلة، وهي مرحلة مهمة ولا بد منها. وتارة يسعى أحدهم لأن يتصرف بنحو يؤثر في الناس من خلال سلوكه وتعامله مع الآخرين. وهذه مرحلة أعلى، وهي المعنية بقول الإمام سلام الله عليه في رواية صحيحة: كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم(2). وهذا لا يعني ترك الدعوة باللسان، بل عدم الاكتفاء بها لأنها مطلوبة أيضاً، ولكن الدعوة بالعمل أفضل منها.

لو لاحظ ذوونا وزملاؤنا أنّا نسعى لأداء صلواتنا في أوقاتها فإنهم سيلتزمون بذلك في الغالب حتى لو لم ندعهم بألسنتنا. وهذا لا يعني عدم وجود استثناءات ولكن التبليغ العملي والتربية والدعوة من خلال العمل بطبيعتها تؤثر أكثر من الدعوة باللسان آلاف المرات. فما فائدة أن تدعو ابنك لأداء صلاته أوّل الوقت وهو يراك لا تكترث بذلك؟!
إن الذين عايشوا أشخاصاً اعتقدوا بصلاحهم - لما لاحظوهم يسعون أن لا تختلف أفعالهم عن أقوالهم - هم أفضل في الغالب من الذين استمعوا آلاف المواعظ، دون أن يروا نماذج عملية تجسّدها.

» الاعتبار ببعض أهل العلم

أعرف اثنين من أهل العلم، كلاهما توفيا رحمهما الله، وكان أحدهما متقدماً على زميله في كثير من المجالات، كالمستوى العلمي والذكاء والأساتذة و... إلا أن زميله كان أكثر تأثيراً في المجتمع بمراتب كثيرة.

أذكر نموذجين من عملهما رحمهما الله؛ كان الأول أي المتفوق علمياً، في أحد الأيام جالساً في إحدى المشاهد المقدسة منشغلاً بقراءة الزيارة أو الدعاء، وكان المكان مزدحماً بالزوار، فجاءه شخص من عامة الناس وبيده مصحف وطلب منه أن يستخير الله تعالى له، ولم يكن يحبّ أن يقطع أحد عليه خلوته ودعاءه، فأشار إلى الشخص أن يذهب إلى غيره، ولكن الشخص لم ينتبه فتصور أن العالم لم يلتفت إليه، فتقدم إليه بالمصحف مقترباً منه قليلاً وأعاد طلبه. ومرة أخرى أشار له العالم بالذهاب إلى غيره. ولم يلتفت الرجل أيضاً - لأن من عنده مشكلة، لا يلتفت بالإشارة وما أشبه عادة - فاقترب أكثر وكرر طلبه. فغضب العالم ولكنه لم يكلّم الرجل لأنه رأى أن الوقت الذي ستستغرقه الاستخارة ربما يكون أقل. وعندما أخذ منه المصحف رآه مقلوباً، وهنا لم يتمالك نفسه فشرع يصرخ في وجه الرجل قائلاً: لقد شغلتني عن قراءتي وقطعتني عن توجهي، وما أشبه من هذه الكلمات، ولكن ذلك الرجل كان غارقاً في همومه غير ملتفت إلى الموضوع أصلاً، فعجب منه وانصرف.

أما ذلك العالم الآخر- أي زميل هذا العالم – فطالما رأيته في حرّ الظهيرة، والعرق يتحدّر على وجهه، إذ يقبل عليه شخص، فيطلب منه سؤالاً أو استخارة، وأحياناً يكون السائل صبياً أو طفلاً صغيراً، فكان رحمه الله يجيبه وهو في مكانه ولا يطلب منه التحول إلى الظل رغم أنه لم يكن يبعد عنه أكثر من مترين!
ومثل هذا الإنسان بطبيعة الحال أسعد حالاً، وأقلّ معاناة من غيره في الحياة الدنيا، لأنه لا يفكر عند النوم إلا في همّ آخرته، أما الدنيا فلا يكترث بها، فروحه لا تشعر بالألم وإن كان بدنه في بعض العناء. وهذا لا يعني أنه لا يشعر بالمشاكل المادية ولا يفكّر في حلّها، بل أنها لا تشغل ذهنه ولا تعذّبه.

ولتوضيح الحالتين نضرب مثالين: إذا سقط ابن جار لك من على السطح أو وقع فريسة مرض عضال فإنك قد تهرع لمساعدته ولا تقصر في تقديم المعونة له، ولكن حالتك النفسية والروحية تختلف عما لو كنت أنت المبتلى أي كان المريض ولدك، فإنك في الحالة الثانية تتعرض لضغط روحي وآلام نفسية قد لا تشعر بها في الحالة الأولى.

إذا سنحت لكم الفرصة قوموا بزيارة لمستشفيات الأمراض العقلية؛ هل ترون فيهم مؤمناً حقاً؟ راجعوا التاريخ هل تجدون بين المنتحرين مؤمناً حقيقياً؟ وليس المقصود بالمؤمن من يصلي ويصوم فقط بل (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون)(3). إنك قد تجد من بين مرضى المصحات العقلية الشاب القوي والمرأة الجميلة، والوزير والرئيس والمليونير، ولكن لا تجد فيهم مؤمناً واحداً؛ وذلك لأن المؤمن لا يتحطم إلى تلك الدرجة؛ فما أعظم قيمة الإيمان!

وهذا بحد ذاته إحدى ثمرات التربية العملية والدعوة العملية التي نتحدث عنها. ولذلك تراني أتذكر اليوم قصة هذين العالمين رغم مرور عشرات الأعوام عليها.
وهكذا قد يتذكر الإنسان في الشدائد بعض المواقف العملية بسرعة ولا يتذكر أياً من الآيات والروايات أو المواضيع التي قرأها أو سمعها أو قالها.


(1) الكافي: 2/77 ح9 باب الورع.
(2)الكافي: 2/78 ح14 باب الورع.
(3) الأنفال: 2.