» محاسبة النفس أسهل الطرق لبناء النفس

وهذا الطريق بنفسه يمكن أن يصل بالمرء في هذا الشهر إلى موقع بحيث يستوى عنده الدينار الواحد والمليار دينار بما هو مال، فلا يركض خلف الأوّل كما لا يأسى على فقد الثاني، بل تراه يهتمّ بفقدان ثواب الله، فلا يتهاون عن الإتيان بالفضائل التي يمكنه الإتيان بها، حتى وإن كانت الفضيلة قول (أستغفر الله) مرة واحدة أو الاستمرار على تكرارها طيلة الشهر الكريم كله!!

يمكن للإنسان أن يصل عبر هذا الطريق إلى مراتب عالية، وقد وصل كثيرون درجة حيث لم يعد يزيد الترغيب في اندفاعهم ولا يقلل التثبيط من عزمهم، مع أنهم بشر لهم شهوات ورغبات ويدركون معنى الترغيب والتثبيط ولكن الإدراك شيء والتأثر به شيء آخر.

لاشكّ أن الترغيب يكون مفيداً خصوصاً في حالات التزاحم أو الشروع، ومثاله: أن تكون مواظباً على قراءة دعاء ما في كل ليالي شهر رمضان، ولكن صوّر لك شخص أن دعاءً آخر أكثر ثواباً في ليلة ما من ليالي الشهر، ولم يكن عندك وقت لأداء الاثنين، فههنا يمكن أن يدفعك الترغيب للتخلي عن الدعاء الأول لصالح الثاني، فالتأثر بالترغيب هنا جاء من باب الإتيان بالأولوية للوصول إلى المراتب العليا، أمّا لو كنت متكاسلاً عن التوجه للدعاء أصلاً فيرغبك شخص بالقول إن ثواب هذا الدعاء عظيم فلا تدعه؛ فيكون ترغيبه هذا من حيث الشروع في العمل، وقد يحصل العكس – أي التثبيط - بأن يثبّطك آخر فيدعوك للسمر وترك الدعاء قائلاً إنك قد قرأته في أغلب الليالي فدعه الليلة. فمثل هذا الترغيب والتثبيط يكونان سواء عند بعض الأشخاص في عدم التأثر به في ترك العمل أو الإتيان به، فلا الترغيب يدفعهم أكثر ولا التثبيط يُضعفهم ويقلل من اندفاعهم.

ولا شك أن بلوغ هذه المرحلة يتطلّب عملاً كثيراً ومواظبة جادّة؛ فللشهوات أثرها السلبي وكذلك الشياطين وأصدقاء السوء، ولكن إذا اقتنع الإنسان بإمكانية الوصول وتوكَّلَ على الله تعالى، فإن هذا الاعتقاد بنفسه سيوصله، ومن مفاتيحه السهلة محاسبة النفس؛ وذلك بأن يكون الشخص ملتزماً بتحديد أوقات من اليوم يراجع فيها نفسه، بشرط أن يكون الوقت مناسباً، فلا يكون عند الجوع أو الشبع أو انشغال الذهن بأمر آخر قد يحول دون التأمل والتفكير جيداً بل يكون في وقت يمكنه الاختلاء بنفسه ومراجعة ما قد صدر منها.

يقال: إن بعض الأفاضل طلب من أستاذه العالم أن ينصحه نصيحة تنفعه طيلة عمره، وكان على وشك مفارقته، فقال له العالم: خصص لنفسك كل يوم وقتاً تحاسب فيه نفسك، وإن قلّ. يقول ذلك الفاضل: عملت بنصيحة أستاذي العالم حتى أصبحت محاسبة النفس حاضرة في ذهني ما دمت مستيقظاً.

وهذا يدلّ على ارتكاز الحالة في ذهنه حتى لكأنها صارت ملكة عنده.
أرأيت نفسك إذا كنت تترقب وقوع أمر محبوب لنفسك، كتعيينك في منصب مثلاً، فإن هذا الأمر لا يغيب عن ارتكازك الذهني حتى تنام – بل قد يراودك حتى في نومك – .
إنك في مثل هذه الحالات، تحاول أن لا تعمل خلال هذه المدة كل ما من شأنه أن يحول دون تحقق ذلك الأمر المحبوب لك، وقد تنجح في ذلك؛ لأن القضية حاضرة في ذهنك مادمت مستيقظاً، ويعود الارتكاز بمجرد استيقاظك من النوم مرة أخرى، والدليل على ذلك عودته إلى التأثير في تصرفاتك وعدم القيام بما يتزاحم معه.

هكذا هو حال من كان الله تعالى حاضراً عنده دائماً، فإن محاسبة النفس لا تغيب عنه ما دام مستيقظاً، وهذا ممكن بترويض النفس بأن يخصص المرء وقتاً من يومه يزيده قليلاً كل يوم، يراجع فيه نفسه وينظر إلى أعماله ونواياه، فكلما رأى خيراً شكر الله وطلب الزيادة وسعى لها، وكلما رأى شراً استغفر الله وطلب منه التوفيق للإقلاع عنه.

وشهر رمضان خير فرصة لهذه التجربة، ولو أضيف إليه عشرة أيام من شهر شوال لتصبح أربعين يوماً فذلك خير؛ إذ إن الحالة قد تقترب من الملكة التي يصبح التخلي عنها بعد ذلك مستبعداً، لأن الشخص بعد تروّضه يحسّ بلذة لا تضاهيها أية لذة مادية أخرى. فلو وضعت كل اللذات المادية في جانب، ووضعت إحدى اللذات المعنوية في جانب آخر لرجحت الأخيرة، لأن اللذة المعنوية واقعية وخالدة، أما اللذة المادية فاعتبارية مصيرها إلى الزوال – إن لم نقل إنها وهم وخيال - .

روي عن بعض من وُفِّق لزيارة ولقاء الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف أنه كان يقول: لقد بلغتُ مرحلةً المرض أحب فيها إليّ من الصحة، والفقر خير لي من الغنى. ولقد كان صادقاً في قوله لأنه كان يلتذّ باللذات المعنوية بدل اللذات المادية.
ولكن القول الأصح هو ما عُرف عن أئمة آل البيت سلام الله عليهم، وهو: الرضا بما قدّر الله، فإنهم سلام الله عليهم لا يريدون المرض ولا الصحة، ولا الفقر ولا الغنى بل ما قدّر الله، فهو مرادهم أيضاً.
فليصمم كل واحد منا منذ أول شهر رمضان المبارك على تخصيص وقت لمحاسبة نفسه كل يوم، وليدعوا الذين وفقوا لذلك، لمن لم يوفقوا أو قلّ توفيقهم، عسى الله أن يوفقنا جميعاً.