يُروى أن شخصاً منحرفاً اسمه (محمد بن مقلاص) ويكنّى بأبي الخطّاب، كان يتظاهر بالإسلام، وهو في حقيقته لم يكن مسلماً، حشر نفسه بين أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه، وأخذ يتردد فيهم مدةً، وبمرور الوقت تعلّم بضع كلمات.
وبعد مضي زمان، صار يعرّف نفسه للناس على أنه يمثّل الإمام الصادق سلام الله عليه، ويطرح مسائل معيّنة. وذات يوم ادّعى بأن الإمام الصادق سلام الله عليه هو الله، وأنه (أبا الخطّاب) نبيّه(!!)، فلما بلغ خبره الإمام سلام الله عليه، لعنه بشدّة، وقيل لأبي الخطاب غير مرة بأن الإمام الصادق سلام الله عليه لعنك، لكنه لم يكن يعبأ، وكان يقول في ذلك: هذا أمر مصطنع، إن الإمام يريد بإنكاره تقديم المصلحة!!
فماذا يصنع الإمام الصادق مع مثل هذا الشخص؟ الأمور لا تسير كلها بالمعجزة، بل لا بد من أن يُمتحن الناس، وإنما تكون المعجزة على قدر إتمام الحجة، وإن نفس وجود الإمام المعصوم، أي الإمام الصادق سلام الله عليه، هو إتمام للحجة؛ (ليهلك من هلك عن بيّنة)(1)؛ وما لم تكن هناك (بينّة) تكون المعجزة.
ذهب (محمد بن مقلاص) إلى مكة المكرمة لأداء مراسيم الحج، فجاء شخص إلى الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه، وقال له: يا بن رسول الله! ذهب ابن مقلاص إلى الحج، وعند الإحرام في الميقات لبّى باسمك. تقول الرواية: انهمرت الدموع من عيني الإمام الصادق سلام الله عليه، وتغيّرت قسمات وجهه، ثم رفع يديه إلى السماء، وراح يتضرّع إلى الله تعالى ويقول: إلهي! لست أنا.. أنا استغفرك..! إلهي أنا أعتذر إليك.. ويطيل التضرّع إلى الله تعالى.
حسناً، نحن نسأل هنا: ما هو ضرر فعل (محمد بن مقلاص) على الإمام الصادق سلام الله عليه؟ أَ لم يقل القرآن الكريم:(ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى)(2)؟
إن الإمام الصادق سلام الله عليه يعرف هذه الآية أفضل مني ومنكم، وإن (محمد بن مقلاص) هو الذي قال ذلك القول بشأن الإمام الصادق سلام الله عليه، والإمام سلام الله عليه نفسه لم يقل ذلك، ولم يدّع مثل ذلك الادعاء، فلماذا إذن يبكي الإمام، ولماذا يضطرب سلام الله عليه؟ ثم أوليس الله عز وجل يعلم بأن الإمام لم يقل ذلك، وهو يعلم السر والعلن؟ كما أن الإمام سلام الله عليه يعلم أيضاً أنه
(لا تزر وازرةٌ وزر أخرى)...
إن (محمد بن مقلاص) هو الذي اقترف ذنباً، حين لبّى باسم الإمام الصادق سلام الله عليه. والله سبحانه وتعالى يعلم أن الإمام الصادق سلام الله عليه هو ذلك الإمام الذي حين يريد أن يقول (لبّيك) يضطرب، وترتعد فرائصه، ولا يسعفه لسانه في قولها، لأنه يعلم أنه يتكلم مع الله عز وجل.. أما نحن فنقول (لبيك) فوراً، لأننا لا نعرف تمام معناها، غير أن الإمام الصادق سلام الله عليه يعلم تماماً ما تعني كلمة (لبيك).
ولعل بعض من كان حاضراً عند الإمام سلام الله عليه تعجب من استغفاره وتضرعه على هذا النحو، وتصرفه بهذا الشكل. يقول الإمام سلام الله عليه لزيد النرسي – وهو راوي الحديث - : ما استغفاري وتضرعي لله سبحانه وتعالى إلا «لأستقرّ في قبري»(3)؛ أي لأطمئن في قبري.
فهل يُحتمل أن يُسأل الإمام الصادق سلام الله عليه في القبر: لماذا قلت ذلك؟ بالطبع كلاّ، والإمام سلام الله عليه نفسه يعلم أنه لن يُسأل هذا السؤال؛ فما معنى قوله سلام الله عليه:
(لأستقر في قبري)؟!
بعض الناس زعموا أيضاً أن السيد المسيح سلام الله عليه، هو الله، والقرآن الكريم يشير إلى أنه في يوم القيامة، وفي ساحة العدالة الإلهية الواسعة، يُسأل السيد المسيح سلام الله عليه في حضور الخلائق:
(أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله)(4).
إن الله تعالى يعلم أن عيسى سلام الله عليه لم يقل ذلك، ولعل الله عز وجل يريد أن يدين أولئك الذين زعموا تلك المزاعم الباطلة لأغراضٍ وأمراضٍ في نفوسهم.
قال بعض العلماء: قد يكون معنى تألم الإمام الصادق سلام الله عليه من عمل (محمد بن مقلاص)، واستغفاره وتضرعه إلى الله، ومعنى قوله (لأستقرّ في قبري) هو: أنا أستغفر وأتضرع إلى الله، حتى لا يُقال لي في قبري: أأنت الذي قلت لمحمد بن مقلاص، لبِّ باسمي؟ فالإمام سلام الله عليه لم يرد أن يُسأل مجرد سؤال عن ذلك؛ لأنه يشقّ عليه أن يوجّه له مثل هذا السؤال..
فلا معنى لهذا الكلام غير المناسب، والمبالغ فيه، الذي يُنسب للأئمة المعصومين سلام الله عليهم.. هذا النوع من الكلام يؤذي المعصومين سلام الله عليهم، فهم الذين قالوا: «نزِّلونا عن الربوبية»(5).
إن الإفراط بالوصف، والمبالغة في الكلام، ليس هو الطريق لمعرفة الإمام المعصوم سلام الله عليه؛ مثل هذا الأسلوب قد يؤدي بصاحبه إلى أن يلعنه المعصومون سلام الله عليهم، قد يلعن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف ذلك الشخص الذي يجعل الإمام المعصوم سلام الله عليه في منزلةٍ فوق منزلته الواقعية.
إن الصفات الربوبية، هي الصفات الخاصة بالله تعالى وحده، والأسماء الإلهية الحسنى تتعلق بذات الله المقدسة وحسب.
قال الإمام سلام الله عليه: «يهلك فيَّ رجلان: محبّ غال، ومبغض قال»(6).
إذن عليكم أن تصونوا الشباب.. وهذا واجب الآباء والأمهات، والأعمام والأخوال.. والأقارب، وهو واجب الشباب المتدين أيضاً.
اهتموا بالمجالس الدينية وروّجوا لها، وكذلك مجالس أهل البيت سلام الله عليهم، ومجالس القرآن، وهكذا الكراسات الدينية، التي تقوم بتعريف أصول الدين وفروعه، وتعريف المعاد والآخرة، وتعريف الله الكبير المتعال.. لتنتقل الاعتقادات الصحيحة إلى الأولاد والبنات.
أيّ شاب تعرفونه، حافظوا عليه بكلّ طريق صحيح، وتحدّثوا معه بأساليب ليّنة مسالمة، وعاودوا الحديث معه مرة بعد أخرى.. وإذا تحدثتم مع شابٍ لعشر مرات، ولم ينجذب إليكم، فحدثوه للمرة الحادية عشرة، وإلى المرة العشرين وهكذا.. المهم ألا تيأسوا؛ لأنه كلما ضاع شابٌ، تغيّر تاريخ بعينه.. وكلما آمن شاب وصار معتقداً حقاً، فمن الممكن أن يهتدي بواسطته، في المستقبل، آلاف الشباب.
أؤكد مرة أخرى على الوصيتين:
الأولى: أقيموا مجالس أسبوعية باسم الإمام الحسين سلام الله عليه، في بيوتكم.
الثانية: الشباب.. الشباب.. صونوا هؤلاء، واحفظوا عقائدهم..
أتمنى، ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت المعصومين الأطهار سلام الله عليهم، أن تُقبل أعمالكم جميعاً، وتُثبّت في صحائف حسناتكم، وأن توفَّقوا جميعاً في العمل بهاتين الوصيتين.. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
(1) سورة الأنفال، الآية 42.
(2) سورة الأنعام، الآية 164.
(3) مستدرك الوسائل: ج9، ص198.
(4) سورة المائدة ، الآية 116.
(5) اللمعة البيضاء: ص64.
(6) بحار الأنوار: ج39، ص295.