تقول الرواية إنه ذات يوم كان أمير المؤمنين سلام الله عليه يجتاز في أحد شوارع الكوفة، فرأى شخصاً يتكفّف فقال: ما هذا؟ فأجابه بعض من لا يعرف حقيقة الإسلام، قائلاً: هذا نصراني.. قد هَرِمَ وصار لا يقوى على العمل، فهو يتسوّل!!
وربما تصور المجيب أن الأمر يختلف عند الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، إذا كان المتسول غير مسلم، والحال أنه في القانون الإسلامي لا يختلف الأمر من هذه الجهة.. الناس اليوم لا يعلمون هذه القضايا، وقد لا يصدّقون بها، وسيقولون: فلماذا المسلمون اليوم ليسوا على هذه الشاكلة؟
لكن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه جعل يلوم أصحابه على ما رأى من حال ذلك النصراني، وقال:
«استعملتموه حتى إذا كبُر وعجز منعتموه»(1).
فأيّ نصراني، أو أي يهودي، بل وأي عابد وثن تعرضون عليه مثل هذا النموذج، ثم لا يتغير؟! إذا صدّق بذلك، فلابدّ أن يتغيّر، ويؤثّر في أسرته ويجعلها تتغيّر أيضاً.
هل يوجد بلدٌ في العالم اليوم يخلو من المتسولين؟ لو ذهبتم إلى أغنى بلد في العالم، لوجدتم فقراء ومتسولين.. وبالطبع، فإن الأمر يتفاوت من بلد إلى آخر؛ فهناك بلد فيه متسوّلون وفقراء أكثر، وآخر أقلّ.. وهكذا فأنتم تلاحظون أنه حتى في أكثر بلدان العالم تقدّماً، وفي ظلّ أفضل القوانين العصرية يوجد متسوّلون، في حين لا تُعد مثل هذه المسائل في الإسلام مسائل فردية، بل لا معنى لوجود التسوّل في بلد إسلامي!
الإسلام لا يتعلق بالآخرة فقط.
بل الإسلام يعني: سعادة الدنيا أيضاً.
يعني: الأمان.
يعني: الاقتصاد السليم.
يعني: السياسة السليمة.
يعني: المجتمع النظيف.
يعني: أن يكون كل شيء صحيحاً وسالماً.
ورسول الله صلى الله عليه وآله نفسه، حينما كان في المدينة المنورة، بل حينما كان في مكة المكرمة أيضاً ولم يكن وقتها مبسوط اليد، أعلن: «فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدنيا وملوكاً في الآخرة»(2)، ومعنى ذلك أنه تعالوا ادخلوا في الإسلام، لتجدوا سعادة الدنيا والآخرة؛ أي تصبح الدنيا جنةً لكم، وفي الآخرة يكون مصيركم إلى الجنة أيضاً.
كما أن إسلام أمير المؤمنين سلام الله عليه، يعني الإسلام الصحيح؛ أي إسلام القول والعمل، وليس إسلام الاسم فقط، كما عبّر رسول الله صلى الله عليه وآله عن إسلام أقوام: «يأتي على أمتي زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه»(3).
لهذا أمر أمير المؤمنين سلام الله عليه في شأن ذلك النصراني المتكفف، أن يُجرى له من بيت المال راتب يكفيه لمعيشته.
أجل إن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله قدّم إلى العالم هذه الهدية التي فيها سعادة البشرية وحين يظهر صاحب العصر والزمان وليّ الله الأعظم الإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه سيتحقّق الوعد الإلهي:
(ليظهره على الدين كله)(4)، وتنتشر راية الإسلام على كلّ أرجاء الكرة الأرضية، ويصبح الجميع مسلمين.
(1) الشيخ الطوسي: تهذيب الأحكام، ج6، ص293.
(2) بحار الأنوار: ج18، ص185، ح15.
(3) بحار الأنوار: ج36، ص284.
(4) سورة التوبة، الآية 33.