أتذكر بعض الوقائع التي تعود لزمان الشيوعيين، ولعل الكثيرين يتذكرونها، حيث اجتاحت الشيوعية العراق، وغزت صحفه ومجلاته ووسائله الإعلامية الأخرى من راديو وتلفزيون.. بل نفذت حتى إلى الهيئة الحاكمة آنذاك، وكانوا يوزعون الكتب بالملايين مجاناً، وكان أحد الكتب التي توزع على الشباب مجاناً، حتى في المدن المقدسة مثل كربلاء والنجف، وقد وصلتني أيضاً نسخةً منه وطالعت بعض صفحاته التي تتجاوز الثلاثمائة صفحة، يحمل عنوان (أين الله؟)، ومؤلفه (مكسيم غوركي)، فيه حشو كلام غير مناسب، يُفتتح بكلمة (أنا ابن الخطيئة – أي من أبوين غير شرعيين)!!، بدلاً من الافتتاح ببسم الله – بلا تشبيه -. ما يعني أن المؤلف يعرّف نفسه، ويبين من هو؟. ومن هنا لك أن تعلم ماذا يريد أن يقول مؤلف الكتاب المذكور. وهكذا ملأوا العراق بكتب الشيوعية، ومنها كتاب (رأس المال) لكارل ماركس، وكتب أخرى لقادة الشيوعيين، وكتب كبيرة الحجم وصغيرة، ومفصلة ومختصرة.. مما أحدث موجة جارفة، بحيث راح البعض يعبّر عن جزعه ويأسه من بقاء أية قائمة للدين أمام ذلك التيار العنيف.
وكان الشيوعيون آنذاك يقومون بأعمال وحشية ضد من يخالفهم، بأن يقيدوا المخالف من أطرافه، ويرسلوه في الأزقة والأسواق – وقد كرروا هذا العمل في مدن البلاد - وينهالوا عليه بالضرب المبرّح حتى يسقط جثةً هامدةً أمام أعين الناس. وهناك قصص شبيهة كثيرة قد عاصرتها بنفسي.
السيد الوالد رحمه الله – وقد كان المرحوم أخي سماحة آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره حاضراً وقتذاك أيضاً – اقترح على أهل العلم، أن يستغل كل واحد منهم المسجد أو الحسينية المجاورة له في محل سكناه، لإقامة حلقة درسية يبين خلالها للشباب أصول الدين وفروعه، ويردّ على شبهات الشيوعيين الذين كثرت إلقاءاتهم المشبوهة وسمومهم من خلال الراديو والتلفزيون والمجلات والخطب، في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وفي الجامعات والكليات.. وهكذا كان الشباب يختلفون إلى أهل العلم في حلقاتهم الدرسية تلك، ويطرحون أسئلتهم، ويتلقون الجواب، فإذا عجز متصدّ عن الردّ الشافي، يذهب ليسأل بدوره من هو أعلم منه، حتى إن بعض مدرسي البحث الخارج، كانوا قد شكلوا حلقات توجيهية لتلاميذ المدارس الابتدائية.حتى أنا الذي كنت يومذاك أحد طلبة المقدمات أقمت مجلساً عادياً في خمس مناطق من مدينة كربلاء، في الأسبوع الواحد، كما كان يصنع أخي المرحوم السيد محمد (الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره)، وكذلك أخي المرحوم السيد حسن (آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي قدس سره ).
كان المرحوم السيد الوالد، يؤكد على مواصلة بيان أصول الدين وفروعه، وجميع المسائل المتعلقة بهما، والإجابة على جميع الأسئلة التي تدور في أذهان الناس، أمام الموجة الشيوعية.. هذه الحركة الإسلامية التثقيفية، فضلاً عن المجالس والمنابر الإسلامية الأخرى، أدت إلى تجفيف جذور الشيوعية، في مدينة كربلاء المقدسة، ونأت بأهلها وشبابها من هذا الفكر الخطر، بحيث صرنا نرى أن العديد من أولئك الشباب الذين كانوا يحضرون تلك المجالس والحلقات الدرسية، أصبحوا بين مدرس البحث الخارج، ومجتهد، وإمام جماعة، وبعضهم أعرفهم شخصياً فقد كانوا يحضرون مجالسي، وبعضهم كان يحضر مجالس أخرى أيضاً.