إن قصة النزاع والحرب بين بني أمية وبني العباس قد جرت زمان الإمامين الباقر والصادق سلام الله علهيما، حيث كانت سائر البلاد الإسلامية خاضعة لسيطرة بني أمية، على مدى ثمانين عاماً ونيف، فعلوا خلالها كل ما أرادوا.. بعد ذلك جاء بنو العباس بذريعة تخليص الناس من ربقة الحكم الأموي، وكان شعارهم الذي تستروا به هو ( ندعو إلى رضا آل محمد سلام الله عليهم )، وقد كان مجرد غطاء لأهدافهم وأطماعهم منذ بداية أمرهم، كما انكشف ذلك في ميدان العمل والتطبيق.. فما عسى الأئمة الأطهار سلام الله عليهم – الإمامان الباقر والصادق سلام الله علهيما – أن يفعلوا في تلك البرهة الحساسة؛ هل يدعون الشيعة للوقوف إلى جانب بني أمية ليستمر مسلسل القتل والإرهاب بحقهم، أم يدعونهم للوقوف إلى جانب بني العباس، وهم يعلمون كذبهم وخداعهم، وأن أوضاع الشيعة ستتفاقم وتزداد سوءاً في ظل الأدعياء الجدد؟!
المتتبع للتاريخ الإسلامي، يعرف أن هناك شيئاً واضحاً في أدق دقائق تاريخ الأئمة المعصومين سلام الله عليهم ، ألا وهو بعد النظر والتقصي بالفكر؛ فهم لم يقصروا فكرهم على ذلك اليوم، بل أخذوا في الحسبان، ما بعد ذلك اليوم، وما بعد مئة سنة، وحتى ما بعد ألف سنة، في كيفية قيادتهم للشيعة، وطريقة أمرهم ونهيهم وتوجيههم لهم.
لقد عمل الإمامان الباقر والصادق سلام الله علهيما في تلك البرهة التاريخية، عملاً كان السبب في أننا نستطيع اليوم أن نعمل، وأن نعرّف العالم بالإسلام الصحيح. لقد استفاد هذان الإمامان سلام الله علهيما من تلك الفرصة وقد كانت فرصة طويلة جداً؛ ذلك لأن حكومة بني أمية التي كانت أكبر حكومة على وجه الأرض، تمكنت من أن تخضع سائر البلاد الإسلامية تحت سيطرتها، كما لم تكن في ذلك الوقت طائرات ودبابات وصواريخ وقنابل، بل لم تتعد الأسلحة وقتذاك الرمح والسيف والجياد؛ ولذلك عالج الأئمة سلام الله عليهم التصدعات التي عمّت الكيان الإسلامي المترامي الأطراف، قطعة قطعة ولبنةً لبنة، فاستغرق الأمر سنين عديدة، حتى تحول إلى تيار.. لقد سجل التاريخ أن آخر ملوك بني أمية هو مروان الملقب بمروان الحمار، تمييزاً له عن مروان بن الحكم، والذي قُتل على يد السفاح.
وأول من دشن حكم بني العباس، السفاح أخو المنصور الدوانيقي؛ فكان أول الملوك العباسيين، ثم جاء بعده المنصور.. هذه المرحلة امتدت لسنوات متمادية، استطاع خلالها الإمامان الباقر والصادق – سلام الله علهيما – أن يعرّفا الإسلام الصحيح للناس، إسلام رسول الله صلى الله عليه واله، إسلام الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه. ورغم المشاكل الكثيرة التي واجهها الإمام الصادق سلام الله عليه، قبل وأثناء حكم السفاح الذي دام أربع سنوات، وبعده أثناء فترة حكم المنصور الدوانيقي الذي استمر في مضايقة الإمام سلام الله عليه، إلا أنه سلام الله عليه تمكن من أن يربي أربعة آلاف تلميذ؛ ما يعني أن الإمام سلام الله عليه استطاع تفهيم أربعة آلاف عالم ومتعلم وطالب علم أحكام الإسلام الصحيح؛ أصول الدين وفروعه، واجبات ومحرمات الإسلام، المستحب والمكروه والمباح، موارد صحة الصلاة وموارد بطلانها، أين يقع الحج صحيحاً وأين يقع باطلاً؟ من هو المستطيع ومن هو غير المستطيع؟ من يجب عليه الخمس؟ وبيّن أحكام البيع والعقد والنكاح والطلاق والمواريث والديات والحدود والقضاء والشهادات، كما بيّن أخلاق الإسلام وآدابه، وكذلك الأحكام السياسية للإسلام، والأحكام الاقتصادية والاجتماعية للإسلام.. و....إلخ.
المتتبع للتاريخ الإسلامي يستطيع أن يلحظ بسهولة أن أكثر من خمسين بالمئة من مجمل روايات وأحاديث الأئمة الاثني عشر المعصومين سلام الله عليهم ، التي بين أيدينا، تعود لهذين الإمامين (الباقر والصادق سلام الله علهيما)، وما دون الخمسين بالمئة منها يعود لسائرالأئمة المعصومين سلام الله عليهم ...
وهكذا استفاد الإمامان الباقر والصادق سلام الله علهيما من فرصة تحارب بني أمية وبني العباس، على الوجه الذي استطاعا به حقن دماء الشيعة من جهة، وتعريف الإسلام الصحيح الذي وصل إلى أيدينا اليوم، من جهة أخرى؛ فإذا صلى أحدنا صلاة صحيحةً فالفضل في وقوعها صحيحة يعود – على الأكثر – لهذين الإمامين المعصومين سلام الله علهيما، وكذلك إذا حججنا ووقعت حجتنا صحيحة، وأدينا الخمس، وحسن خلقنا، وتحلينا بالصبر والحلم والصدق، فهو يعود – في أكثره – لتلك الفترة.