رسالة الإمام الصادق للشيعة

بسم الله الرحمن الرحيم

أَمَّا بَعْدُ فَاسْأَلُوا رَبَّكُمُ الْعَافِيَةَ، وَعَلَيْكُمْ بـِالدَّعَةِ وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، وَعَلَيْكُمْ بالْحَيَاءِ وَالتَّنَزُّهِ عَمَّا تَنَزَّهَ عَنْهُ الصَّالِحُونَ قَبْلَكُمْ، وَعَلَيْكُمْ بـِمُجَامَلَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ، تَحَمَّلُوا الضَّيْمَ مِنْهُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَمُمَاظَّتَهُمْ، دِينُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ إِذَا أَنْتُمْ جَالَسْتُمُوهُمْ وَخَالَطْتُمُوهُمْ وَنَازَعْتُمُوهُمُ الْكَلاَمَ؛ فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لَكُمْ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ وَمُنَازَعَتِهِمُ الْكَلاَمَ بـِالتَّقِيَّةِ الَّتِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَأْخُذُوا بـِهَا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، فَإِذَا ابْتُلِيتُمْ بـِذَلِكَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ سَيُؤْذُونَكُمْ وَتَعْرِفُونَ فِي وُجُوهِهِمُ الْمُنْكَرَ، وَلَوْلاَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُهُمْ عَنْكُمْ لَسَطَوْا بـِكُمْ، وَمَا فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا يُبْدُونَ لَكُمْ. مَجَالِسُكُمْ وَمَجَالِسُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَأَرْوَاحُكُمْ وَأَرْوَاحُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لاَ تَأْتَلِفُ، لاَ تُحِبُّونَهُمْ أَبَداً وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَكُمْ بـِالْحَقِّ وَبَصَّرَكُمُوهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَتُجَامِلُونَهُمْ وَتَصْبـِرُونَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ لاَ مُجَامَلَةَ لَهُمْ وَلاَ صَبْرَ لَهُمْ عَلَى شَيْ‏ءٍ، وَحِيَلُهُمْ وَسْوَاسُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِنِ اسْتَطَاعُوا صَدُّوكُمْ عَنِ الْحَقِّ، فَيَعْصِمُكُمْ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَكُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُزْلِقُوا أَلْسِنَتَكُمْ بـِقَوْلِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ وَالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَفْتُمْ أَلْسِنَتَكُمْ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ كَانَ خَيْراً لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ مِنْ أَنْ تُزْلِقُوا أَلْسِنَتَكُمْ بـِهِ، فَإِنَّ زَلَقَ اللِّسَانِ فِيمَا يَكْرَهُ اللَّهُ وَمَا يَنْهَى عَنْهُ مَرْدَاةٌ لِلْعَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ وَمَقْتٌ مِنَ اللَّهِ وَصَمٌّ وَعَمًى وَبَكَمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَصِيرُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ يَعْنِي لاَ يَنْطِقُونَ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.
وَإِيَّاكُمْ وَمَا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ تَرْكَبُوهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ إلاَّ فِيمَا يَنْفَعُكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَمْرِ آخِرَتِكُمْ وَيَأْجُرُكُمْ عَلَيْهِ.
وَأَكْثِرُوا مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبيحِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ قَدْرَهُ وَلاَ يَبْلُغُ كُنْهَهُ أَحَدٌ، فَاشْغَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ بـِذَلِكَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَقَاوِيلِ الْبَاطِلِ الَّتِي تُعْقِبُ أَهْلَهَا خُلُوداً فِي النَّارِ، مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا.
وَعَلَيْكُمْ بـِالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُدْرِكُوا نَجَاحَ الْحَوَائِجِ عِنْدَ رَبِّهِمْ بـِأَفْضَلَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ وَالْمَسْأَلَةِ لَهُ، فَارْغَبُوا فِيمَا رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَأَجِيبُوا اللَّهَ إِلَى مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ؛ لِتُفْلِحُوا وَتَنْجُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَشْرَهَ أَنْفُسُكُمْ إِلَى شَيْ‏ءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّهُ مَنِ انْتَهَكَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا فِي الدُّنْيَا حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَلَذَّتِهَا وَكَرَامَتِهَا الْقَائِمَةِ الدَّائِمَةِ لأَهْلِ الْجَنَّةِ أَبَدَ الآبـِدِينَ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ بـِئْسَ الْحَظُّ الْخَطَرُ لِمَنْ خَاطَرَ اللَّهَ بـِتَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرُكُوبِ مَعْصِيَتِهِ، فَاخْتَارَ أَنْ يَنْتَهِكَ مَحَارِمَ اللَّهِ فِي لَذَّاتِ دُنْيَا مُنْقَطِعَةٍ زَائِلَةٍ عَنْ أَهْلِهَا عَلَى خُلُودِ نَعِيمٍ فِي الْجَنَّةِ وَلَذَّاتِهَا وَكَرَامَةِ أَهْلِهَا، وَيْلٌ لأُِولَئِكَ! مَا أَخْيَبَ حَظَّهُمْ وَأَخْسَرَ كَرَّتَهُمْ وَأَسْوَأَ حَالَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. اسْتَجِيرُوا اللَّهَ أَنْ يُجِيرَكُمْ فِي مِثَالِهِمْ أَبَداً وَأَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بـِمَا ابْتَلاَهُمْ بـِهِ، وَلاَ قُوَّةَ لَنَا وَلَكُمْ إِلاَّ بـِهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ النَّاجِيَةُ إِنْ أَتَمَّ اللَّهُ لَكُمْ مَا أَعْطَاكُمْ بـِهِ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَتِمُّ الأَمْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكُمْ مِثْلُ الَّذِي دَخَلَ عَلَى الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَحَتَّى تُبْتَلَوْا فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَحَتَّى تَسْمَعُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ أَذًى كَثِيراً فَتَصْبِرُوا وَتَعْرُكُوا بـِجُنُوبـِكُمْ، وَحَتَّى يَسْتَذِلُّوكُمْ وَيُبْغِضُوكُمْ، وَحَتَّى يُحَمِّلُوا عَلَيْكُمُ الضَّيْمَ، فَتَحَمَّلُوا مِنْهُمْ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَحَتَّى تَكْظِمُوا الْغَيْظَ الشَّدِيدَ فِي الأَذَى فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَجْتَرِمُونَهُ، إِلَيْكُمْ وَحَتَّى يُكَذِّبُوكُمْ بـِالْحَقِّ وَيُعَادُوكُمْ فِيهِ وَيُبْغِضُوكُمْ عَلَيْهِ، فَتَصْبـِرُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلَى نَبـِيِّكُمْ صلى الله عليه وآله، سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وآله: ﴿فَاصْبـِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾. فَقَدْ كُذِّبَ نَبـِيُّ اللَّهِ وَالرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ وَأُوذُوا مَعَ التَّكْذِيبِ بـِالْحَقِّ، فَإِنْ سَرَّكُمْ أَمْرُ اللَّهِ فِيهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمْ لَهُ فِي الأَصْلِ (أَصْلِ الْخَلْقِ) مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَخْلُقَهُمْ لَهُ فِي الأَصْلِ وَمِنَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابـِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ فَتَدَبَّرُوا هَذَا وَاعْقِلُوهُ، وَلاَ تَجْهَلُوهُ، فَإِنَّهُ مَنْ يَجْهَلْ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابـِهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بـِهِ وَنَهَى عَنْهُ تَرَكَ دِينَ اللَّهِ وَرَكِبَ مَعَاصِيَهُ فَاسْتَوْجَبَ سَخَطَ اللَّهِ فَأَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ.
أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ الْمُفْلِحَةُ إِنَّ اللَّهَ أَتَمَّ لَكُمْ مَا آتَاكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَلاَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فِي دِينِهِ بـِهَوًى وَلاَ رَأْيٍ وَلاَ مَقَايِيسَ، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ وَجَعَلَ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ، وَجَعَلَ لِلْقُرْآنِ وَلِتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ أَهْلاً، لاَ يَسَعُ أَهْلَ عِلْمِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمَهُ أَنْ يَأْخُذُوا فِيهِ بـِهَوًى وَلاَ رَأْيٍ وَلاَ مَقَايِيسَ، أَغْنَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بمَا آتَاهُمْ مِنْ عِلْمِهِ وَخَصَّهُمْ بـِهِ، وَوَضَعَهُ عِنْدَهُمْ؛ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ أَكْرَمَهُمْ بـِهَا، وَهُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بـِسُؤَالِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ مَنْ سَأَلَهُمْ ـ وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ وَيَتَّبـِعَ أَثَرَهُمْ ـ أَرْشَدُوهُ وَأَعْطَوْهُ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ مَا يَهْتَدِي بـِهِ إِلَى اللَّهِ بـِإِذْنِهِ وَإِلَى جَمِيعِ سُبُلِ الْحَقِّ، وَهُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْغَبُ عَنْهُمْ وَعَنْ مَسْأَلَتِهِمْ وَعَنْ عِلْمِهِمُ الَّذِي أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بـِهِ وَجَعَلَهُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ الشَّقَاءُ فِي أَصْلِ الْخَلْقِ تَحْتَ الأَظِلَّةِ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ عَنْ سُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ وَالَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمَ الْقُرْآنِ وَوَضَعَهُ عِنْدَهُمْ وَأَمَرَ بـِسُؤَالِهِمْ، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بـِأَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ وَمَقَايِيسِهِمْ حَتَّى دَخَلَهُمُ الشَّيْطَانُ لأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَهْلَ الإِيمَانِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ كَافِرِينَ، وَجَعَلُوا أَهْلَ الضَّلالَةِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنِينَ، وَحَتَّى جَعَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ حَرَاماً، وَجَعَلُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ حَلالاً، فَذَلِكَ أَصْلُ ثَمَرَةِ أَهْوَائِهِمْ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالُوا نَحْنُ بَعْدَ مَا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ يَسَعُنَا أَنْ نَأْخُذَ بـِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رَأْيُ النَّاسِ بَعْدَ مَا قَبَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ صلى الله عليه وآله وَبَعْدَ عَهْدِهِ الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْنَا وَأَمَرَنَا بـِهِ، مُخَالِفاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وآله، فَمَا أَحَدٌ أَجْرَأَ عَلَى اللَّهِ وَلاَ أَبْيَنَ ضَلالَةً مِمَّنْ أَخَذَ بـِذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَسَعُهُ، وَاللَّهِ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَيَتَّبـِعُوا أَمْرَهُ فِي حَيَاةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وَبَعْدَ مَوْتِهِ. هَلْ يَسْتَطِيعُ أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ أَحَداً مِمَّنْ أَسْلَمَ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله أَخَذَ بـِقَوْلِهِ وَرَأْيِهِ وَمَقَايِيسِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً، وَإِنْ قَالَ: لاَ لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بـِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ وَمَقَايِيسِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بـِالْحُجَّةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُطَاعُ وَيُتَّبَعُ أَمْرُهُ بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابـِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ وَذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُطَاعُ وَيُتَّبَعُ أَمْرُهُ فِي حَيَاةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وَبَعْدَ قَبْضِ اللَّهِ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وَكَمَا لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله أَنْ يَأْخُذَ بـِهَوَاهُ وَلاَ رَأْيِهِ وَلاَ مَقَايِيسِهِ، خِلافاً لأَمْرِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله، فَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله أَنْ يَأْخُذَ بـِهَوَاهُ وَلاَ رَأْيِهِ وَلاَ مَقَايِيسِهِ.
دَعُوا رَفْعَ أَيْدِيكُمْ فِي الصَّلاةِ إلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ تُفْتَتَحُ الصَّلاةُ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ شَهَرُوكُمْ بـِذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بـِاللَّهِ.
أَكْثِرُوا مِنْ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَدْعُوهُ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بـِالاسْتِجَابَةِ، وَاللَّهُ مُصَيِّرٌ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُمْ عَمَلاً يَزِيدُهُمْ بـِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بـِكَثْرَةِ الذِّكْرِ لَهُ، وَاللَّهُ ذَاكِرٌ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إلاَّ ذَكَرَهُ بـِخَيْرٍ، فَأَعْطُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمُ الاِجْتِهَادَ فِي طَاعَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُدْرَكُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَهُ إلاَّ بـِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَبَاطِنِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابـِهِ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بـِهِ أَنْ تَجْتَنِبُوهُ فَقَدْ حَرَّمَهُ، وَاتَّبـِعُوا آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَسُنَّتَهُ فَخُذُوا بـِهَا وَلاَ تَتَّبـِعُوا أَهْوَاءَكُمْ وَآرَاءَكُمْ فَتَضِلُّوا، فَإِنَّ أَضَلَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَرَأْيَهُ بـِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وَأَحْسِنُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها.
وَجَامِلُوا النَّاسَ وَلاَ تَحْمِلُوهُمْ عَلَى رِقَابِكُمْ تَجْمَعُوا مَعَ ذَلِكَ طَاعَةَ رَبِّكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَسَبَّ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَكُمْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بـِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا حَدَّ سَبِّهِمْ لِلَّهِ كَيْفَ هُوَ: إِنَّهُ مَنْ سَبَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدِ انْتَهَكَ سَبَّ اللَّهِ وَمَنْ أَظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اسْتَسَبَّ لِلَّهِ وَلأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَمَهْلاً مَهْلاً فَاتَّبـِعُوا أَمْرَ اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بـِاللَّهِ.
أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْحَافِظُ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرَهُمْ، عَلَيْكُمْ بـِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَسُنَّتِهِ، وَآثَارِ الأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله مِنْ بَعْدِهِ وَسُنَّتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ بـِذَلِكَ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَرَغِبَ عَنْهُ ضَلَّ؛ لأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بـِطَاعَتِهِمْ وَوَلايَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُونَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: «الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعَمَلِ فِي اتِّبَاعِ الآثَارِ وَالسُّنَنِ وَإِنْ قَلَّ، أَرْضَى لِلَّهِ وَأَنْفَعُ عِنْدَهُ فِي الْعَاقِبَةِ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي الْبـِدَعِ وَاتِّبَاعِ الأَهْوَاءِ، أَلا إِنَّ اتِّبَاعَ الأَهْوَاءِ وَاتِّبَاعَ الْبـِدَعِ بـِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ضَلالٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ بـِدْعَةٌ، وَكُلُّ بـِدْعَةٍ فِي النَّارِ». وَلَنْ يُنَالَ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ إِلاَّ بـِطَاعَتِهِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا لأَنَّ الصَّبْرَ وَالرِّضَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ عَبْدٌ مِنْ عَبـِيدِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنِ اللَّهِ فِيمَا صَنَعَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَصَنَعَ بـِهِ عَلَى مَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، وَلَنْ يَصْنَعَ اللَّهُ بـِمَنْ صَبَرَ وَرَضِيَ عَنِ اللَّهِ إِلاَّ مَا هُوَ أَهْلُهُ وَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا أَحَبَّ وَكَرِهَ.
وَعَلَيْكُمْ بـِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بـِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابـِهِ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ.
وَعَلَيْكُمْ بـِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ حَقَّرَهُمْ وَتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ زَلَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَهُ حَاقِرٌ مَاقِتٌ، وَقَدْ قَالَ أَبُونَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: «أَمَرَنِي رَبِّي بـِحُبِّ الْمَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ» وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ حَقَّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَقْتَ مِنْهُ وَالْمَحْقَرَةَ حَتَّى يَمْقُتَهُ النَّاسُ وَاللَّهُ لَهُ أَشَدُّ مَقْتاً، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ الْمَسَاكِينِ فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً أَنْ تُحِبُّوهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ صلى الله عليه وآله بـِحُبِّهِمْ، فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بـِحُبِّهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ مَاتَ وَهُوَ مِنَ الْغَاوِينَ.
وَإِيَّاكُمْ وَالْعَظَمَةَ وَالْكِبْرَ. فَإِنَّ الْكِبْرَ رِدَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَمَنْ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ خَصَمَهُ اللَّهُ وَأَذَلَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ يَبْغِيَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ خِصَالِ الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ بَغَى صَيَّرَ اللَّهُ بَغْيَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَصَارَتْ نُصْرَةُ اللَّهِ لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ غَلَبَ وَأَصَابَ الظَّفَرَ مِنَ اللَّهِ.
وَإِيَّاكُمْ أَنْ يَحْسُدَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؛ فَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْحَسَدُ.
وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُعِينُوا عَلَى مُسْلِمٍ مَظْلُومٍ فَيَدْعُوَ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَيُسْتَجَابَ لَهُ فِيكُمْ؛ فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ».
وَلْيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ مَعُونَةَ الْمُسْلِمِ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ أَجْراً مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَاعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ».
وَإِيَّاكُمْ وَإِعْسَارَ أَحَدٍ مِنْ إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تُعْسِرُوهُ بـِالشَّيْ‏ءِ يَكُونُ لَكُمْ قِبَلَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَإِنَّ أَبَانَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله كَانَ يَقُولُ: «لَيْسَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُعْسِرَ مُسْلِماً، وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَظَلَّهُ اللَّهُ بـِظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ».
وَإِيَّاكُمْ ـ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ الْمُفَضَّلَةُ عَلَى مَنْ سِوَاهَا ـ وَحَبْسَ حُقُوقِ اللَّهِ قِبَلَكُمْ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، فَإِنَّهُ مَنْ عَجَّلَ حُقُوقَ اللَّهِ قِبَلَهُ كَانَ اللَّهُ أَقْدَرَ عَلَى التَّعْجِيلِ لَهُ إِلَى مُضَاعَفَةِ الْخَيْرِ فِي الْعَاجِلِ وَالآجِلِ، وَإِنَّهُ مَنْ أَخَّرَ حُقُوقَ اللَّهِ قِبَلَهُ كَانَ اللَّهُ أَقْدَرَ عَلَى تَأْخِيرِ رِزْقِهِ، وَمَنْ حَبَسَ اللَّهُ رِزْقَهُ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَرْزُقَ نَفْسَهُ، فَأَدُّوا إِلَى اللَّهِ حَقَّ مَا رَزَقَكُمْ يُطَيِّبِ اللَّهُ لَكُمْ بَقِيَّتَهُ وَيُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنْ مُضَاعَفَتِهِ لَكُمُ الأَضْعَافَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي لاَ يَعْلَمُ عَدَدَهَا وَلاَ كُنْهَ فَضْلِهَا إلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
اتَّقُوا اللَّهَ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْكُمْ مُحْرِجُ الإِمَامِ؛ فَإِنَّ مُحْرِجَ الإِمَامِ هُوَ الَّذِي يَسْعَى بـِأَهْلِ الصَّلاَحِ مِنْ أَتْبَاعِ الإِمَامِ الْمُسَلِّمِينَ لِفَضْلِهِ الصَّابـِرِينَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ الْعَارِفِينَ لِحُرْمَتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ نَزَلَ بـِذَلِكَ الْمَنْزِلِ عِنْدَ الإِمَامِ فَهُوَ مُحْرِجُ الإِمَامِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْرَجَ الإِمَامَ إِلَى أَنْ يَلْعَنَ أَهْلَ الصَّلاحِ مِنْ أَتْبَاعِهِ الْمُسَلِّمِينَ لِفَضْلِهِ، الصَّابـِرِينَ عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ، الْعَارِفِينَ بـِحُرْمَتِهِ، فَإِذَا لَعَنَهُمْ لإِحْرَاجِ أَعْدَاءِ اللَّهِ الإِمَامَ صَارَتْ لَعْنَتُهُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَصَارَتِ اللَّعْنَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنَ الْمَلائِكَةِ وَرُسُلِهِ عَلَى أُولَئِكَ.
وَاعْلَمُوا أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ أَنَّ السُّنَّةَ مِنَ اللَّهِ قَدْ جَرَتْ فِي الصَّالِحِينَ .
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ حَقّاً حَقّاً فَلْيَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلْيَبْرَأْ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ وَيُسَلِّمْ لِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِمْ؛ لأَنَّ فَضْلَهُمْ لاَ يَبْلُغُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبـِيٌّ مُرْسَلٌ وَلاَ مَنْ دُونَ ذَلِكَ. أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِ أَتْبَاعِ الأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ قَالَ: ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبـِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾. فَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ فَضْلِ أَتْبَاعِ الأَئِمَّةِ، فَكَيْفَ بـِهِمْ وَفَضْلِهِمْ؟
وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُتِمَّ اللَّهُ لَهُ إِيمَانَهُ حَتَّى يَكُونَ مُؤْمِناً حَقّاً حَقّاً فَلْيَفِ لِلَّهِ بـِشُرُوطِهِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّهُ قَدِ اشْتَرَطَ مَعَ وَلايَتِهِ وَوَلايَةِ رَسُولِهِ وَوَلايَةِ أَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ إِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَإِقْرَاضَ اللَّهِ قَرْضاً حَسَناً وَاجْتِنَابَ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْ‏ءٌ مِمَّا فُسِّرَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ وَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ. فَمَنْ دَانَ اللَّهَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مُخْلِصاً لِلَّهِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِنَفْسِهِ فِي تَرْكِ شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذَا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ فِي حِزْبـِهِ الْغَالِبـِينَ، وَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَقّاً.
وَإِيَّاكُمْ وَالإِصْرَارَ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ فِي ظَهْرِ الْقُرْآنِ وَبَطْنِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ، إِذَا نَسُوا شَيْئاً مِمَّا اشْتَرَطَ اللَّهُ فِي كِتَابـِهِ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ عَصَوُا اللَّهَ فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ الشَّيْ‏ءَ فَاسْتَغْفَرُوا وَلَمْ يَعُودُوا إِلَى تَرْكِهِ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ وَنَهَى لِيُطَاعَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَلِيُنْتَهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ، فَمَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ فَقَدْ أَطَاعَهُ وَقَدْ أَدْرَكَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَهُ، وَمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ عَصَاهُ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبـِيٌّ مُرْسَلٌ وَلاَ مَنْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ إلاَّ طَاعَتُهُمْ لَهُ، فَاجْتَهِدُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ إِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَقّاً حَقّاً، وَلا قُوَّةَ إلاَّ بـِاللَّهِ.
وَعَلَيْكُمْ بـِطَاعَةِ رَبِّكُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ رَبُّكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الإِسْلامَ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمَ هُوَ الإِسْلامُ. فَمَنْ سَلَّمَ فَقَدْ أَسْلَمَ، وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَلاَ إِسْلامَ لَهُ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْلِغَ إِلَى نَفْسِهِ فِي الإِحْسَانِ فَلْيُطِعِ اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ أَبْلَغَ إِلَى نَفْسِهِ فِي الإِحْسَانِ وَإِيَّاكُمْ وَمَعَاصِيَ اللَّهِ أَنْ تَرْكَبُوهَا؛ فَإِنَّهُ مَنِ انْتَهَكَ مَعَاصِيَ اللَّهِ فَرَكِبَهَا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الإِسَاءَةِ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَ الإِحْسَانِ وَالإِسَاءَةِ مَنْزِلَةٌ، فَلأَهْلِ الإِحْسَانِ عِنْدَ رَبِّهِمُ الْجَنَّةُ، وَلأَهْلِ الإِسَاءَةِ عِنْدَ رَبِّهِمُ النَّارُ، فَاعْمَلُوا بـِطَاعَةِ اللَّهِ وَاجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ يُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ شَيْئاً، لاَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلاَ مَنْ دُونَ ذَلِكَ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ تَنْفَعَهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَطْلُبْ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَداً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ يُصِبْ رِضَا اللَّهِ إلاَّ بـِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَطَاعَةِ وُلاةِ أَمْرِهِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله، وَمَعْصِيَتُهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ لَهُمْ فَضْلاً عَظُمَ أَوْ صَغُرَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمُنْكِرِينَ هُمُ الْمُكَذِّبُونَ، وَأَنَّ الْمُكَذِّبـِينَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِلْمُنَافِقِينَ ـ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ ـ : ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾.
وَلا يَفْرَقَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَلْزَمَ اللَّهُ قَلْبَهُ طَاعَتَهُ وَخَشْيَتَهُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ صِفَةِ الْحَقِّ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ صِفَةِ الْحَقِّ فَأُولَئِكَ هُمْ شَيَاطِينُ الإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَإِنَّ لِشَيَاطِينِ الإِنْسِ حِيلَةً وَمَكْراً وَخَدَائِعَ وَوَسْوَسَةً بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، يُرِيدُونَ إِنِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَرُدُّوا أَهْلَ الْحَقِّ عَمَّا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بـِهِ مِنَ النَّظَرِ فِي دِينِ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ شَيَاطِينَ الإِنْسِ مِنْ أَهْلِهِ، إِرَادَةَ أَنْ يَسْتَوِيَ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَأَهْلُ الْحَقِّ فِي الشَّكِّ وَالإِنْكَارِ وَالتَّكْذِيبِ فَيَكُونُونَ سَوَاءً كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابـِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾، ثُمَّ نَهَى اللَّهُ أَهْلَ النَّصْرِ بِالْحَقِّ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً، فَلا يُهَوِّلَنَّكُمْ وَلا يَرُدَّنَّكُمْ عَنِ النَّصْرِ بـِالْحَقِّ الَّذِي خَصَّكُمُ اللَّهُ بـِهِ مِنْ حِيلَةِ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَمَكْرِهِمْ مِنْ أُمُورِكُمْ، تَدْفَعُونَ أَنْتُمُ السَّيِّئَةَ بـِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، تَلْتَمِسُونَ بـِذَلِكَ وَجْهَ رَبِّكُمْ بـِطَاعَتِهِ، وَهُمْ لا خَيْرَ عِنْدَهُمْ، لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُظْهِرُوهُمْ عَلَى أُصُولِ دِينِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُمْ إِنْ سَمِعُوا مِنْكُمْ فِيهِ شَيْئاً عَادَوْكُمْ عَلَيْهِ وَرَفَعُوهُ عَلَيْكُمْ وَجَهَدُوا عَلَى هَلاكِكُمْ وَاسْتَقْبَلُوكُمْ بـِمَا تَكْرَهُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَكُمُ النَّصَفَةُ مِنْهُمْ فِي دُوَلِ الْفُجَّارِ، فَاعْرِفُوا مَنْزِلَتَكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْبَاطِلِ؛ فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لأَهْلِ الْحَقِّ أَنْ يُنْزِلُوا أَنْفُسَهُمْ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ؛ لأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ أَهْلَ الْحَقِّ عِنْدَهُ بـِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ. أَ لَمْ يَعْرِفُوا وَجْهَ قَوْلِ اللَّهِ فِي كِتَابـِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أَكْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى ـ وَإِمَامَكُمْ وَدِينَكُمُ الَّذِي تَدِينُونَ بـِهِ عُرْضَةً لأَهْلِ الْبَاطِلِ؛ فَتُغْضِبُوا اللَّهَ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا.
فَمَهْلاً مَهْلاً يَا أَهْلَ الصَّلاحِ لاَ تَتْرُكُوا أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ مَنْ أَمَرَكُمْ بـِطَاعَتِهِ، فَيُغَيِّرَ اللَّهُ مَا بـِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ. أَحِبُّوا فِي اللَّهِ مَنْ وَصَفَ صِفَتَكُمْ، وَأَبْغِضُوا فِي اللَّهِ مَنْ خَالَفَكُمْ، وَابْذُلُوا مَوَدَّتَكُمْ وَنَصِيحَتَكُمْ لِمَنْ وَصَفَ صِفَتَكُمْ، وَلاَ تَبْتَذِلُوهَا لِمَنْ رَغِبَ عَنْ صِفَتِكُمْ وَعَادَاكُمْ عَلَيْهَا وَبَغَى لَكُمُ الْغَوَائِلَ.
هَذَا أَدَبُنَا أَدَبُ اللَّهِ، فَخُذُوا بـِهِ وَتَفَهَّمُوهُ وَاعْقِلُوهُ، وَلا تَنْبـِذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، مَا وَافَقَ هُدَاكُمْ أَخَذْتُمْ بـِهِ، وَمَا وَافَقَ هَوَاكُمْ طَرَحْتُمُوهُ وَلَمْ تَأْخُذُوا بـِهِ.
وَإِيَّاكُمْ وَالتَّجَبُّرَ عَلَى اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ عَبْداً لَمْ يُبْتَلَ بـِالتَّجَبُّرِ عَلَى اللَّهِ إلاَّ تَجَبَّرَ عَلَى دِينِ اللَّهِ، فَاسْتَقِيمُوا لِلَّهِ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابـِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ، أَجَارَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ التَّجَبُّرِ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ قُوَّةَ لَنَا وَلَكُمْ إلاَّ بـِاللَّهِ.
إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي أَصْلِ الْخَلْقِ مُؤْمِناً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُكَرِّهَ اللَّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَيُبَاعِدَهُ عَنْهُ، وَمَنْ كَرَّهَ اللَّهُ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَبَاعَدَهُ عَنْهُ عَافَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ وَالْجَبْرِيَّةِ فَلانَتْ عَرِيكَتُهُ وَحَسُنَ خُلُقُهُ وَطَلُقَ وَجْهُهُ وَصَارَ عَلَيْهِ وَقَارُ الإِسْلامِ وَسَكِينَتُهُ وَتَخَشُّعُهُ وَوَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَاجْتَنَبَ مَسَاخِطَهُ، وَرَزَقَهُ اللَّهُ مَوَدَّةَ النَّاسِ وَمُجَامَلَتَهُمْ وَتَرْكَ مُقَاطَعَةِ النَّاسِ وَالْخُصُومَاتِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا وَلا مِنْ أَهْلِهَا فِي شَيْ‏ءٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ فِي الأَصْلِ (أَصْلِ الْخَلْقِ) كَافِراً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَيُقَرِّبَهُ مِنْهُ، فَإِذَا حَبَّبَ إِلَيْهِ الشَّرَّ وَقَرَّبَهُ مِنْهُ ابْتُلِيَ بـِالْكِبْرِ وَالْجَبْرِيَّةِ فَقَسَا قَلْبُهُ وَسَاءَ خُلُقُهُ وَغَلُظَ وَجْهُهُ وَظَهَرَ فُحْشُهُ وَقَلَّ حَيَاؤُهُ وَكَشَفَ اللَّهُ سِتْرَهُ وَرَكِبَ الْمَحَارِمَ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا، وَرَكِبَ مَعَاصِيَ اللَّهِ وَأَبْغَضَ طَاعَتَهُ وَأَهْلَهَا، فَبُعْدٌ مَا بَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَحَالِ الْكَافِر.ِ سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَاطْلُبُوهَا إِلَيْهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بـِاللَّهِ.
صَبِّرُوا النَّفْسَ عَلَى الْبَلاءِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ تَتَابُعَ الْبَلاءِ فِيهَا وَالشِّدَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَوَلايَتِهِ وَوَلايَةِ مَنْ أَمَرَ بـِوَلايَتِهِ خَيْرٌ عَاقِبَةً عِنْدَ اللَّهِ فِي الآخِرَةِ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا وَإِنْ طَالَ تَتَابُعُ نَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا وَغَضَارَةُ عَيْشِهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَوَلايَةِ مَنْ نَهَى اللَّهُ عَنْ وَلايَتِهِ وَطَاعَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بـِوَلايَةِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابـِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بـِأَمْرِنا﴾ وَهُمُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بـِوَلايَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ. وَالَّذِينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ وَلايَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ ـ وَهُمْ أَئِمَّةُ الضَّلالَةِ الَّذِينَ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ دُوَلٌ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الأَئِمَّةِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ـ يَعْمَلُونَ فِي دَولَتِهِمْ بـِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله لِيَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ. وَلِيَتِمَّ أَنْ تَكُونُوا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وَالرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ فَتَدَبَّرُوا مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابـِهِ مِمَّا ابْتَلَى بـِهِ أَنْبـِيَاءَهُ وَأَتْبَاعَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلاءِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ مِثْلَ الَّذِي أَعْطَاهُمْ. وَإِيَّاكُمْ وَمُمَاظَّةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَعَلَيْكُمْ بـِهُدَى الصَّالِحِينَ وَوَقَارِهِمْ وَسَكِينَتِهِمْ وَحِلْمِهِمْ وَتَخَشُّعِهِمْ وَوَرَعِهِمْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَصِدْقِهِمْ وَوَفَائِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ لِلَّهِ فِي الْعَمَلِ بـِطَاعَتِهِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ تُنْزَلُوا عِنْدَ رَبِّكُمْ مَنْزِلَةَ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بـِعَبْدٍ خَيْراً شَرَحَ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ، فَإِذَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ أَنْطَقَ لِسَانَهُ بـِالْحَقِّ وَعَقَدَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ فَعَمِلَ بـِهِ، فَإِذَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ تَمَّ لَهُ إِسْلامُهُ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَقّاً، وَإِذَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ بـِعَبْدٍ خَيْراً وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ وَكَانَ صَدْرُهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، فَإِنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ حَقٌّ لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ الْعَمَلَ بـِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَصَارَ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ اللَّهُ أَنْ يُعْقَدَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْطِهِ الْعَمَلَ بـِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَسَلُوهُ أَنْ يَشْرَحَ صُدُورَكُمْ لِلإِسْلامِ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَلْسِنَتَكُمْ تَنْطِقُ بـِالْحَقِّ حَتَّى يَتَوَفَّاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَجْعَلَ مُنْقَلَبَكُمْ مُنْقَلَبَ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بـِاللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ فَلْيَعْمَلْ بـِطَاعَةِ اللَّهِ وَلْيَتَّبِعْنَا. أَلَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبـِعُونِي يُحْبـِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وَاللَّهِ لا يُطِيعُ اللَّهَ عَبْدٌ أَبَداً إلاَّ أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي طَاعَتِهِ اتِّبَاعَنَا، وَلا وَاللَّهِ لا يَتَّبـِعُنَا عَبْدٌ أَبَداً إلاَّ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَلاَ وَاللَّهِ لاَ يَدَعُ أَحَدٌ اتِّبَاعَنَا أَبَداً إلاَّ أَبْغَضَنَا، وَلاَ وَاللَّهِ لاَ يُبْغِضُنَا أَحَدٌ أَبَداً إلاَّ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ مَاتَ عَاصِياً لِلَّهِ أَخْزَاهُ اللَّهُ وَأَكَبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.