قالت السيدة الزهراء في وصيّتها للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليهما: «ولا
خالفتك منذ عاشرتنـي»(1). والعارفون باللغة العربية يعلمون أن هناك فرقاً بين
مفهوم «الخلاف» و«النقيض» و«الضد».
ولبيان الفرق بين هذه المفاهيم الثلاثة نضرب الأمثلة التالية:
لو أن رجلاً اقترح على زوجته أن تسافر إلى مشهد المقدّسة ولكنّها قالت: بل أذهب إلى
العمرة، فالذهاب إلى العمرة هنا يعدّ ضدّاً للذهاب إلى مشهد. ولكن لو قالت: «لن
أذهب إلى مشهد» فإنّ «عدم الذهاب» هنا يعدّ نقيضاً للذهاب.
أما لو اقترحت أن يكون سفرها إلى مشهد بالقطار، فإنّ هذه الحالة تسمى تخالفاً. وكما
تلاحظون فإنّ المخالف أقلّ شدّة بمراتب من الضدّ والنقيض.
إن الصدّيقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها استعملت مادّة «الخلاف» بدلاً من مادّتي
«الضدّ» و«النقيض» لتبيّن أنها لا تخالف الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه فضلاً
عن أن تعمل على الضدّ أو النقيض من رغبته.
وعلى النساء أن يتعلّمن من الصدّيقة الزهراء هذه الدرجة من الانسجام
والتواؤم مع أزواجهنّ وإن كانت صعبة؛ وذلك لأنّ السيّدة الزهراء سلام الله عليها
وشخصيّات مثل السيّدة زينب والسيّدة فاطمة المعصومة (بنت الإمام الكاظم سلام الله
عليه) والسيّدة تكتم (أمّ الإمام الرضا عليه السلام) والسيّدة نرجس (أمّ الإمام
صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف) قدوات للنساء، وإن كانت السيّدة الزهراء سلام
الله عليها هي الأفضل من بينهن.
لا يظنّن أحد أن حياة الصديقة فاطمة سلام الله عليها كانت عاديّة، فطيلة السنوات
التسع التي عاشتها مع الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، لم يكن الإمام سلام
الله عليه أكثر هذه المدّة في الدار وكان مشغولاً بالدعوة والجهاد. وما أكثر الأيام
التي لم يكن عندهم في البيت حتى تمرة يسدّون بها جوعهم وجوع أطفالهم.
ما أكثر الحالات التي اقترض فيها الإمام لإعداد الطعام ثم رأى فقيراً أو محتاجاً في
الطريق فتصدّق به عليه وعاد إلى البيت خالي اليدين. أجل هكذا كانت تعيش الزهراء
سلام الله عليها ولم تكن حياتها مرفّهة أبداً.
فما أحسن أن تتخذ النساء من الصديقة الزهراء أسوة وقدوة لهنّ في حياتهنّ وأن
يتحمّلن في سبيلها الصعوبات. فحقيق بالمرأة التي تتخذ قراراً كهذا أن تبلغ السعادة.
إن السعادة لا تأتي من الثروة والشهرة والجاه وأمور من هذا القبيل. إنّ المرأة التي
تتجاوز عن صعوبات الحياة وفظاظة الزوج ـ في سبيل الله تعالى ـ لن تصاب بالكآبة
واليأس أبداً.