إلا أنّ هذه الحرمة الرفيعة لرسول الله صلى الله عليه وآله قد أزيلت قبيل
استشهاده ــ كما عبّرت بضعته الزهراء سلام الله عليها ــ وذلك عندما قال بعضهم:
«إنّ الرجل ليهجر» وإنّه «غلبه الوجع»(1).
هذه الواقعة ورد ذكرها في الكتب المهمّة للعامّة ومنها الصحاح عندهم، ورغم الاختلاف
في نقل التفاصيل إلا أنّ أصل الخبر متواتر.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله ــ وهو أشرف الأولين والآخرين ــ يهان
هكذا، فكيف سيتمّ التعامل مع سائر المقدّسات الأخرى؟!
وإذا وجدنا اليوم على وجه الأرض عابد صنم أو كافراً أو غير مسلم، وكلّ ما
نراه من ظلم وفسق، فإنّ سببه هو ذلك القول الذي تفوّه به المتفوّه على أشرف
الأوّلين والآخرين.
روي: «لو أنّ أمير المؤمنين ثبتت قدماه لأقام كتاب الله كلّه والحقّ كلّه»(2)
أي لو أنّه سلام الله عليه حكَم مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وآله لما بقي حتى
غير مسلم واحد ــ طبعاً من دون أن يجبر أحداً على الإسلام ــ ولما أزيلت حرمة الله
والنبي والإسلام، بل كانت باقية حتى اليوم.
إنّ كل الجرائم التي ارتكبت وترتكب عبر التاريخ من غصب الخلافة، ورشق الجثمان
الطاهر للإمام الحسن سلام الله عليه بالسهام، وهدم مراقد أئمة أهل البيت سلام الله
عليهم في البقيع، وأخيراً تفجير مرقد العسكريين سلام الله عليهما في سامراء، وكلّ
الجرائم التي ترتكب اليوم بحقّ المؤمنين في العراق وسائر نقاط العالم، إنّما هي من
نتائج ذلك اليوم الذي عبّرت عنه الصديقة الزهراء سلام الله عليها بقولها: «واُزيلت
الحرمة عند مماته».
فلولا تلك الإزالة وذاك التجرّي لما استطاعوا أن يقيّدوا الإمام أمير المؤمنين سلام
الله عليه ويحضروه إلى المسجد حاسر الرأس، وحافي القدمين، ولا أن يهتكوا آلاف
الحرمات بعد ذلك.
أجل، إنّ ذلك الهتك وتلك الإزالة هي منشأ كلّ ما حصل بعده من هتك
وإزالة للحرمات.
فلئن كنّا نشهد اليوم أنّ الأعداء والظالمين يستهدفون القبّة النورانية والمرقد
الطاهر للإمامين العسكريين سلام الله عليهما أو يضرّجون زوّار سيد الشهداء في يوم
عاشوراء بدمائهم، فينبغي أن يُبحث عن السبب في آخر يوم من حياة الرسول صلى الله
عليه وآله.
ومن هنا يفهم لماذا اعتبرت الصديقة الزهراء جريمة إزالة الحرمة ــ أي كلّ الحرمات
الإلهية ــ قبيل رحيل الرسول صلى الله عليه وآله أعظم كثيراً حتى من مصيبة
فقد المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وآله وإن كانت مصيبة فقده كبيرة لا يجبرها
شيء.
إنّ كلّ ما وصل إلينا اليوم من الإسلام العظيم إنّما هو بفضل المعصومين سلام الله
عليهم ولولاهم، والإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، لما وجدنا
حتى مصلّياً أبداً، تماماً كما حصل بعد رحيل الأنبياء والرّسل الذين سبقوا نبينا
صلى الله عليه وآله حيث لم يبق بعدهم من شريعتهم شيء فكانت ما بين مندثر ومحرّف.
ومن هنا نفهم معنى الحديث القدسي الشريف: «لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي
لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»(3).
فهذا الحديث لا يعني أنّ أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء سلام الله عليهما أفضل من
رسول الله صلى الله عليه وآله، بل لعلّ المفهوم من هذا الحديث أن هذه الذوات
المقدسة هم علّة بقاء الإسلام وثباته وخُلوده، ولولا استمرار هذه السلسلة
النورانيّة المباركة ــ من الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حتى صاحب العصر
والزمان الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف ــ بعد رسول الله صلى الله عليه
وآله، لما بقي للإسلام اليوم أيّ ذكر أو أثر، ولزال الدين كلّه من الوجود.