» قصة الرجل المحبّ للضيف

ولكي أوضّح لكم الموضوع أكثر أنقل لكم الرواية التالية:
يحكى أن رجلاً شكا إلى النبي5 أنه يحب إقراء الضيف لكن زوجته تكره ذلك وتعكّر عليه، فقال5 قل لها: (إنَّ الضَّيْفَ إذَا جَاء جَاءَ بِرِزْقِهِ وإذَا ارتَحَلَ ارتَحلَ بِذُنُوبِ أَهْلِ البيتِ)(1).

أي أن الله سيضيف في رزق أهل ذلك البيت ما ينفقونه في إقرائه، ثم إذا انصرف عنهم بعد ذلك وارتحل ارتحلت ذنوبهم معه.
يقال: إن الرجل عاد ثانية إلى النبي وأخبره أن ذلك لم ينفع معها.
وهنا أمره النبي أن يمسح بيده على وجهها إذا حل الضيف.

وفعَل الرجل ذلك، فأصبحت المرأة تتمنى إقراء الضيف بعد ذلك؛ لأنها رأت الأمور التي أخبرها بها زوجها عن النبي على حقيقتها، بعد أن مسح على وجهها بأمر النبي، أي رأت الضيف عندما يدخل الدار ترافقه أنواع الأطعمة والفواكه، وعندما يخرج تخرج معه الأوساخ والعقارب والحيات مثلاً.

نستفيد من هذا الحديث أموراً عديدة؛ منها أمران لهما صلة بموضوعنا وهما:
الأمر الأوّل: الولاية التكوينية لرسول الله. فمع أنّه لم يقم هنا بفعل، فلم يمسح بيده الشريفة على وجه المرأة - مثلاً - بل أمر الزوج أن يمسح هو بيده على وجهها، ومع ذلك أثّر في تكوين المرأة، أي أنّ أمر النبي وكلامه يكفي لتغيير الكون، ولا حاجة حتى لفعله المباشر، بل تكفي إرادته وقوله. والإمام كالنبي في هذا.

الأمر الثاني: هو أنّ الذنوب قاذورات وأوساخ وحيّات وعقارب تحيط بنا من الرأس إلى القدم وتكون مانعاً من تشرّفنا بلقاء صاحب الزمان عجّل الله فرجه، أي أننا لا نكون جديرين بسببها للقائهB فنحرم هذا التوفيق.

ويمكن تقريب هذا الموضوع بمثال:
لو أنّ رجلاً دقّ عليك الباب وأنت في غرفتك. وعندما فتحت الباب رأيته كريه المنظر والرائحة لكثرة ما علق به من قاذورات ونجاسة وأوساخ وديدان وعقارب وحيات.. فهل ستسمح له بالدخول إلى المكان النظيف الذي تجلس فيه؟ كلاّ بالطبع.

هذا يعني أنّك لو كنت في مكان صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) لما أذنت بلقاء رجل يحمل كلّ هذه القاذورات العالقة بلسانه وعينه وأذنه وأنفه ويده ورجله وبطنه وفكره (وهي الذنوب).
عرفنا إذن لماذا لا نرى الإمام صاحب الزمان عجّل الله فرجه، فكلّ المشكلة تكمن هنا.. فينا نحن.

إنّ ذلك العالِم الديني تهيّب للقاء الإمام فلم يره. أما كثير منا فلم يصل حتى إلى هذه الدرجة، فذلك الرجل العالِم كان قد قطع شوطاً للقاء الإمام (عجّل الله فرجه) وفينا من لم ينتهج الطريق بعد.
إنّ الإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) يرانا ويرى أعمالنا كما ورد في تفسير قول الله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

وفي الروايات أنه (مؤيّد بروح القدس، بينه وبين الله عز وجل عمود من نور يرى فيه أعمال العباد، وكل ما يُحتاج إليه)(2).
فهو يرى كلامنا وأجسامنا وكلّ ما يظهر منّا، ويرى كذلك ما وراء الكلام والسطور وهو الفكر والنوايا. فهو يرى الشيء الذي نفكّر فيه عندما نتكلّم أو نكتب وفيما إذا كانت نيّاتنا وأفكارنا لله أم لكي يقول الآخرون عنا أننا نجيد الكلام أو الكتابة وأنّ مواضيعنا أفضل من غيرنا. هذه الأمور يراها الإمام أيضاً.. يراها منا في كلّ ساعة وفي كلّ لحظة.

وكما أنّك تطلب من الشخص المنتن الذي أتى لزيارتك أن يذهب أوّلاّ ويزيل عنه الأوساخ والقاذورات ويرمي العقارب والديدان عنه ثم تقول له: تفضّل أهلاً وسهلاً فبابنا مفتوح لك، فكذلك صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) فاتح بابه لكلّ إنسان ولكنه يطلب منا أن نتطهّر أوّلاً ثمّ نأتي للقائه.

فلنعاهد الله في هذه المناسبة أن نبدأ بسلوك الطريق؛ فلعلّنا نبلغ المقصود بعد زمان طال أو قصر، فإنّ من سلك الطريق لابدّ وأن يصل، وصاحب الزمان عليه الصلاة والسلام يعرف عن قلبك وقلبي إن كنّا سالكي الطريق حقّاً أم لا؛ فإن علم صدقنا فسيأخذ بأيدينا. ولو أنّ أحدنا تقدّم إليه بمقدار خمسة في المئة من الطريق فإنّه (عجّل الله فرجه) سيتقدّم إليه في الباقي ويفتح له ذراعيه، ولكن علينا أن نجعل أنفسنا أهلاً لذلك.

إن الأرواح النجسة غير لائقة للقاء الإمام، والأعين الخطّاءة لا تستحق أن تطلّ على حضرته، والآذان المليئة بالمعاصي غير جديرة بسماع صوته، وأنّى لهذه الشفاه التي صدرت من بينها آلاف المعاصي أن تتشرّف بتقبيل يديه!
وإلاّ فلِمَ لا يسمح لنا الإمام بلقائه وهو أهل الكرم والجود؟ ألم يلتقِ السيد الفلاني والشيخ الفلاني والبقّال الفلاني والعطّار الفلاني بل وأشخاصاً أمّيين لا يعرفون القراءة والكتابة، فلماذا لا يسمح لي ولك نحن المتعلّمين؟ إلاّ بسبب ذنوبنا؟ فإنّ الإمام لا ينظر إلى أبداننا بل ينظر إلى قلوبنا وأرواحنا وعقولنا.


الهوامش :

(1) مستدرك‏ الوسائل ج : 16 ص : 259 ح 11.
(2) بحار الأنوار ح25، ص117.