تبيّن إذن أنّ الله تعالى لم يذكر المنّة في القرآن الكريم إلاّ في ثلاثة مواضع؛ الأوّل على أنبيائه في آيتين، والثاني على المؤمنين وكلها وردت بصيغة الماضي
(لقد منَنّا.. ولقد منَنّا.. لقد منّ الله على المؤمنين..) لكن هنا (في آية القصص) تبدّلت الصيغة إلى زمان المستقبل، وكانت المنّة شاملة لكلّ أهل الأرض.
وهكذا نرى أنّ هذه الآية هي من الآيات الواردة في شأن الإمام المنتظر، ناهيك عن الأحاديث التي تؤيّد الموضوع من كتب الفريقين.
إنّ موضوع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من المواضيع العميقة والواسعة وهو متشعّب الجوانب كثير الفروع، الأمر الذي يتطلّب من كلّ منّا أن يزيد من مطالعاته في هذا الموضوع الهام، لكنّي أحببت أن أثير سؤالاً في هذا المجال، وهو: إذا كان الإمام الحجّة (عجّل الله فرجه) موجوداً بين ظهرانينا - كما هو الحق - فلماذا لا نراه مع أنّه يرانا سلام الله عليه؟.
في جواب هذا السؤال أذكر لكم قصّة رواها المرحوم والدي تعود إلى الأيّام التي كان يعيش فيها في سامرّاء العراق:
يقول والدي رحمه الله: كان أحد العلماء يكثر من ارتياد سرداب الغيبة في أيام الجمع
وغبرها، يخلو فيه .. يقرأ دعاء الندبة والعهد وزيارة صاحب الزمان ويدعو الله بفنون
الدعوات على أمل اللقاء بالإمام.
يحكي والدي عن هذا العالِم أنّه قال:
مرّ زمان وأنا على هذه الحال أرتاد السرداب مشتاقاً لرؤية صاحب الزمان صلوات الله عليه. وفي أحد الأيام وبينما أنا جالس وحدي - ولم يكن في السرداب أحد غيري - منشغلاً بالدعاء والمناجاة، مفكّراً في حالي وأنّ المدّة قد طالت وأنا مواظب على الحضور إلى هذا المكان دون أن أوفّق للقاء الإمام عليه الصلاة والسلام، متسائلاً مع نفسي عن السبب الذي يحول دون تشرّفي برؤيته، قائلاً: ماهو ذنبي ولماذا لا يمنّ عليَّ الإمام بشرف رؤية طلعته... وبينما أنا ساهم في هذه الحالة إذ أُلهمت بأنّ الإمام سيدخل السرداب حالاً، لقد وقع هذا الموضوع في قلبي على نحو اليقين وليس وقوع تخيّل ومجرّد تصوّر، بل عرفت ذلك من ضميري وأيقنت –بوجداني- أنّ الإمام سيدخل السرداب الآن، وشعرت أنّي سأوفّق للقائه.
ولكن ما إن عرضت لي الفكرة الأخيرة (أي قرب التشرّف والتوفيق للقاء الإمام) حتى تملّكتني هيبة عصرتني عصرة لم أشعر معها إلاّ وأنا خارج من السرداب متسلقاً درجات السلّم.. وبدأ قلبي يدقّ بشدّة. فأدركت أنّه لم يحن بعد الوقت الذي أكون لائقاً ومؤهّلاً للقاء الإمام الحجّة.