» لنكن حسينيين أداءً لحق أهل البيت سلام الله عليهم

أما بالنسبة لحق أهل البيت سلام الله عليهم فإنني أعيد هنا وصية المرحوم الأخ(1) أعلى الله درجاته التي كان يوصيكم بها في مثل هذه المناسبات وهذا اليوم بالخصوص، وهي أنه وإن انتهى شهرا محرم وصفر لكن العمل لقضية الإمام الحسين سلام الله عليه لا ينتهي ولا يتوقّف.

لقد خصّص العلاّمة المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) باباً في فضل زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه أسماه باب
(أن زيارته صلوات الله عليه واجبة مفترضة مأمور بها، وما ورد من الذم والتأنيب والتوعّد على تركها، وأنها لا تُترك للخوف)(2). في ذلك الباب أربعون رواية منها الرواية التالية:
«عن عبد الله بن بُكير - من ثقات أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه - :
قلت له - أي للإمام سلام الله عليه -: إني أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي مشفق وجل حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح(3)؟
فقال له الإمام سلام الله عليه: يابن بكير أما تحبّ أن يراك الله فينا خائفاً؟ أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسين تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع القيامة، يفزع الناس ولا يفزع، فإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة»(4).

إن الحج من شعائر الإسلام العظيمة حتى عُدّ من تركه عمداً -وهو مستطيع - كافراً، لقوله تعالى: (وَللّه عَلَى النَّاس حجُّ الْبَيْت مَن اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلاً وَمَن كَفَرَ فَإنَّ الله غَنيٌّ عَن الْعَالَمينَ)(5). وفي الحديث يقال: لتارك الحج - بلا موجب شرعي - عند موته «فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً»(6)، ومع ذلك يقول الفقهاء: لا يسوغ الحج مع الخوف، أما زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه فيقول الإمام الصادق سلام الله عليه لمن يخاف فيها السلطان وسعاته ومسالحه:
«أما تحبّ أن يراك الله فينا خائفاً».

أي ينبغي لك أن تفرح إذا كنت تزور الإمام سلام الله عليه على خوف، لأن الله تعالى سيضاعف أجرك لما يرى من حبّك وتضحيتك في سبيل حبيبه وسبط حبيبه.
و قوله سلام الله عليه (فينا) مطلق لا يخصّ الزيارة والذهاب إلى كربلاء، وكما يقول الفقهاء: (العبرة بعموم الوارد ...) أي كلّ مورد يراك الله خائفاً في أهل البيت سلام الله عليهم فهو محبوب.

ثم يعقّب الإمام سلام الله عليه أنه لو عمل الموالي عملاً - أيّ عمل - لأهل البيت وكان فيه خوف فإن الله عزّ وجلّ سيكافئه بثلاث مكافآت عظيمة يوم القيامة:
المكافأة الأولى: أن الله تعالى سيظلّه بظلّ عرشه، ومتى سيكون ذلك وأين؟ إنه في يوم المحشر وعرصاته في ذلك اليوم الذي يعضّ الظالم على يديه، وقد يقطعهما حسرة وهو غير ملتفت.
المكافأة الثانية: أن الإمام الحسين سلام الله عليه يكون محدّثه في ذلك اليوم.
المكافأة الثالثة: آمنه الله تعالى من أفزاع يوم القيامة، حين يفزع الناس، وإن فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة.

أجل يؤمنه الله في يوم وصفه تعالى بقوله: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَات حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)(7). فمن خاف في طريق الإمام الحسين سلام الله عليه في الدنيا فانه سيكون آمناً في ذلك اليوم المهول.

فجدير بنا أن نقيم شعائر أبى عبد الله الحسين سلام الله عليه ولا ترهبنا تهديدات أعدائه، ولا نخاف في ذلك لومة لائم أو استهزاء مستهزئ مادمنا على الحقّ ومراعين لأحكام الله تعالى وملتزمين بكتابه وسنّة نبيه صلى الله عليه واله وعترته الطاهرة سلام الله عليهم أجمعين ، ولا يتوقف ذلك على شهري محرم وصفر، بل ينبغي أن تبقى هذه الشعلة موقدة طيلة أيام السنة بالنحو المناسب.


(1) إشارة إلى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد الحسيني الشيرازي قدّس الله سرّه .
(2) بحار الأنوار: 98/1 - 11 كتاب المزار باب 18.
(3) المسالح: جمع مسلحة بفتح الميم، وهي الحدود والأطراف من البلاد يرتّب فيها أصحاب السلاح كالثغور يوقون الحدود. مجمع البحرين للطريحي (مادّة سلح).
(4) كامل الزيارات لابن قولويه: 125، عنه بحار الأنوار: 98/10 ح39 باب أنّ زيارة الحسين واجبة مفترضة.
(5) آل عمران: 97.
(6) راجع ثواب الأعمال للصدوق: 281 ح2 عقاب من ترك الحجّ. (ط . مكتبة الصدوق - طهران).
(7) الحج: 2.