» دروس في التعامل مع المعارضين

لقد كانت الحكومة الظاهرية للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه تغطّي نصف سكّان المعمورة، وحوالي خمسين دولة من دول عالم اليوم ـ كما قلنا ـ ومع ذلك خاطبه أحد الخوارج بالقول: «اتّق الله فإنّك ميت»، فقال له الإمام سلام الله عليه دون أن يغضب عليه:
بَل مَقْتولٌ ضَرْبَةً عَلى هَذَا يَخْضب هَذِه ـ يعنـي لحْيَتَه منْ رَأسِه ـ عَهْدٌ مَعْهودٌ وَقَضاءٌ مَقْضيٌّ...(1).
فلو توجّه أحد اليوم بمثل هذا الخطاب لقائد عسكريّ أو مسؤول من الدرجة الثانية وليس للحاكم الأعلى في الدولة أو المسؤولين من الدرجة الأولى، فسيواجه بالعقوبة حتماً.
ومع أنّ عدم ردّ الإمام على صلافة ذلك الخارجي قد يشجّع الآخرين أيضاً ولكنّه سلام الله عليه آثر أن يمرّ عليه مرور الكرام.
هذا في حين كان الإمام يومئذ يرأس أكبر حكومة على وجه الأرض، ولكنه عامله بما يتلاءم مع قول الله تعالى:
(وَإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)(2).
وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله:
«عليٌّ مَعَ القُرآنِ وَالقُرآنُ مَعَ عَليٍّ»(3).
يُنقل أنّ أحد حكّام بني أمية أعلن قائلاً: «ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه!»(4). وهذا يدلّ على أنّ القوم لم يكتفوا بعدم متابعة القرآن بل كانوا يعملون على الضدّ منه تماماً.
ما هي حدود الحريات اليوم؟ في هذا العصر المسمّى بعصر الحريّات، يقوم ممثّلو الشعب في بعض الدول بالمناقشة وتقديم لوائح وقوانين تحدّد عقوبات خاصّة لمن يقوم بالتعرّض أو النقد للمسؤول الفلاني أو للحكومة، أو ما يسمّونها بعقوبات التهجّم وما أشبه.
قارنوا بين الغدير وغيره لتعرفوا حجم التفاوت بينهما.
حقّ لنا أن نتساءل: يا ترى هل سينجب التاريخ حاكماً عادلاً يقتفي أثر الإمام علي سلام الله عليه الذي كان يشاطر حتى أضعف مواطني دولته؟ هنا يتوضّح جلياً مغزى قول الإمام الرضا عليه السلام:
«لو عرفَ الناسُ فضل هذا اليومِ بحقيقتهِ لصافحَتْهُمُ الملائكةُ في كلِّ يومٍ عشْرَ مرّاتٍ»
عندما آل الحكم الظاهري إلى الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وعمل بمرّ الحقّ كما هي طبيعته ونهجه الذي يمثّل امتداداً لنهج رسول الله صلى الله عليه وآله، كان من الطبيعي أن لا يرضى بذلك الذين تضرّرت مصالحهم الدنيوية بسبب هذه السياسة، فخرجوا على الإمام، وكان من جملتهم أولئك الذين عرفوا فيما بعد بالخوارج والذين بلغ بهم الحال أن تجرّأ أحدهم في أحد الأيام بسبّ الإمام سلام الله عليه في الملأ العام، فهمّ الحاضرون لمواجهته، فمنعهم الإمام وقال:
«سَبٌّ بسَبٍّ أوْ عَفْوٌ عَن ذَنبٍ»(5).
هذا مع أنّه الذي قال في حقّه النبي صلى الله عليه وآله:
«حُبُّهُ إيمانٌ وبُغضُهُ كُفرٌ»(6).
ولم يلجأ الإمام سلام الله عليه حتى إلى ما قرّره القرآن من حقّ لكلّ مسلم بلا استثناء في قوله تعالى:
(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَليْهِ بمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم)(7).
بل عمل بالمرتبة الأعلى من التعامل القرآني الوارد في قوله تعالى:
(وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوَى)(8).
كان الإمام سلام الله عليه يرى طريقين أمامه؛ المقابلة بالمثل أو العفو، ولكنه اختار الطريق الثاني، وتجاوز عن المسيء إليه، ليتجلّى الحق بكلّ وجوده، ويذلّ الباطل ويزهق، ومن هنا كان سلام الله عليه ميزان الأعمال، والفاروق الذي به يعرف الحق ويتميّز عن الباطل. ولذا نقرأ في زيارته عليه السلام:
«السَّلامُ علَى مِيزانِ الأعْمال»(9).
ولهذا أيضاً يجب علينا أن نقيس ونزن كلّ أعمالنا بالقرب منه صلوات الله وسلامه عليه.
ما قلناه هو واحدٌ من آلاف الموارد المشابهة التي حدثت في عهد حكومة الإمام أمير المؤمنين، ولو طَبّق هذا الجانب من نهج الغدير في الحكم إلى يومنا هذا، ومن قِبل جميع الحاكمين، لما سمعنا بأن أحداً سُجن بسبب رأيه أو قول قاله في الحاكم أو ما أشبه.
ومن الواضح لو أنّ الإمام سلام الله عليه حكم طيلة الثلاثين سنة التي أعقبت رحيل النبي صلى الله عليه وآله مباشرة ولم يفرض عليه معارضوه أن يكون جليس داره، لتربّى الناس على يديه سلام الله عليه بهذه المعايير، ولوصل العالم ببركة الغدير الى منزلة عظيمة ولانتفع الناس كلّهم من الغدير بعيداً عن النزاعات العنصرية والقومية و... .


الغدير ومثيرو الحرب

لم يبادر الإمام أيّام خلافته بأيّة حرب ابتداء(10)، بل كانت كُلّ حروبه قد فُرضت عليه، وأوّلها حرب الجمل، والتي ما إن وضعت أوزارها وهُزم جندها حتى هرب الذين أشعلوا فتيلها واختبأوا في حجرات إحدى الدور في موضع من البصرة، فتوجّه أمير المؤمنين سلام الله عليه في كوكبة من جنوده إلى ذلك المحلّ حتى انتهى إلى الحجرة التي كانت فيها عائشة فعاتبها أولاً قائلاً لها:
أبهَذا أمَركِ اللهُ أو عَهَدَ بهِ إلَيكِ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله؟(11)
ثم أمرها بالتهيّؤ لإرجاعها إلى المدينة.
يروى أنّه سلام الله عليه قبل أن ينتهي إلى الحجرة التي كانت فيها عائشة تظاهرت نسوة المحاربين الذين خسروا المعركة وهتفن بشعارات في وجه الإمام مناديات: «هذا قاتل الأحبّة». وكذلك لما أراد الامام أن يهمّ بمغادرة المكان واصلن التظاهر والهتاف ضدّه بالشعار نفسه، حينها توقّف هنيئة ثم عاد وقال جملة واحدة فقط سكتن كلّهن على أثرها. لقد قال لهن:
لَو قَتَلتُ الأحبّةَ لَقَتَلتُ مَن في تلكََ الدَّار!
وأومأ بيده إلى ثلاث حجر في الدار(12).
وتلك الحُجَر كان قد اختبأ فيها مشعلو الحرب. فبالرغم من أنّ عائشة قد ألّبت على الإمام حتى فرضت عليه الحرب، وبالرغم من أنّها ومن خرج معها قد خسروا الحرب وانهزموا وتلبّدوا، إلا أنّ الإمام اكتفى بعتابها فقط ثم أمر بعد ذلك بإرجاعها إلى المدينة، وأمر أن لا يتمّ تعقيب قادة الجيش المعادي فضلاً عن أن يعدمهم أو يسجنهم أو ينفيهم أو يحاكمهم!
إننا لم نعهد تعاملاً من هذا القبيل في تاريخ البشر، بل لم نعهده حتى في هذا اليوم خصوصاً في تلك الدول التي ترفع شعار الحرّية وحقوق الإنسان، فتجدهم ما إن ينتصروا في معاركهم الباطلة ويقبضوا على رؤوس الجهة المعادية حتى يسجنوهم أو يحيلوهم إلى محاكم خاصّة واصفيهم بمجرمي الحرب أو الخونة والمتآمرين وقد يعدمونهم.
نعم، لمثل هذا قلنا: لو أنّ الغدير قد حكم الأمّة طيلة الثلاثين سنّة من عمر الإمام بعد الرسول صلى الله عليه وآله، لنعمنا بظلّها إلى الآن، ولما شهدنا كلَّ هذه الويلات والمحن منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا وإلى أن يظهر أمر الله في خلقه.


الغدير والخوارج بعد صفين

بعد أن اضطرّ الإمام أمير المؤمنين لخوض معركة صفّين وسقط آلاف القتلى من كلا الطرفين، وبعد أن كان النصر قاب قوسين أو أدنى منه سلام الله عليه، تدارك الجيش المعادي الأمر بحيلة رفع المصاحف وانطلت حيلتهم على قسم كبير ممّن كان يحارب في ركاب أمير المؤمنين سلام الله عليه فطالبوه بوقف الحرب وهدَّدوه إن لم يفعل!! فاضطُرّ الإمام لوقف الحرب كما اضطُرَّ لخوضها وطلب من مالك الأشتر التوقّف عن التقدّم، ثم أجبروه على قبول التحكيم ثم اعترضوا على قبوله له بعد ذلك مطلقين شعار حقّ أرادوا به باطلاً، فقالوا: «لا حكم إلا لله»(13). الذي كان باكورة حدوث فرقة الخوارج من داخل جيش الإمام نفسه!
ولم يكتفِ هؤلاء بمروقهم حتى تظاهروا ضدّ الإمام أيضاً، وقد رفعوا في وجهه الشعار نفسه عندما دخل المسجد ـ وكان يوم جمعة ـ وهو يومذاك إمام وحاكم لأكبر وأوسع وأقوى دولة على وجه الأرض(14).
ومع ذلك لم يعاقبهم الإمام بل لم يسمح لقادة جيشه أن يمنعوهم ولا أحال أحداً منهم إلى القضاء أو السجن؛ مع أنّهم كانوا يعلمون بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال في حقّه:
عَليٌّ معَ الحَقِّ والحَقُّ مَع عَلِيٍّ (15).
وهذا معناه أنّه لم يمنع أصحاب الباطل من حرّية التعبير. فأين يمكن أن تجدوا مثل هذه الحرّية؟ هل عهدتم حرّية كهذه حتى ممّن يدّعي حرصه عليها في هذا اليوم المعروف بعصر الحريات؟!
والأعظم من هذا أنّ الإمام لم يسمّ ولم يسمح بأن يُسَمّى هؤلاء ـ الذين خرجوا عليه وهتفوا بهذا الشعار في وجهه ـ بالمنافقين (16) مع أنهم كانوا أجلى مصداق لهذه المادّة، لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال لعليّ بن أبي طالب سلام الله عليه:
لا يُحِبُّكَ إلاّ مُؤمِنٌ ولا يُبْغِضكَ إلاّ مُنافِقٌ أوْ كافِرٌ (17).
نعم، فالذين خرجوا ضدَّ الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه هم المنافقون الحقيقيون، ولكن سياسة الإمام ـ التي هي من سنخ سياسة النبي صلى الله عليه وآله ـ تقتضي أن لا يستخدم سيف الترهيب؛ ولا يُمارس ضدّ المعارضين أسلوب السباب والشتم فضلاً عن الوصف بالنفاق.
فمن أجل إدارة الحكومة ومراعاة المصلحة الأهمّ في سياسة حال الأمَّة بما فيها المعارضون أيضاً، نهى الإمام أن يقال عنهم: إنّهم منافقون.


(1) مستدرك الوسائل، ج3 ، ص259، باب46، ح8، رقم3529.
(2) سورة الفرقان، الآية: 63.
(3) بحار الأنوار، ج 89، ص80، باب8، ح5.
(4) مناقب أهل البيت سلام الله عليهم للشيرواني، ص475.
(5) نهج البلاغة: ص550.
(6) كنز الفوائد: ج2، ص13.
(7) سورة البقرة، الآِية: 194.
(8) سورة البقرة، الآية: 237.
(9) مستدرك الوسائل: ج10، ص222، باب21 ـ استحباب زيارة أمير المؤمنين سلام الله عليه، ح1، رقم11900.
(10) روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن حميد، عن عبد الرزاق، قال: وخطب علي رضوان الله تعالى عليه بخطب ذوات عدد، وذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله إياه بقتالهم، وقال: اعتقاد المسلم فيما بينه وبين الله تعالى أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام كان محقّاً، مصيباً في قتال المنافقين والقاسطين والمارقين بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله خلاف الخوارج. قال: وهذا مما يجب على المسلم معرفته واعتقاده. نظم درر السمطين للزرندي: ص117.
(11) راجع أمالي المفيد: ص14 مجلس3، ح8.
(12) انظر تفسير فرات الكوفي: ص111 ح113 الآية69 من سورة النساء.
(13) قال سلام الله عليه: «كلمة حقّ يراد بها باطل»! انظر نهج البلاغة: ص82، رقم40 من كلام له عليه السلام في الخوارج لمّا سمع قولهم «لا حكم إلاّ لله».
(14) راجع بحار الأنوار: ج33 ، ص343 - 419 باب23 قتال الخوارج واحتجاجاته صلوات الله عليه.
(15) ممّن رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن أم سلمة: ج14، ص321.
(16) عن الإمام الصادق سلام الله عليه: إنّ عليّاً عليه السلام لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق ولكنّه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا. (قرب الإسناد للحميري القمّي: ص94 رواية رقم 318).
(17) مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص95 وإمتاع الأسماع للمقريزي: ج1، ص48.