القسم الأول
عظمة الغدير عند الله تعالى
:. إكمال الدين وإتمام النعمة
:. مفهوم الأعياد الدينية
:. عيد الله الأكبر
:. مواهب الله والعيش الرغد
:. السموّ المعنوي وتضاعف الدرجات
القسم الثاني
معالم مدرسة الغدير
:. إقامة أحكام الله تعالى
:. العدل والإنصاف
:. الرحمة والإنسانية
:. إرساء دعائم الحرّية
:. دروس في التعامل مع المعارضين
خاتمة
:. تداعيات إقصاء الغدير
:. مسؤوليتنا تجاه الغدير
:. خطبة الغدير المباركة
لقد امتاز الغدير بجملة من الخصائص البارزة ومنها:
1. أن فيه الإعلان عن مواهب الله تعالى للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه.
2. أنّ فيه يتحقّق العيش الرغد.
هناك زيارة مأثورة للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في يوم الغدير(1) زاره بها
الإمام الهادي سلام الله عليه ورواها الأكابر من علمائنا عن اثنين من النوّاب
الأربعة للإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وهما: عثمان بن سعيد (النائب
الأول) والحسين بن روح (النائب الثالث)؛ وكلاهما من أصحاب الإمام الحسن العسكري
سلام الله عليه، نقلا هذه الزيارة عنه، عن أبيه الإمام الهادي. عندما جلبوا الإمام
الهادي سلام الله عليه من المدينة إلى سامرّاء وكان معه ابنه الإمام الحسن العسكري
سلام الله عليه حينما مرّا على النجف الأشرف، فوقفا على قبر جدّهما أمير المؤمنين
وقد أدّيا الزيارة معاً بلسان الإمام الهادي صلوات الله وسلامه عليهم.
تزخر هذه الزيارة الشريفة بمضامين ومفاهيم قلّما توجد في الزيارات الأخرى المأثورة
عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم، ولذلك ينبغي للزائر أن يتوقّف عند هذه الزيارة
ويتأمّل في عباراتها؛ خصوصاً تلك العبارة التي يخاطب عليه السلام فيها جدّه أمير
المؤمنين سلام الله عليه بقوله:
لقَد رَفَعَ اللهُ في الأولى مَنزِلَتَك، وَأعلى في الآخِرَةِ دَرَجَتَك،
وَبَصَّرَكَ ما عَمِيَ عَلى مَنْ خالَفَك، وَحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَواهِبِ الله
لَك.
أي صار مانعاً وحائلاً بينك يا أمير المؤمنين وبين مواهب الله لك. فما هي تلك
المواهب التي حيل بينها وبين تطبيق الإمام لها في الأمّة؟ أحيل بينه وبين علمه، أم
عصمته، أم مقامه وإمامته، أم درجاته عند الله تعالى؟ كلاّ، فكلّ هذه ثابتة له.
لقد حيل بين الإمام سلام الله عليه وبين مواهبة الإلهيّة، أي منعوه من تطبيق ما
وهبه الله تعالى له في إدارة شؤون الأمّة. وهذه الحيلولة قد أضرّت بالمسلمين
أنفسهم.
فلو لم يُقْصَ سلام الله عليه وسُمح له بأن يحكم الأمّة مباشرة بعد النبيّ صلى الله
عليه وآله لكانت حكومته امتداداً كاملاً ودقيقاً لحكومة النبي صلى الله عليه وآله،
بفارق واحد فقط وهو أنه ليس بنبيّ كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله نفسه(2).
وهذا معناه أنّ كلّ حالات الخير والعدل التي كانت ستقام منذ ذلك اليوم كان نفعها
يعود للأمّة؛ وتك هي مواهب الله تعالى التي وهبها كلّها للإمام أمير المؤمنين سلام
الله عليه.
قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه:
وَلَو أنّ الأمَّة منذ قَبَضَ اللهُ نَبِيَّه اتّبعُوني وأطاعُوني لأكَلُوا مِنْ
فَوْقِهِم ومِن تحتِ أرجُلِهِم رَغَداً الى يَومِ القِيامة(3).
فلفظة «الرغد» تشير إلى الكيف ولفظة «إلى يوم القيامة» تشير إلى كمّ السعادة التي
كانت الأمّة ستنعم به فيما لو تحقّق الغدير.
فالرغد في اللغة: هو المعيشة التي لا ضنك فيها وليس معها ما يعكرها، فلا مرض ولا
فقر ولا جهل ولا حروب ولا نزاع ولا قلق ولا مشكلات ولا حبس ولا ويلات. هذا ما
يتضمّنه معنى الرغد.
فمعنى الحديث أنّ الإمام لو كان يحكم في الأمّة بعد النبي، وكان يتحقّق الغدير لأكل
الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم رغداً إلى يوم القيامة، ولما وُجد اليوم هذه الظواهر
من المساوئ من أمراض وويلات وإراقة الدماء ظلماً والفقر والمنازعات والقطيعات بين
الأرحام وغيرهم. فهذا هو مفهوم الرغد.
فهل تبيّن لماذا كان الغدير أعظم الأعياد في الإسلام؟ إنّ المفاهيم التي ينطوي
عليها الغدير بحمله لجميع جوانب التشريع الإسلامي لا تتوفر حتى في عيدي الفطر
والأضحى وغيرهما من أعياد الإسلام. فقارنوا بين كلّ الأعياد الإسلامية ومنها الجمعة
وبين عيد الغدير وانظروا ألا يؤيّدنا العقل في كونه أعظم الأعياد؟ مضافاً الى
النقل.
إذاً لم يعد يخفى علينا معنى قول الإمام الصادق سلام الله عليه:
يَومُ غَديرِ خُمٍّ... هو عيدُ الله الأكبرُ(4).