بمناسبة عاشوراء الإمام الحسين سلام الله عليه عام 1424 للهجرة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلوات الله على خير المرسلين محمد المصطفى وعترته الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

روي عن رسول الله صلى الله عليه واله: انه لمكتوبٌ على يمين عرش الله عزّ وجل: «إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة»(1).
في مثل هذه الأيام ونحن نستقبل عاشوراء الإمام الحسين سلام الله عليه الذي جعله الله تعالى «مصباح هدى وسفينة نجاة» ينبغي لنا جميعاً أن نقوم بما يريده الله تعالى ويرضاه منا ويكون محققا لأهداف سيد الشهداء سلام الله عليه ومنها ما يلي:
الأول: ترسيخ أصول العقيدة الإسلامية من التوحيد وما يتعلق به من صفات الله الثبوتية وما يتنزه عنه تعالى من الصفات السلبية، وبعثة الأنبياء وما يرتبط بها وبعثة رسول الإسلام خاتم الأنبياء صلى الله عليه واله وما يتصل بذلك، والإمامة وبحوثها والمعاد وشؤونه ونتائجه من الثواب والعقاب والجنة والنار.
فان من أهم أهداف نهضة الإمام الحسين سلام الله عليه هو إحياء أصول العقيدة في النفوس ولولا نهضته سلام الله عليه المباركة لأزالت ممارسات بني أمية والأوائل وأضرابهم الدين من جذوره ومحت الإسلام عن اصله، وقد قال جدهم أبو سفيان: «فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنة ولا نار»(2).
وقال ابنه معاوية عند ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه واله: «لا والله إلا دفناً دفناً»(3).
وقال حفيده يزيد بن معاوية: «لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل»(4).
وإني أوصي إخواني العلماء وطلاب العلم أيدهم الله تعالى ببيان حقائق أصول الإسلام ودفع الشبهات والشكوك المثارة حولها للشباب الصاعد، كما أؤكد على الشباب في كل مكان أن يستفيدوا في هذا المجال بالذات من العلماء وان يعرضوا عليهم أسئلتهم حتى يحققوا بدورهم أهم أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه.
الثاني: تركيز الأخلاق الإسلامية هي الأخرى من الأهداف التي ضحى الإمام الحسين سلام الله عليه لأجلها بأغلى ما على وجه الأرض من نفسه الشريفة وذويه وأكد على إحيائها قولاً وعملاً.
فعندما اعترضت الإمام الحسين سلام الله عليه في طريق كربلاء المقدسة الكتيبة المسلحة بقيادة (الحر بن يزيد الرياحي) والتي أعلنت له أن مهمتها تسليمه لابن زياد ووجدهم عطاشى فبادر إلى سقيهم الماء، وهل يصنع ذلك غير الإمام الحسين سلام الله عليه ومن على وتيرته ـ في مثل ذلك الموقف الفريد والإمام سلام الله عليه على علم بان جمعاً من أفراد هذه الكتيبة هم الذين سوف وبعد أيام قلائل يشتركون في قتله وقتل أهل بيته وأنصاره.
فعلى المؤمنين اتباع الإمام الحسين سلام الله عليه في التحلي بالفضيلة والالتزام بها في كافة ممارساتهم في الحياة الاجتماعية مع الأقرباء والغرباء، مع الأصدقاء والأعداء جميعاً.
كما ان مما يرضى الإمام الحسين سلام الله عليه أن يرى الشعائر التي تقوم باسمه مصحوبة بالفضيلة والأخلاق الإسلامية في كافة المجالات، حتى في مقام المناقشة أو الرد على السلبيين والذين لا يراعون الفضيلة، عملاً بقوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ»(5).
الثالث: تعظيم الشعائر الحسينية وبناء الحسينيات وإقامة مجالس العزاء والمواكب وإنشاء الهيئات وتعميم مظاهر الحزن والمصيبة بكافة أنواعها المستحبة في الشوارع والبيوت والمحلات العامة وغيرها فإنها وسيلة مثلى لجذب الناس إلى الدين ليفتحوا له عقولهم ونفوسهم ويستلهموا بسببه كل خير فيحظوا بجوامع السعادة في الدنيا والآخرة.
الرابع: سعادة الدنيا والآخرة رهينة مثلث، يشكل طرفاه الاقتصاد السليم، والسياسة العادلة، والطرف الثالث هو: الفضيلة وهذه هي التي أكد عليها القران الحكيم اكثر من مرة، وأعلنها رسول الله صلى الله عليه واله وأمير المؤمنين سلام الله عليه قولاً ومارساها في أعمالهما طيلة حكومتهما المثالية الفريدة، وهي التي كانت في طليعة أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه في قيامه ضد بني أمية الذين سحقوا القيم وافسدوا البلاد وأذلوا العباد، وفرضوا على الأمة ـ فيما فرضوا عليها ـ من الاقتصاد البغيض، والسياسة الظالمة، حتى اصبح المظهر العام للامة غير الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه واله وبشر به العالم وطبقه في حياته الكريمة.
وقد ورد عن الإمام الصادق سلام الله عليه في أدعية يوم عاشوراء: «اللهم إن الأمة خالفت الأئمة... وهجروا الكتاب الذي أمرت بمعرفته والوصي الذي أمرت بطاعته فأماتوا الحق وعدلوا عن القسط... وتمسكوا بالباطل وضيعوا الحق...»(6).
وإذا عرف العالم (اليوم) هذا المثلث وفهم أبعاده ووقف على حدوده التي جاءت في الإسلام صريحة واضحة، لتسابق إلى اعتناق الإسلام ودخلت شرائحه المليونية في دين الله كما كان بالأمس يوم كان النبي صلى الله عليه واله في المدينة المنورة، مبسوطة يداه لعرض الإسلام كاملا غير ناقص، فدخل المشركون والكفار والملحدون في الإسلام طوعاً ورغبة، حتى قال الله تعالى في القران الحكيم: «وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا»(7) وكبعض النماذج ـ من العشرات والعشرات ـ من نظائرها في الإسلام اذكر ما يلي:
ألف ـ ذات يوم في المدينة المنورة ورسول الله صلى الله عليه واله الحاكم الأعلى أعلن ثلاث مواد قانونية:
أولاً: لا ضرائب في الإرث وإنما أموال الميت لوارثه.
ثانياً: من مات وترك عائلة ضائعة لم يخلف لهم مالاً «فإليّ وعليّ» يعنى: ليأتوا إليّ وعليّ إعالتهم.
ثالثاً: «أيما مؤمن أو مسلم مات وترك ديناً لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الإمام أن يقضيه فان لم يقضه فعليه إثم ذلك»(8).
وكما ورد عن الإمام الصادق سلام الله عليه أيضاً: «من مات وترك دينا فعلينا دينه والينا عياله، ومن مات وترك مالاً فلورثته»(9).
هذه المواد الثلاث التي بمجموعها لم يسبق لها في التاريخ مثيل ولم يعقبها حتى اليوم نظير، فلا يوجد في معظم بلاد العالم (لا ضريبة على الإرث) كما لا يوجد في أي قانون اليوم (قانون ضمان الدولة لجميع ديون الميت) كما لا يوجد (تكفل أية دولة لجميع حاجات العائلة التي لا معيل لها ولا مورد).
هذه المواد لما أعلنها رسول الله صلى الله عليه واله اسلم بسببه الكثير من الكفار، وقد ورد عن الإمام الصادق سلام الله عليه: أن سبب إسلام كثير من الكفار كان بعد هذا القول من رسول الله صلى الله عليه واله(10).
هذا بالإضافة إلى ضمان الحكومة الإسلامية لكل دين عجز فيه المديون عن الأداء ـ وان كان المديون حياً ـ بنص القران المجيد: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ... وَالْغَارِمِينَ»(11) وهم المديونون الذين عجزوا عن الأداء على التفصيل المذكور في الكتب الفقهية.
وفي مثل وجود هكذا حكم قد يندر من لا يقرض الآخرين، فان عودة المال إلى الدائن ستكون مضمونة حينئذٍ، فإما يؤدي المقترض بنفسه الدين، أو تؤدي حكومة القران المجيد دينه.
ب ـ لما أغار خالد بن الوليد على بني جذيمة من بني المصطلق ظلماً، بعث رسول الله صلى الله عليه واله أمير المؤمنين علياً سلام الله عليه ليتدارك الأمر فجاءهم بما يلي:
أولاً: أعطى لكل قتيل ديته لورثته.
ثانياً: أعطى لكل جنين (سقط) خوفا ووحشة أو بصدمة ونحوها ديته لوارثه.
ثالثاً: لكل مال ضاع أو تلف منهم أعطى لأصحابه ثمنه.
رابعاً: أعطى للجنين الساقط من الأنعام والمواشي قيمته.
خامساً: أعطى لما فقدوه من المتاع أو الأموال أثمانها.
سادساً: أعطى ثمن الرسن (الحبل) المفقود أو المتقطع من الرعاة.
سابعاً: أعطى مالاً للنساء لروعتهن في الإغارة ليفرحن بدل ما أصابهن من الخوف.
ثامناً: أعطى مالاً للصبيان لفزعهم من الإغارة جبرا لما أصابهم من الذعر.
تاسعاً: أعطى مالاً لما لا يعلمون مما أصابهم في الإغارة.
عاشراً: أعطى لهم مالاً لما فقدوه أو كسر من ميلغة الكلاب.
الحادي عشر: أعطى مالا ليرضوا عن رسول الله صلى الله عليه واله..(12).
هل يجد التاريخ (حتى في عالم اليوم) مثيلاً لهذا الصنيع الإنساني الرفيع، والأخلاق الفاضلة النادرة، التي تستوجب تدارك حتى روعة النساء وفزع الأطفال وضمان حتى الميلغة (الكسرة من الخزف التي تشرب منها الماء).
ج ـ ورد في التاريخ أن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه لما منع الناس في الكوفة من صلاة التراويح التي ابتدعت بعد رسول الله صلى الله عليه واله تظاهرت مجموعة منهم على أمير المؤمنين سلام الله عليه فورد الإمام الحسن سلام الله عليه على أمير المؤمنين سلام الله عليه.
قال له: ما هذا الصوت؟؟
قال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون.
فقال له أمير المؤمنين سلام الله عليه: «قل لهم صلوا...»(13).
د ـ في البلد الإسلامي في وقت حكم الإسلام الصحيح يلزم أن لا يوجد حتى فقير واحد، فالضمان الاجتماعي في الإسلام يحتم على الحاكم الإسلامي أن يزيل الفقر نهائيا.
فقد ورد انه ـ في حكومة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ـ مر شيخ مكفوف كبير يسأل فقال أمير المؤمنين سلام الله عليه: ما هذا؟
فقالوا: يا أمير المؤمنين نصراني.
فقال أمير المؤمنين سلام الله عليه: «استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال...»(14).
فحتى الكافر في بلد الإسلام يسال الناس يكون أمراً غريباً، يتساءل الحاكم الأعلى عن هذه الظاهرة الغريبة (ما هذا؟) ولم يقل الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: (من هذا؟) إذ ليس المهم السائل بل السؤال غريب.
ولماذا الفقر والاقتصاد سليم، والسياسة عادلة، والمجتمع فضيلى؟
فهل يوجد ـ حتى اليوم وفي أغنى بلاد العالم ـ بلد لا يوجد فيه حتى سائل واحد؟
هذه لمحات من الإسلام الذي ضحى من اجله الإمام الحسين سلام الله عليه وقد أعلن ذلك مراراً، ومنها ما كتبه في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية حيث كتب: «واني لم اخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه واله أريد أن آمر بالمعروف وانهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب سلام الله عليه...»(15).
فلو يطبق هذا الإسلام إسلام رسول الله وإسلام أمير المؤمنين وإسلام الإمام الحسين وإسلام أهل البيت سلام الله عليهم على أية بقعة من بقاع العالم لانقضى ـ في أمد قليل ـ عنها الفقر والظلم وكل أنواع الفساد والانحراف ولحل محلها الفضيلة والرفاه والخير والسعادة ـ بما للكلمات من معنى ـ.
وهذا هو الذي سيحققه ولى الله الأعظم صاحب العصر المهدي المنتظر الموعود عجل فرجه الشريف عند ظهوره الميمون في أحلى صوره وأتم معانيه.
وينبغي الاستفادة اكثر من ذي قبل من التقنية الحديثة لنشر أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه بجميع محتوياتها من الكتب والصحف وكذلك الأفلام والمسرحيات والقنوات الفضائية والشبكة المعلوماتية و... وكل ما يمكن بواسطته ـ وبنزاهة كاملة ـ إيصال صوت الإمام الحسين سلام الله عليه إلى كل أفراد البشر.
وفي هذا المجال كان السيد الأخ أعلى الله درجاته يوصي مؤكداً بالاهتمام عبر الخطب والكتب والأشعار وغيرها على أحكام الله تعالى المنسية عملياً:
كالأمة الواحدة قال تعالى: «هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً»(16).
والاخوة الإيمانية ـ بلا فرق بين القوميات والإقليميات والألوان وغيرها ـ قال الله سبحانه: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»(17).
والأخذ بالاستشارية في الأمور قال الله عزّ من قائل: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»(18).
والحرية الإسلامية المشروعة ـ الصادقة والصحيحة ـ قال الله عز شانه: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ»(19).
والتعددية ـ في إطارها الإسلامي ـ قال الله عزّ اسمه: «إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى»(20).
وغيرها وغيرها...
أما العراق الجريح عراق علي والحسين سلام الله عليه، عراق مراقد أهل البيت سلام الله عليهم عراق الحوزات العلمية المباركة، عراق الثقافة والمثقفين، عراق المؤمنين والمتدينين، عراق الحضارة والتاريخ العريق.
وهذا الشعب المظلوم والمستضعف والمضطهد فقد آل أمره إلى وضع مأساوي قل أن نجد له مثيلاً في التاريخ.
وإنني إذ ابتهل إلى الله المجير أن ينقذ العراق من الظالمين، أدعو إخواني العراقيين من جميع الفصائل وفي جميع المراحل إلى الالتحام ورص الصفوف والتمسك بحبل الله المتين، ليتم تحرير العراق على أيديهم بعيداً عن أي تطاول على الشعب المظلوم أو الأرض الطاهرة أو الخيرات والثروات.
كما أدعو كافة المؤمنين إلى تقديم المساعدات بشتى أنواعها إلى العراقيين الشرفاء والأباة في هذه الظروف القاسية التي يمرون بها صابرين صامدين والله هو الكافي والمعين.
1 محرم الحرام عام 1424 للهجرة

صادق الشيرازي


(1) بحار الأنوار: ج36 ص205.
(2) الاستيعاب: ج4 ص1679.
(3) مروج الذهب: ج3 ص454.
(4) تاريخ الطبري: ج8 ص188.
(5) سورة المؤمنون: الآية 96.
(6) بحار الأنوار: ج98 ص310.
(7) سورة النصر: الآية 2.
(8) الكافي: ج1 ص406.
(9) الكافي: ج7 ص768.
(10) الكافي: ج1 ص406.
(11) سورة التوبة: الآية 60.
(12) بحار الأنوار: ج21 ص142.
(13) وسائل الشيعة: ج8 ص46، وجواهر الكلام: ج13 ص143.3
(14) تهذيب الأحكام: ج6 ص293.
(15) بحار الأنوار: ج44 ص329.
(16) سورة الأنبياء: الآية 92.
(17) سورة الحجرات: الآية 10.
(18) سورة الشورى الآية 38.
(19) سورة الأعراف الآية 157.
(20) سورة العلق: الآية 6ـ7.