قال الله تعالى في القرآن الحكيم: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ
الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»(1).
وفي تفسير هذه الآية الكريمة روى المحدث الجليل الفضل بن شاذان رضوان الله عليه عن
الإمام الرضا سلام الله عليه أنه قال (شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه
القرآن وفيه فرق بين الحق والباطل، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها
يفرق كل أمر حكيم، وهو رأس السنة يقدر فيها ما يكون في السنة من خير أو شر، أو مضرة
أو منفعة، أو رزق أو أجل).
هذا الشهر الفضيل خصه الله عزّ وجل بهذه الخصائص العظيمة دون سائر الشهور فهو فرصة
مهيئة من أجل الاهتداء والهداية.
وفي هذا المقام ينبغي التوجه إلى النقاط التالية:
1. محاسبة النفس كل يوم ـ ولو لدقائق ـ يستعرض الشخص فيها ما قال وعمل، وما سكت عنه
وترك، خلال يومه وليلته، ففي الأحاديث الشريفة أنه تعرض الأعمال على الله سبحانه
وعلى رسول الله صلّى الله عيله وآله وعلى الإمام المعصوم سلام الله عليه كل يوم
وليلة وفي الحديث الصحيح عن الإمام الكاظم: «ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فإن
عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه»(2)، ومما ينفع في
مجال تحسين الأعمال والابتعاد عن السيئات، القراءة بتأمل لدعاء الإمام السجاد سلام
الله عليه الذي كان يدعو به في السحر من ليالي شهر رمضان، وهو مما رواه المحدث
الثقة أبو حمزة الثمالي عليه الرحمة، وإن لم يوفق الشخص لقرائة كل الدعاء، فليقرأ
جزءاً منه كل ليلة بتفهم وخشوع، فإنه من أبواب إصلاح النفس التي هي أعدى الأعداء.
2. التركيز على توعية الشباب ـ بنين وبنات ـ في بُعد العقيدة الإسلامية (التوحيد
والعدل والنبوة والإمامة والمعاد) ودفع شبهاتهم وإزالة شكوكهم (بالحكمة والموعظة
الحسنة)(3) والرفق واللين، فإن العقيدة الصحيحة أساس لكل خير ونعمة.
3. التوجه والتوجيه للتخلق بأخلاق الإسلام من الصدق والصبر، والحلم، والوفاء،
والاستقامة، والبِشر وغيرها، فإنه خير وسيلة لجوامع الخير والسعادة في الدنيا
والآخرة، وبهذه الأخلاق الرفيعة جذب رسول الله صلّى الله عيله وآله كثيراً من
الناس، قال تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ
فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ»(4).
4. «الله الله في القرآن فلا يسبقكم إلى العمل به أحد غيركم» كما قال مولانا أمير
المؤمنين صلوات الله عليه، فالقرآن الحكيم الذي كان قائد المسلمين للعزة والكرامة
والسيادة، سيكون هو القائد ـ اليوم ـ للعزة والكرامة والسيادة المسلوبة عن
المسلمين، وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلّى الله عيله وآله: «فعليكم بالقرآن،
فإنّه شافع مشفّع، وما حل مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه
ساقه إلى النار»(5) وبالأخص الآيات الكريمة المنسية من أحكامه والتي كان السيد الأخ
أعلى الله درجاته يؤكد عليها كثيراً.
كالأمة الواحدة حيث قال سبحانه: «وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً»(6). والأخوة الإسلامية حيث قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
إِخْوَةٌ»(7).
والاستشارية في مجال التطبيق والعمل حيث قال عز من قائل: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى
بَيْنَهُمْ»(8).
والحرية في إطارها الشرعي المعقول حيث قال جل جلاله «وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ»(9) وهكذا غيرها.
5. في الحديث الشريف عن الإمام أبي محمد العسكري سلام الله عليهما: «فرض الله تعالى
الصوم ليجد الغني مس الجوع ليحنو على الفقير»(10) وحيث أن هذا الشهر المبارك يلطّف
المشاعر والأحاسيس، بما جعل فيه من البرامج ـ وخاصة الصيام ـ التي تجعل الإنسان
يشعر بآلام الفقر ويعيش ـ ولو بنسبة ـ مآسي المحرومين، ينبغي للمؤمنين الكرام
الاهتمام أكثر من ذي قبل بالفقراء والمحرومين في كل بلاد العالم، وخاصة في بلدهم،
فقد استشرى الحرمان والفقر في كثير من البلاد من جراء المناهج الوضعية الناقصة،
والابتعاد عن أحكام الله تعالى الكاملة والمستوعبة، ويكون ذلك خطوة في سبيل تقليص
هذه المعاناة المؤلمة. وما أجمل بالمؤمنين أن يجعلوا نسبة مئوية مما يتفضل الله
تعالى به عليهم، للفقراء والمساكين، فقد قال أمير المؤمنين سلام الله عليه: «الله
الله في الفقراء والمساكين فشاركوهم في معيشتكم»(11).
والله هو المسؤول أن يعين الجميع على ذلك كله وهو المستعان.
1 شهر رمضان المبارك 1423 للهجرة
صادق الشيرازي