بمناسبة حلول ذكرى عاشوراء عام 1423 للهجرة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على رسوله الأمين محمد المصطفى وآله الطاهرين

وبعد، فقد شاء الله عزّ وجل أن يجعل من استشهاد الإمام الحسين سلام الله عليه عَبرة ودمعة، وعِبرة وأسوة، لا للأجيال التي تلته فحسب بل حتى للأنبياء والرسل على نبينا وآله وعليهم الصلاة والسلام الذين تلاهم الإمام الحسين سلام الله عليه.
أما العَبرة والدمعة فقد بدأ بها خالق الخلق مع خلق آدم سلام الله عليهم إذ ذكر له جبرائيل سلام الله عليهم الخمسة الأطهار محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليه فقال له آدم: «ما بالي... وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي»(1)، وواصله الله تعالى مع الأنبياء في قصص مرورهم بأرض كربلاء المقدسة ومعاناتهم فيها واستمر ذلك على امتداد العصور حتى قال الحسين سلام الله عليه: «أنا قتيل العَبرة لا يذكرني مؤمن إلا استعبر»(2) وأما العِبرة والأسوة فقد أشار إليها الإمام الصادق سلام الله عليه في زيارته لجده الحسين سلام الله عليه يوم الأربعين وهو يخاطب الله تعالى مشيراً إلى الحسين سلام الله عليه: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».
فالعباد: لا خصوص فئة، أو أمة، أو جيل.
والاستنقاذ: وهو إشارة إلى ما منيت به الشعوب ـ ولا تزال ـ من الارتطام في شتى ألوان المآسي والكوارث التي أساسها الجهل والضلالة.
والحيرة: التي عمت معظم الناس في مسيرهم ومصيرهم.
هذه هي البنود التي تشكل جانباً من أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه في أقواله وأعماله من خلال تاريخ عاشوراء.
وما أجدر بالمؤمنين في كل مكان أن يقوم كل واحد منهم ـ على شتى الأصعدة ـ بما يمكنه من التعبئة العالمية في مجال العَبرة والدمعة، بإقامة المجالس الحسينية والشعائر الحسينية التي هي الامتداد الظاهر لشعائر الله عزّ وجل، وقد وصفها القرآن الحكيم بأنها «مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»(3).
وهي التي جعلت من الجزع المذموم شرعاً في عامة المصائب، ممدوحاً ومأموراً به ومأجوراً عليه إذا كان من أجل عاشوراء، وفي سبيل سيد الشهداء سلام الله عليه.
وهي العَبرة والدمعة التي تواترت وتكاثرت من أهل بيت العصمة والرسالة سلام الله عليهم حتى أقرحت جفونهم وقال عنها الإمام الرضا سلام الله عليه فيما روى عنه للريان بن شبيب: «إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا»(4).
وهي التي أدمت تلك العيون الطاهرة من ولي الله الأعظم صاحب الزمان المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف حتى روى عنه في زيارة الناحية: «ولأبكين عليك بدل الدموع دماً»(5).
وفي مجال العِبرة والأسوة، التي أعلن عنها الإمام الحسين سلام الله عليه مرات عديدة منذ خروجه من مدينة جده الرسول صلّى الله عيله وآله وفي مكة المكرمة، وعلى امتداد الطريق إلى كربلاء المقدسة، وفي كربلاء، وليلة عاشوراء، ويوم عاشوراء، عبر خطبه ورسائله وكلماته، وعبر تعامله في هذه المسيرة الظافرة وتلك العِبرة القيام بالعمل الجاد من أجل انقشاع الجهل والضلالة عن عامة البشر.
ولا يتحقق ذلك إلا بتضافر الجهود والاخلاص لله سبحانه، والتضحية بنسبة عالية في سبيل توعية عباد الله تعالى، ومد نور أهل البيت سلام الله عليهم إلى كل صقع ومكان ومدينة وقرية، وبيت وصريفة، ورجل وامرأة، وفتى وفتاة.
وتطبيق نهج الإمام الحسين سلام الله عليه في الاستفادة من عاشوراء لانقاذ عباد الله تعالى من المظالم المعاصرة، والقتل والسفك، والتشرذم والتعذيب، والاستهانة بالكرامات التي يتعرض لها اليوم كثير من الناس، والمسلمون خاصة في مختلف أقطار الأرض.
ولتعميم أصول الإسلام وفروعه ـ عبر جميع وسائل الإعلام والتبليغ ـ في شتى مجالات الحياة.
والله المسؤول أن يوفق الجميع لهذه العِبرة والأسوة، ولتلك العَبرة والدمعة، وهو المستعان.
29 ذي الحجة الحرام 1422 للهجرة

صادق الشيرازي


(1) كمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: ص461 باب43 من شاهد القائم عجّل الله تعالى فرجه الشريف ورآه وكلّمه.
(2) كامل الزيارات للقمي: ص215 باب36 في أنّ الحسين سلام الله عليه قتيل العبرة... ح3.
(3) سورة الحج: الآية 32.
(4) الأمالي للصدوق: ص190 المجلس السابع والعشرون ح2.
(5) المزار للمشهداني: ص501 القسم الرابع الباب16 زيارة أخرى في يوم عاشوراء رقم9.