أربعين الإمام الحسين سلام الله عليه يمثل واحدة من خصائصه العديدة؛ فلم يصلنا
من الأحاديث الشريفة الحثّ على زيارة أحد من الأنبياء والأوصياء والأولياء في
أربعينه كما ورد من الحث على زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه في الأربعين.
وما أكثر خصائصه من قبل أن يخلق الله تعالى الخلق، وحين ولادته، وخلال حياته
الكريمة، وعند استشهاده، وحتى اليوم.
وفي هذه المناسبة الكبرى التي يفد فيها الملايين من المؤمنين والمؤمنات من كافة
شرائح الأمة ـ من علماء، وخطباء، وأساتذة وجامعيين، وموظفين، وكسبة، وغيرهم،
جماعاتٍ ووحداناً، من داخل العراق وخارجه ـ أُذكّر بالنقاط التالية:
النقطة الأولى: الالتفات إلى مقام زائر الإمام الحسين سلام الله عليه فقد وردت
أحاديث شريفة عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم في هذا المجال منها:
1. حديث الإمام الصادق سلام الله عليه فيمن جاء إلى زيارته سلام الله عليه مشياً
على الأقدام «... حتى إذا أراد الإنصراف أتاه ملك فقال: إن رسول الله صلى الله عليه
وآله يقرئك السلام ويقول لك: إستأنف العمل»(1).
2. حديث شريف آخر: «إن فاطمة بنت محمد صلى الله عليهما وآلهما تحضر لزوار قبر ابنها
الحسين سلام الله عليه فتستغفر لهم ذنوبهم»(2).
3. حديث شريف ثالث عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «من خرج من منزله يريد زيارة
الحسين بن علي صلوات الله عليهما، إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة، وَحَطّ
بها عنه سيئة»(3).
النقطة الثانية: الإستفادة من هذه المناسبة العظيمة، فعلى كل زائر وزائرة أن يستلهم
من حياة الإمام الحسين سلام الله عليه المزيد مما كان عليه الإمام سيرة وعطاءً،
وأخصّ بالذكر البنود التالية:
الأول ـ الإخلاص: فقد كان الإمام الحسين سلام الله عليه قمّة في الإخلاص. أليس هو
من سادات المؤمنين الذين قال الله عز من قائل فيهم: «إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ...»(4).
فعلى أنصار الحسين سلام الله عليه أن يستبطنوا الإخلاص لتظهر آثاره على أعمالهم.
الثاني ـ الإجتهاد والنشاط: وكان الإمام الحسين سلام الله عليه كتلة من الإجتهاد
والنشاط في سبيل الله عزّ وجل، وليس في تاريخه المضيئ شيء من التواني والسكون
والدعة.
فعلى أتباع الإمام الحسين سلام الله عليه أن يجلّلوا كلَّ أبعاد حياتهم بالنشاط
والجدّ والإجتهاد، ليكونوا في الطليعة من «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ»(5).
الثالث ـ الأخلاق الفاضلة: فقد كان الإمام الحسين سلام الله عليه كجده الأمين،
وأبيه أمير المؤمنين، وأمّه سيدة نساء العالمين، وأخيه السبط الأكبر، وأولاده
الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين مثلاً أعلى في الأخلاق الفاضلة مع
الكبير والصغير، والصديق والعدوّ، والمؤمن والمنافق.
فعلى السائرين على خطاه سلام الله عليه أن يتحلّوا بالأخلاق النبيلة، من التعايش
بالمداراة والسلم، والتعاون، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة
الحسنة، وجمع الكلمة، والصدق والأمانة والحلم والإيثار والمواساة والوفاء وغيرها.
كما أن «المواكب الحسينية الموقَّرة» الذين يتحملون أنواعاً من المتاعب من أجل
إقامة العزاء في مدينة الإمام الحسين سلام الله عليه يوم الأربعين.
هذه المواكب، التي هي امتداد للموكب الأوّل الذي ضم الإمام زين العابدين والسيدة
العقيلة زينب الكبرى
والسيدة الجليلة أم كلثوم وسائر أسرة الإمام الحسين سلام الله عليهم، والذي وافى
يوم الأربعين على قبر أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه...
هذه المواكب الكرام: ينبغي لهم أن يكونوا ـ أكثر من ذي قبل ـ قمة في الآداب
والأخلاق الإسلامية، ومراعاة قيم أهل البيت سلام الله عليهم التي هي قيم الإسلام،
والالتزام بأحكام أهل البيت سلام الله عليهم التي هي أحكام الإسلام، وخاصة النظم،
ومواظبة الأحكام الشرعية ومواقيت الصلوات والابتعاد عن النزاع والفرقة، وغير ذلك.
النقطة الثالثة: المجالس الحسينية، فقد عقد أهل البيت سلام الله عليهم عند ضريح
الإمام الحسين سلام الله عليه يوم الأربعين مجالس حسينية.
قال السيد ابن طاووس قدس سره: «ولما رجع نساء الحسين سلام الله عليه وعياله من
الشام وبلغوا العراق، قالوا للدليل مرّ بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع
المصرع... وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، فأقاموا
على ذلك أيّاماً»(6).
فينبغي للمؤمنين في أطراف العالم في كل مدينة وقرية وريف، اتخاذ أربعين الإمام
الحسين سلام الله عليه موسماً لعقد المجالس الحسينية بتذكر مصائبه الجسام، ومصائب
أهل بيته وأنصاره، ومواصلة أهدافه المثلى ـ على ما ورد عن المعصومين سلام الله
عليهم في زياراته الشريفة ـ: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الضلالة، والجهالة،
والعمى، والشك، والإرتياب، إلى باب الهدى والرشاد»(7).
النقطة الرابعة: العراق بلد علي والحسين سلام الله عليه مقبل على مستقبل مشرق لهذا
الشعب المظلوم والمجاهد الصابر، الذي أذن الله الكريم له ـ بعد طول المحنة ـ بالخير
والراحة (إن شاء الله تعالى).
فينبغي التعبئة الشاملة من الجميع لأجل بناء عراق المستقبل وملئ الفراغات الكبيرة
والواسعة التي تركها الظالمون والتي لا زالت هذه الأمة المظلومة تعاني منها.
وفي طليعة الأمور التي ينبغي الاهتمام بها ما يلي:
الأول: الدستور، يجب أن يكون الدستور العراقي مصدره الوحيد (الإسلام) فإن الأكثرية
من الشعب العراقي الأبي ـ والتي تربو على التسعين بالمائة ـ هم مسلمون.
الثاني: الأمن، فيلزم على جميع قطاعات الشعب العراقي الكريم التكاتف في سبيل
استتباب الأمن ـ الكامل والشامل ـ الذي هو من أهمّ المقدّمات لبناء العراق على شتى
الأصعدة بالشكل المطلوب.
الثالث: الحوزات العلمية والجامعات الأكاديمية، التي تشكل القاعدة المهمّة لثقافة
الأمّة، فمن المؤكّد بذل الجهود المناسبة لتدارك النواقص التي مُنِيَتا بها في
العقود السوداء الماضية، واعطاء الفرص الكافية، لتكون (الحوزة والجامعة) ـ كلتاهما
ـ مواكبتين لحاجات عراق الغد، مستعدّتين لإستيعاب العالم الذي سيتّخذ من بلد أمير
المؤمنين والإمام الحسين والأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام نبراساً للإيمان
والعلم والفضيلة.
والله المسؤول ـ ببركة سيدنا ومولانا بقية الله الأعظم الإمام صاحب الأمر الحجة بن
الحسن المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ أن يمنح هذا الشعب الكريم توفيق
الإتحاد، ويجمع شملهم على الصلاح والتقوى، ويعينهم في بناء العراق من جديد ـ بالعلم
والخير والرفاه ـ كما بناه قبل أربعة عشر قرناً الإمام أمير المؤمنين سلام الله
عليه، على ذلك، إنّه وليّ هذا كلّه وهو المستعان.
12 صفر الخير 1426 للهجرة
صادق الشيرازي