بمناسبة الوفادة العالميّة إلى زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه
في النصف من شعبان المعظم عام 1424 للهجرة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على اشرف الخلق أجمعين محمد المصطفى وعترته الطاهرين ولعنة الله على اعدائهم إلى يوم الدين.

قال الله تعالى في القرآن الحكيم: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»(1).
ان اقتران ميلاد سيدنا ومولانا بقية الله في الارض الإمام المهدي المنتظر الحجة بن الحسن العسكري عجّل الله تعالى فرجه الشريف مع النصف من شهر شعبان المعظم، الذي جعل الله تعالى في ليلته تقسيم الارزاق وتثبيت الآجال لعباده(2)، ثم تأكيد الأئمة الأطهار على زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه ـ في هذه المناسبة العظيمة ـ بهذا التعبير: «من أحب ان يصافحه مأة ألف واربعة وعشرون ألف نبي فليزر قبر الحسين سلام الله عليه في النصف من شعبان فان ارواح النبيين تستأذن الله في زيارته فيؤذن لهم»(3).
هذا الاقتران بين هذه الامور الثلاثة ليس صدفة، فليس في امور الله تعالى صدفة بل هي مترابطة متينة واقعية. فاكرام الله تعالى النصف من شعبان قبل ولادة الإمام الحسين سلام الله عليه وقبل ولادة صاحب الامر عجّل الله تعالى فرجه الشريف ثم استيذان جميع الانبياء، بما فيهم اولوالعزم من الرسل، وخاصة سيدهم وخاتمهم، الرسول الاعظم صلّى الله عيله وآله من الرّب الجليل في زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه كل عام ثم ميلاد صاحب الامر عجّل الله تعالى فرجه الشريف في هذه المناسبة، هذه الأمور بينها اوثق الارتباط التكويني، اظهر الله تعالى جانباً من ذلك الارتباط بجمع هذه الثلاثة في ظرف زمني واحد والذي يمكن أخذ الجامع المشترك بينها وهو (تقرير المصير) فليلة نصف شعبان المعظم، ليلة تقرير آجال العباد وارزاقهم، ونهضة الإمام الحسين سلام الله عليه قررت مصير الامة الاسلامية حين انقذتها من السقوط في مهاوي الضلال والتحريف والتمزيق ـ التي سقطت فيها الامة اليهودية، والامة المسيحية، وغيرهما من قبل ـ فنهضته المباركة فتحت للامة طريق مواصلة المسيرة في نفس الخط الذي اختطّه رسول الله صلّى الله عيله وآله وكافح من أجله مولى الموحدين أميرالمؤمنين وضحّت في سبيله الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها.
والامام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف هو الذي سيقرر باذن الله تعالى مصير البشرية ككل، ويجعل نور الله تعالى ـ الذي انتشر عبر البعثة النبوية ـ يعم بقاع الارض كلها، اذ يرث الارض كما قال تعالى: «أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»(4).
أما في هذا العام وبالذات بعد أن منّ الله تعالى على الامة الاسلامية جمعاء والشعب العراقي الجريح بالخصوص بهذه النعمة الكبيرة بزوال (طاغية العصر) وحرية التشرف بزيارة العتبات العاليات وخاصة زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه في هذه المناسبة ـ والتي في مثلها قدّم الشعب الأبي الالوف والالوف من الضحايا في طريق زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه ـ يجدر:
اولاً: ان نؤبن ضحايا الانتفاضة الشعبانية المظلومين الذين سجّلوا بدمائهم نصرتهم لسيد الشهداء سلام الله عليه، وخلّدوا للتاريخ وللعراق خاصة مُثل البطولة والتضحية والفداء.
وثانياً: أن نعزي ذويهم وأهاليهم المفجوعين، بل وعامة ابناء هذه الامة العظيمة، الذين حفظ التاريخ لهم العزة والشموخ باولئك الكرام ـ فيما حفظ لهم في هذا المقام.
وثالثاً: ان نذكر للشعب العراقي المجاهد النقاط التالية:
1. نعمة الحرية نعمة الهيّة عظمى، ينبغي اغتنامها على أحسن وجه، ولنا بذلك في رسول الله صلّى الله عيله وآله اسوة حسنة، فإن رسول الله صلّى الله عيله وآله (بعد البعثة) عاش في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة تقريباً، وفي المدينة المنورة قرابة عشر سنوات، وكانت حصيلة ايام مكة حدود مأتي مسلم، وفي ايام المدينة مآت الالوف حتى قال الله سبحانه عن ذلك «وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا»(5).
وهذا كان بسبب اغتنامه صلّى الله عيله وآله مناخ الحرية الذي توفر في المدينة ولم يتوفر مثله في مكة، وإلا فالوحى، وجبرئيل، والقران الحيكم، والاسناد الرباني في مكة هي هي في المدينة، والرسول صلّى الله عيله وآله في مكة هو هو في المدينة.
فعلى هذا الشعب الكريم ان يجند كل الطاقات في الإستنان بسنة الرسول صلّى الله عيله وآله للاستفادة من هذه الحرية النسبية المتوفرة فعلاً في سبيل التبليغ والارشاد والهداية إلى الله تعالى والى أهل البيت سلام الله عليهم، وارساء دعائم الايمان والحرية والتعددية والاستشارية واللاعنف وما إلى ذلك، فهذه فرصة مؤتاة، وقد قال سيدنا اميرالمؤمنين سلام الله عليه: «من الخرق... الاناة بعد الفرصة».
2. ما لقيه الشعب العراقي الصامد خلال العقود الحالكة، كان لإيمانه وإسلامه وتمسكه بأهل البيت سلام الله عليهم، فيلزم بكل تأكيد الاحتفاظ بذلك في صنع مستقبل العراق من خلال الدستور الذي سوف يطبق على الجميع عقوداً من الزمن، لتكون فترة مضيئة في تاريخ العراق الطويل باذن الله تعالى، وقد قال عزّ من قائل في القرآن الحكيم: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ»(6). فيجب أن تكون صياغة الدستور العراقي ـ بجميع مواده وبنوده ـ على الاسس الاسلامية والموازين الشرعية المستقاة من القران الحكيم، والسنة الشريفة لرسول الله والائمة الاطهار سلام الله عليهم.
3. صلاح مستقبل العراق رهين ما كان فيه صلاح ماضيه، فأهل العراق اليوم هم صانعوا عراق الغد، ويتم ذلك بان يتصدى الجميع (من عالم ومثقف، مدرس واستاذ، شيخ وشاب، طالب وكاسب، موظف وعامل، رجل وامرأة وغيرهم) للملمة الامور وسدّ الثغرات وتفعيل الطاقات وتعبئة الكفاءات والنهوض بكافة شرائح المجتمع وذلك عبر تشكيل اللجان والهيئات والمؤسسات العامة والاهلية ـ الصغيرة والكبيرة ـ في كل مدينة وقرية وريف، وعشيرة، وعائلة، للقيام بملئ الفراغ من جميع الجهات، وقضاء الحاجات وبذلك يصبح عراق الغد عراق الخير والرفاه والنعم.
4. أما زيارة النصف من شهر شعبان المعظم، وكربلاء المقدسة فان الملايين من الزوار يتجهمون من أطراف العراق الحبيب، واكناف قارّات العالم كلها إلى مدينة كربلاء المقدسة لزيارة سيد الشهداء الإمام الحسين وزيارة أخيه أبي الفضل العباس سلام الله عليهما والصفوة الطاهرة من سلالة أهل البيت سلام الله عليهم ومن الانصار الاوفياء الذين استشهدوا مع ابى عبد الله الحسين سلام الله عليه والحظوة ـ ببركة هذه الزيارة ـ لمصافحة ارواح مأة واربعة وعشرين ألف رسول ونبى سلام الله عليهم وهؤلاء كلهم ضيوف الإمام الحسين سلام الله عليه، وضيوف أهالى كربلاء الكرام.
وهؤلاء الزوار سوف ـ وبعد الزيارة ـ يعودون إلى أهاليهم وبلادهم بأمرين: ثواب الزيارة ومقام الزائر الذَين جعلهما الله تعالى لهم ببركة الزيارة ان شاء الله تعالى، وتربة الحسين سلام الله عليه ـ التي جعلها الله تعالى اشرف بقاء الارض، وافضل ارض في الجنة(7)، لسجود الصلاة التي توجب خرق الحجب السبعة وصعود الصلاة إلى الله تعالى، وللذكر بالسبحة من هذه التربة التي تضاعف الاجر بالعشرات، هذان تكريمان من الله تعالى لزائري الإمام الحسين سلام الله عليه في هذه المناسبة الجليلة.
أما ما يرتبط بأهل كربلاء الكرام جميعاً بعامة طبقاتهم فهو ان يعكسوا للزوار الكرام (ضمن ممارساتهم تقديم الخدمات المناسبة لمقامهم المترقب منهم) اخلاق الإمام الحسين سلام الله عليه الرفيعة ومنهجه العظيم وسيرته الوضائة، حتى اذا رجع الزوار ـ بسلامة وعافية ـ إلى أهاليهم يكونوا قد حملوا معهم نكات الفضيلة والخُلُق السامي الرفيع عن ابناء الإمام الحسين واولاد ابى الفضل العباس سلام الله عليهما فيكون ذلك مصداقاً واضحاً لأمر الإمام الصادق سلام الله عليه حيث قال «كونوا دعاة الناس بأعمالكم»(8).
وانني اذا أبتهل إلى الله تعالى أن يجعل أعمالنا جميعاً مرضية عند المقام الشامخ لمولانا صاحب الامر عجّل الله تعالى فرجه الشريف أدعوه سبحانه، واستشفع باوليائه العظام وبالامام الحسين وابي الفضل العباس سلام الله عليهما لجميع المؤمنين في العراق ان يكتب لهم جوامع الخير في الدنيا والآخرة انه ولي ذلك وهو المستعان.
شعبان المعظم 1424 للهجرة

صادق الشيرازي


(1) سورة الانبياء: آية 105.
(2) البحار: ج95 ص413.
(3) الوسائل الحج ابواب المزار: الباب51 ح1.
(4) سورة الأنبياء: الآية 105.
(5) سورة النصر: الآية 2.
(6) سوره يوسف: الآية 67.
(7) كامل الزيارات: ص451 ح677.
(8) البحار: ج5 ص198.