الإمام الحسين أقام الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الكريم:
(شرع لكم  من الدين ما  وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك و ما وصّينا به إبراهيم و موسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه) (1).
إنّ الله تعالى يخبر المسلمين في هذه الآية الكريمة أنّ ما شرعه لهم من الدين هو ما وصّى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. فما هو الشيء الذي وصّى به الله نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً سلام الله عليهم أجمعين؟
يظهر جوابه من قوله تعالى: (أن أقيموا الدين). حسب اللغة فإنّ قوله: (أن أقيموا الدين) بدل من قوله: (وما وصّينا)، يعني أنّ ما أوصى به الله سبحانه أنبياءه ـ ومن جملتهم نبيّنا سيّد الأنبياء والمرسلين ـ هو إقامة الدين؛ أي جعله قائماً.
فكما أنّ الإنسان القائم يتحرّك ويمارس حياته بشكل طبيعي خلافاً للمريض الذي لا يستطيع القيام والنهوض، فكذلك الدين إذا كان مبعداً عن الحياة لم يكن قائماً، والله تعالى وصّى أنبياءه أن يقيموا الدين.

   
الإمام الحسين وإقامة الدين

إن الإمام الحسين سلام الله عليه أقام دين جدّه صلى الله عليه وآله، ولولاه لما قامت للدين الإسلامي قائمة. وهذا ما سنبيّنه خلال كلامنا؛ عسى أن نكون قد وفّينا بعض ما علينا تجاهه ولو بمقدار ما تحمله رأس الأبرة من بلل البحر! ذلك أنّ الحديث عن الحسين سلام الله عليه حديث عن الإسلام والقرآن وعن الرسالة والحقّ وعن كلّ فضيلة.
لقد ذكر القرآن الكريم قصّة إسراء نبيّه صلى الله عليه وآله وعروجه إلى السماء في عدّة موارد؛ منها قوله تعالى: (ثمّ دنا فتدلّى ٭ فكان قاب قوسين أو أدنى)(2). جاء عن ابن عباس:
فلما بلغ (صلّى الله عليه وآله) إلى سدرة المنتهى فانتهى إلى الحجب قال جبرئيل: تقدَّم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان، ولو دنوت أنملة لاحترقت(3).
وجاء في رواية أخرى أنّه صلى الله عليه وآله قال:
فلمّا انتهيتُ إلى حجب النور قال لي جبرئيل: تقدّم يا محمد! وتخلّفَ عنـي، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقنـي؟! فقال: يا محمد إنّ انتهاء حدّي الذي وضعنـي الله عزّوجلّ فيه إلى هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتـي بتعدّي حدود ربي جلّ جلاله. فزجَّ بي في النور زجّة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علوّ ملكه(4).
وهنا عندما بلغ الله تعالى بحبيبه هذه المرتبة جعل يريه آياته الكبرى، وتحقّق قوله سبحانه: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)(5) وكان مما رآه صلى الله عليه وآله من الآيات الكبرى مكانة حفيده الإمام الحسين وعظمته في السماوات. عن الإمام الحسين عليه السلام قال:
أتيت جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله، فرأيت أُبَيّ بن كعب جالساً عنده، فقال جدّي: مرحباً بك يا زين السماوات والأرض فقال أُبيّ: يا رسول الله وهل أحد سواك زين السماوات والأرض؟ فقال النبـيّ صلّى الله عليه وآله: يا أُبَيّ بن كعب! والذى بعثنـي بالحقّ نبيّاً، إنّ الحسين بن علي في السماوات أعظم مما هو في الأرض، واسمه مكتوب عن يمين العرش: إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة(6).
ومن هنا ينبغي لزائر الإمام الحسين سلام الله عليه أن يعرف أنّه بين يدي مَن، ويكلّم مَن، ولو كنّا كذلك ونحن في حرم الإمام وبين يديه عندما نزوره لما شغلنا شيء آخر أبداً. يقول الإمام الصادق سلام الله عليه:
«مَن أتى الحسين عليه السلام عارفاً بحقّه كتبه الله في أعلى علّيين»(7).
إنّ الله سبحانه وتعالى دعا أشرف أنبيائه ورسله صلى الله عليه وآله ومن خاطبه في القدسيّ بقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك(8)، دعاه لأعظم وليمة يغذّيه منها بالتعاليم القدسيّة وليريه من آياته الكبرى، والتي منها: إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة. فهذا هو الحسين سلام الله عليه؛ فهل عرفناه حقّ معرفته؟
أنّى لطاقاتنا الفكرية المحدودة أن تدرك عظمة الإمام والله سبحانه يعبّر عنه بآيته الكبرى، وأنّه مصباح الهدى وسفينة النجاة، بعد أن رآه رسول الله صلى الله عليه وآله مكتوباً على ساق العرش قبل أن يولد الإمام الحسين سلام الله عليه.
وهنا نسأل: لماذا يري الله أشرف أنبيائه هذه الكلمة عن سبطه ويعدّه آية كبرى؟ وما هو السرّ وراء ذلك؟
الجواب: هو أنّ الحسين سلام الله عليه قد بذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق الآية التي صدّرنا بها الكلام وما وصّى الله به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين، وهو (أن أقيموا الدين). إنّ الحسين سلام الله عليه أقام الدين وحفِظ الشريعة. فلولا الحسين لما كانت الصلاة اليوم ولا الصيام، ولا حجَّ البيت أحدٌ؛ لأنّ بنـي أميّة كانوا على وشك القضاء على الدين، ولكنّ الحسين سلام الله عليه حفظه وأقامه ببذل دمه الطاهر ودماء أهل بيته الكرام.


محاولات بني أمية للقضاء على الدين

كان لمعاوية بن أبي سفيان صديق ونديم اسمه المغيرة بن شعبة، وكان يشبه معاوية ـ فإنّ الطيور على أشكالها تقع ـ .
يقول المطرف بن المغيرة بن شعبة:
دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدّث معه، ثمّ ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً، فانتظرته ساعة، وظننت أنّه لأمر حدث فينا، فقلت: ما لي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟ فقال: يا بنيّ، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوتُ به: إنّك قد بلغت سنّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه. فقال:
هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عدي، واجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلاّ أن يقول قائل: عمر، وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات: (أشهد أنّ محمداً رسول الله) فأيّ عمل يبقى، وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلاّ دفناً دفناً(9).
أرأيت كيف كان يفكّر معاوية؟ أمّا ولده يزيد فقد أظهر ما كان يضمره بعد قتله سبط رسول الله صلى الله عليه وآله عندما قال تلك المقالات(10).
نموذج ثالث من خلفاء بني أميّة هو «الوليد بن يزيد».
ذكر ابن الأثير أنّه: اتّخذ له ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاّه الحج... فحمل معه كلاباً في صناديق، وعمل قبّة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة وحمل معه الخمور وأراد أن ينصب القبّة على الكعبة ويشرب فيها الخمور(11).
ومن أخباره أنّه واقع جاريته وهو سكران وجاءه المؤذّنون يؤذنونه بالصلاة، فحلف لا يصلّي بالناس إلاّ هي، فلبست ثيابه وتنكّرت وصلّت بالمسلمين وهي جنب سكرى(12).
بعد هذا النزر القليل من ذلك الجمّ الكثير من مثالب بني أمية، يُعلم كيف أنّ الإمام الحسين أنقذ دين جدّه صلى الله عليه وآله؟ وكيف أنّه حقّق وصيّة الله لأولي العزم من أنبيائه بإقامة الدين؟
أليس للإمام الحسين سلام الله عليه حقّ على كلّ صلاة تقام على وجه الأرض؟ أليس لدمه حقّ على الكعبة والبيت الحرام؟ فلولا جهاد الحسين سلام الله عليه ونهضته ودمه لما كانت صلاة ولا حجّ ولا صيام وما كانت تؤدَّى الزكاة ولا الخمس ولا سائر أحكام الإسلام.
وما نقلناه كان قليلاً من كثير، فاقرأوا التاريخ بأنفسكم لتعلموا ما أراد الأمويّون فعله بالإسلام، وما هو دور أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه؟ ولهذا كان مكتوباً على ساق العرش:
إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.


حسين منّي وأنا من حسين

وهكذا أيضاً يُفسّر معنى الحديث النبويّ الشريف:
حسين منّي وأنا من حسين(13).
أمّا أنّ الحسين من النبيّ فهذا واضح ولكن كيف يمكن أن يكون الجدّ من الحفيد أو السبط؟ لاشكّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله يقصد بذلك استمرار رسالته. وهذا الكلام يحاكي ذاك التعبير المكتوب على ساق عرش الله تعالى لأنّ بقاء اسم النبي صلى الله عليه وآله مرفوعاً على المآذن (أشهد أنّ محمداً رسول الله) إنما استدام بتضحيات الإمام الحسين سلام الله عليه. ولولا الإمام الحسين لمحا معاوية ويزيد وآل مروان من بعدهما هذا الذكرَ، ولعادت الجاهلية من جديد، فهكذا كان تخطيط معاوية، وهكذا كان أمر الله في إنقاذ دينه بدم الحسين، ولولا شهادة الحسين سلام الله عليه وأهل بيته لما بقي للإسلام من أثر.
إذن كلّ مسجد تدخله اليوم فهو مدين للحسين، وكلّ صلاة وصيام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وبرّ بالوالدين، وإخلاص لله، بل واسم رسول الله عندما يُرفع في الأذان، كلّه قام بتضحيات الإمام الحسين سلام الله عليه، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وآله:
وأنا من حسين.
ولولا الحسين لكان اسم الرسول صلى الله عليه وآله ـ وكما تمنّى معاوية ـ حاله حال اسم أبي بكر وعمر، لا يزاد أن يُقال: كان محمد. أمّا رفعه في الأذان مقروناً بالرسالة كلّ يوم مرّات، وامتداده في استمرار تعاليمه في الصلاة والصوم والمساجد والحجّ والدين كلّه فكلّ ذلك رهين دم الحسين.
وهذا معنى مخاطبتنا له سلام الله عليه في الزيارة:
أشهدُ أنّك قد بلّغت عن الله ما أمرت به، ووفيت بعهد الله، وتمت بك كلماته، وجاهدت في سبيله حتى أتاك اليقين(14).
ينقل الشيخ محمد شريعت رحمه الله ـ أحد علمائنا الذين عاصرتهم، أصله من كراجي، وكان يسكن في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة ـ أنّه كانت تربطه صداقة بقسّ مسيحي فقال له يوماً: أنتم الشيعة عندكم الحسين ولكنّكم لا تستفيدون منه كما ينبغي. ولو كان الحسين لنا لركزنا له في كلّ شبر من الأرض منبراً نجمع الناس حوله ونبلّغهم ديننا ولما تركنا إنساناً على وجه الأرض إلاّ دعوناه إليه.


الإهتمام بذكرى الميلاد المبارك

أقترح ثلاث خطوات بسيطة يتمكّن كلّ واحد منّا العمل بها لعلّنا نرفع شيئاً من تقصيرنا تجاه الإمام الحسين سلام الله عليه:
أوّلاً: قبل أيّام من ذكرى ميلاده المبارك أخبِر كلّ مَن تلقاه ـ سواء في محلّ عملك أو في طريقك إلى البيت أو صديقاً تلقاه ـ أنّ يوم الثالث من شعبان هو يوم ميلاد الإمام الحسين سلام الله عليه، ولا أبالغ إن قلت أنّ كثيراً من المسلمين الذين تعيش بينهم لا يعلمون بذلك!
ثانياً: لنتحف أولادنا وعوائلنا بفكرة ولو مبسّطة عن أهل البيت صلوات الله عليهم لاسيّما صاحب الذكرى الإمام الحسين سلام الله عليه في يوم ميلاده؛ ليتربّوا على حبّهم.
ثالثاً: لنظهِر في يوم ميلاد الإمام الحسين سلام الله عليه علامات التهنئة ولنوزّع الهدايا أو الحلويات على عوائلنا وزملائنا في محلّ عملنا وأهالي منطقتنا.
إنّ العمل بهذه الأمور الثلاثة هو أقلّ ما يمكن أن نقدّمه، في حُبّ الحسين سلام الله عليه وموالاته.
أمّا الأمور المطلوبة منا لكي نكون على طريقه سلام الله عليه فقد لا تكون بسيطة، فإنّه سلام الله عليه أقام الدين، والمرجوّ منّا صيانته وإبقاء نوره مضيئاً أبداً لكن من المؤسف أنّ الواقع خلاف ذلك، فنرى ذوينا يرتكبون المحرّمات، ولا يؤدّون الواجبات ولكن مع ذلك ترى بعضنا ـ ومع الأسف ـ لا يكترث!
فإذا كنّا من الذين يهتمّون بمعالجة الأمراض الروحية في المجتمع كاهتمامنا بمعالجة الأمراض البدنية خاصة إذا أصيب بها أحد أبنائنا، فليكن سعينا من الآن أن نبدأ بنشر حبّ الحسين وفكر الحسين سلام الله عليه، ثمّ السعي للعمل وفقه إن شاء الله تعالى.
أسأل الله سبحانه أن يوفّقنا لذلك، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) سورة الشورى، الآية: 13 .
(2) سورة النجم، الآية: 8 - 9. انظر الكافي: ج1، ص442، ح 13، وفيه: «...فقال أبو بصير للإمام أبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما قاب قوسين أو أدنى؟ قال: ما بين سيّتها إلى رأسها...».
(3) مناقب آل أبي طالب للمازندراني: ج1، ص135ـ 156 عنه بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج18، ص286.
(4) علل الشرايع للصدوق: ج1، ص5، ح1 باب 7 العلّة التي من أجلها صارت الأنبياء والرسل والحجج صلوات الله عليهم أفضل من الملائكة.
(5) سورة النجم، الآية: 18 .
(6) مدينة المعاجز، للبحراني: ج2، ص327 رقم 116.
(7) ثواب الأعمال للصدوق: ص110 ح 2.
(8) مناقب آل أبي طالب: ج1، ص148 ـ 157، عنه بحار الأنوار: ج16، ص403 ح 1.
(9) رواه المعتزلي في شرح نهج البلاغة، ج5، ص129، على ما في الموفقيات للزبير بن بكار.
(10) قد قتلنا القرم من ساداتهم وعـدلناه ببـدر فاعتـدل
لعبت هاشم بالملك، فـلا خبر جاء ولا وحـي نزل
(الاحتجاج: ج2، ص34).
وقال في أبيات أخرى:
لمّا بدت تلك الحمول، وأشرقت تلك الرؤوس على ربـا جـيرون
نعب الغراب فقلت: قل أو لا تقل فقـد قضيت من الرسول ديونـي
(جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السلام لابن الدمشقي: ج2، ص301).
يعني أنّه اقتصّ من رسول الله صلى الله عليه وآله عندما قتل سبطه بمن قتلهم الإسلام من أجداده الكفرة في بدر. فالقضية عند يزيد تتلخّص في نزاع بين قبيلتين، فلا دين ولا نبوّة ولا وحي ولا جنّة ولا نار!
(11) الكامل في التاريخ: ج4، ص467 ذكر بيعة الوليد بن يزيد.
(12) انظر فلك النجاة للمولوي الحنفي، ص98 الوليد بن يزيد، وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق، ج70، ص142، رقم 9437 ترجمة نوار جارية الوليد، نحوه.
(13) كشف الغمّة للأربلي: ج2، ص218.
(14) كامل الزيارات، ص385 رقم 633.