الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على
أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
لقد ضحّى الإمام الحسين بكلّ ما يملك في سبيل الله تعالى، وكان بذله سلام الله عليه
استثنائياً ومتميّزاً، فأعطاه الله سبحانه وميّزه في عطائه بما يتناسب وبذله الذي
لم يكن لأحد لا من قبله ولا من بعده؛ امتيازات لم يعطها أحدٌ قطّ حتى أولئك الذين
هم أفضل من الحسين سلام الله عليه(1)، وهم جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله وأبوه
المرتضى وأمّه الزهراء وأخوه المجتبى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الأمر
ملحوظ في الأدعية والزيارات كثيراً(2).
في زيارة للإمام الحسين يرويها ابن قولويه القمّي(3) في كتابه «كامل الزيارات»؛ عن
الإمام الصادق سلام الله عليه مخاطباً جدّه الإمام الحسين سلام الله عليه: وضمَّن ـ
أي الله تعالى ـ الأرض ومَن عليها دمك وثارك(4).
يمكنني القطع أنّه لم يرد مثل هذا التعبير في الأدعية والزيارات المرويّة عن أهل
البيت صلوات الله عليهم أجمعين بمثل ما ورد هنا بحقّ الإمام الحسين، وقد حار
العلماء في تفسيرها، ومنهم العلامة المجلسي الذي نقل هذه الزيارة في كتابه «بحار
الأنوار» عن ابن قولويه.
لنستطلع أوّلاً معاني مفردات هذه الجملة وأوّلها مفردة «ضمّن». فنقول: الضمان هو
أحد أبواب الأحكام العملية الشرعية وقد وقع الخلاف بين الشيعة ومخالفيهم في تحديد
صيغته والعمل بمقتضاه. فالمشهور بين العامة أنّه «ضمّ ذمّة إلى ذمّة»، أمّا مشهور
الشيعة فيقولون: إنّ الضمان «نقل ذمّة إلى ذمّة». وتوضيحهما:
لو كان في ذمّة زيد مال لعمرو بسبب دَين مثلاً، وضمن خالدٌ زيداً لدى عمرو، فحسب
مشهور الشيعة للضمان، لا يحقّ لعمرو بعد ذلك مطالبة زيد بالمال لأنّ الذمّة قد
انتقلت إلى خالد وهو المطالَب حينئذ. أمّا حسب مشهور العامّة فإنّ عمراً يمكنه أن
يطالب زيداً وخالداً كليهما، وحقّه بمطالبة كلّ منهما ينتفي لو وفّى له أحدهما،
فيكون الضامن ـ على كلا الرأيين ـ مسؤولاً أمام صاحب الحقّ، سواء بانتقال المسؤولية
إليه وحده، أم بالاشتراك مع المستفيد من ذلك الحقّ.
فالظاهر من عبارة الإمام الصادق سلام الله عليه في قوله وضمّن الأرض ومَن عليها هو:
أنّ الله سبحانه وتعالى ألقى على الأرض ومَن عليها مسؤولية دم الحسين، لأنّ ذلك
الدم الطاهر أُريق عليها، فأصبح بذمّتها وذمّة مَن عليها فصارت بذلك هي ومَن عليها
الضامن والمسؤول عن دم الحسين سلام الله عليه.
لا إشكال أنّ العدل الالهي يعدّ أصلاً من أصول الدين عند أتباع آل البيت سلام الله
عليهم، والذي يعني أنّ الله منَزّه عن الظلم. وهذا يستلزم أن كلّ ما يرد في روايات
أهل البيت سلام الله عليهم لابدّ أن ينسجم مع منطق العدل الإلهي، وكلّ تفسير يتعارض
مع العدل الإلهي أو ينافيه فهو مرفوض سلفاً جملة وتفصيلاً.
مفاد النصّ ههنا أنّ الله ضمّن الأرض، أي الأرض كلّها، فليس في العبارة ما يصرف
لفظة الأرض عن معناها العام إلى بقعة بعينها، مع العلم أنّ كلمة «كربلاء» وهي الأرض
التي أُريق عليها دم الحسين موجودة في الروايات والزيارات الأخرى كثيراً، وكذلك
كلمة «الكوفة» وهي الأرض التي خرجت منها الجيوش لقتل الحسين سلام الله عليه. ولكن
عندما نراجع هذه الزيارة نرى كلمة «الأرض» وردت بإطلاقها، بل يقول النص: وضمّن
الأرض ومَن عليها. أي: وكلّ البشر الذين سكنوا الأرض من أوّل الدنيا إلى آخرها.
يقول العلاّمة المجلسي رضوان الله عليه: لعلّ المقصود بـ (مَن عليها): الملائكة
والجنّ(5).
ولكن قد يقال: ولماذا الملائكة والجنّ فقط؟ بل البشر وكلّ شيء أوعز إليه التسبيح
لله تعالى أيضاً، لأنّ (مَن) ههنا موصولة وهي ظاهرة في العموم كما هو المشهور بين
علماء اللغة والأصول. فتكون معنى العبارة: أنّ الله تعالى ألقى مسؤولية دم الحسين
على الكرة الأرضية وكلّ مَن عليها.
وحقَّ للعلماء أن يحاروا في توجيه هذه العبارة التي وردت عن الإمام الصادق سلام
الله عليه وهو لا يقول كلمات مهملة؛ لأنّه من أهل البيت سلام الله عليهم الذين هم
القمّة في البلاغة ناهيك عن عصمتهم ودقّتهم في كلّ الأمور؛ فلماذا يقول الإمام إنّ
الله تعالى جعل دم الحسين في ذمّة الأرض؟ ما شأنها؟ هل هي قتلت الحسين؟ وإذا كان
المقصود بكلمة الأرض هنا كربلاء فنحن نعلم أن الله تبارك وتعالى رفع شأنها بالإمام
الحسين حتى جعلها أشرف من الكعبة ـ وهذه من جملة العطاءات الاستثنائية التي خصّ بها
الإمام الحسين ـ ولكن الإمام سلام الله عليه لم يخصص أرض كربلاء بل قال: ضمّن
الأرض. أي كلّ الأرض، فإذا كان الإمام الحسين قد قُتل على بقعة من الأرض، فلماذا
حمّل الله الأرض كلّها مسؤولية ذلك الدم الطاهر؟
نعم، حار العلماء في فهم هذا المقطع من هذه الزيارة، فقال جماعة: بما أنّه قُتل
الإمام الحسين على الكرة الأرضية فإنّ الله تعالى جعلها كلّها مسؤولة عن تعذيب
قتَلة الحسين وخاذليه حيثما دُفنوا وفي أيّ بقعة منها، وهذا هو ضمان الله على
الأرض، وهو مائز ميّز الله تعالى به الحسين وخصيصة خصّه بها، وكشف عنها الإمام
الصادق سلام الله عليه. أما كيف تنفّذ الأرض هذا التكليف الإلهي فهذا ليس من شأننا
معرفته، وهي تعرف تكليفها ونحن يكفي أن نعرف في المقام أنّها مكلّفة وأنها تؤدّي
تكليفها؛ (قالتا أتينا طائعين)(6).
النقطة الأخرى الجديرة بالتأمّل في هذه الزيارة قوله: «ومَن عليها». وهذا يعني أننا
نحن أيضاً وآباؤنا وأبناؤنا وأجيالنا اللاحقة ممّن سيعيش على هذه الأرض، جميعاً
مسؤولون عن دم الحسين والثار له، فأنا وأنت بذمّتنا دمه وكذا من يعيش اليوم وغداً
في أقصى نقاط العالم. والسؤال: نحن لم نكن موجودين في زمن بني أمية ولا شهدنا مقتل
الحسين سلام الله عليه فكيف نكون مسؤولين، وعمّ؟ بل الإمام الصادق سلام الله عليه
نفسه لم يكن موجوداً في زمن جدّه ولا رأى مقتله، ولو شهد لنصره فكيف يقول إذاً:
ضمّن الأرض ومن عليها دمك وثارك؟
إذاً لابدّ أن يكون لذلك معانٍ أخرى فلنحاول الوقوف عليها.
نستنتج من كلّ ما تقدم أنّ الله أعطى للحسين ما لم يُعطِ أحداً من العالمين؛ إذ ربط
دمه بعالم التكوين، فألقى مسؤولية دمه على الأرض كلّها، وعلى كلّ مَن عليها.
يقول النصّ: «ضمّن الأرض ومن عليها دمك وثأرك» فإنّ الدم شيء والثار شيء
آخر. الثار يعني الانتقام للدم المراق.
ربما استغرب العلاّمة المجلسي قدس سره من المعنى الحقيقي الظاهر لهذه العبارة،
ولعلّه اعتبره منافياً للعدل الإلهي، فكيف يحمّل الله تعالى الأرض وكلّ من عليها
المسؤولية وفيهم مَن لا يرضى بقتل الحسين سلام الله عليه ويلعن قاتليه ويتبرّأ
منهم؟! بل فيهم الأنبياء والأولياء وأهل البيت سلام الله عليهم؟!
هذا الأمر جعل العلاّمة المجلسي يأتي بمعانٍ مجازية للعبارة؛ منها: أنّ معنى
العبارة أنّ الأرض تعذِّب قتلة الحسين سلام الله عليه عندما يُدفنون فيها، فهذا هو
الضمان الذي ضمّنه الله الأرض.
بمعنى أنّ المسؤولية الملقاة على عاتق الأرض والجمادات هي مسألة تكوينية. كما أنّ
مسؤولية مَن جعل الله له العقل والشعور كالإنسان والجن والملك هي مسؤولية تشريعية.
وبالتالي يكفي أن نعرف أنّ الله جعل دم الحسين في ذمّة الكرة الأرضية، ولا بأس في
ذلك. ولكن الشقّ الثاني هو الذي يحتاج إلى تأمّل وهو كلمة «ومَن عليها»؛
فظاهر العبارة أنّ كلّ مَن على الأرض يتحمّل مسؤولية دم الحسين، مع أنّ من بينهم
أحبّاء الحسين سلام الله عليه ـ كما قلنا ـ فكيف يستقيم ذلك؟
يقول الفقهاء: إذا ورد حديث صحيح وفيه صيغة أمر مثلاً، فظاهر صيغة الأمر هو المعنى
الحقيقي ـ أي الوجوب ـ إلاّ إذا كانت هناك قرائن على عدم إرادة الوجوب، فننتقل إلى
الاستحباب.
وهنا أيضاً لما كان المعنى الحقيقي لا يمكن إرادته من العبارة لأنّ ذلك يقتضي توجيه
العقوبة حتى على الذين لم يشتركوا ولم يرضوا بقتل الإمام الحسين سلام الله عليه،
وهذا يتنافى مع منطق العدل؛ لذا لا يمكن حمل العبارة هنا على المعنى الحقيقي، فنبحث
عن أقرب المجازات، إذ الحكم العقلي لصرفها عن المعنى الحقيقي موجود بسبب العدل
الإلهي.
أما المجازات التي ذكرها العلاّمة المجلسي رضوان الله عليه فقد لا تكون أقرب
المجازات. والمسألة طبعاً في كلمة «دمك»، أما الثأر فربما لا مسألة علمية فيه، أمّا
دمك، فإنّ الله ضمّن الأرض ومَن على الأرض مسؤولية دم الإمام الحسين فربَط بينه
وبين التكوين، لم يستثن فيها حتّى الأنبياء والرسل.
روي أن إبراهيم الخليل لمّا مرّ من أرض كربلاء وهو راكب عثر به مركبه فشجّ رأسه
وسال دمه فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟ فنزل إليه جبرئيل وقال:
«يا إبراهيم ما حدث منك ذنب ولكن هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء
فسال دمك موافقة لدمه»(7).
أليس هذا مصداقاً حيّاً لربط قضية الإمام الحسين بالتكوين؟ علماً أنّ النبي إبراهيم
عليه السلام كان قد عاش قبل آلاف السنين من حادثة كربلاء فكيف شُجّ رأسه عندما مرّ
على أرض كربلاء؟
إبراهيم الخليل على ما له من عظمة(8)، عندما يمرّ من أرض كربلاء يُشجّ رأسه ويخرج
منه الدم موافقة لدم الحسين؛ ذلك أنّ قتل الحسين قتل للكرامة وللإسلام وللأنبياء
جميعاً وتخريب للتكوين والتشريع؛ ومن هنا جعل دمه وثأره على عاتق الأرض ومَن عليها
أجمعين، وهذا هو معنى: ضمّن الأرض ومَن عليها دمك وثأرك.
ولا يقصد بالثأر قتل قاتله فقط بقدر ما يعني تفاعلاً تكوينيّاً، وفي الإنسان يعني
المسؤولية التي ينبغي تحمّلها تجاه قضيّته سلام الله عليه.
روي عن الإمام الرضا سلام الله عليه:
«كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه
عشرة أيّام. فإذا كان يوم العاشر، كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ويقول: هو
اليوم الذي قُتل فيه الحسين صلّى الله عليه»(9).
وهذا يعني أنّ لمحرّم خصوصية تميّزه عن باقي الشهور. فبحلول هذا الشهر الحرام، وما
إن يهلّ هلاله يتبادر إلى الأذهان إسم الإمام الحسين سلام الله عليه، حيث قُتل في
العاشر منه مظلوماً شهيداً، الأمر الذي يذكّرنا بمسؤوليتنا تجاه قضيّته. ومن جملة
تلك المسؤولية أمران:
الأمر الأوّل: التعريف بالإمام الحسين عليه السلام وشرح قضيته وبيان أهدافها
وتبيين مبادئ نهجه الذي سار عليه، وكشف ما جرى عليه وعلى آله وصحبه لجميع الناس في
شرق الأرض وغربها.
ومن وسائل ذلك إقامة عزاء الإمام الحسين والتشجيع على إحيائه بمختلف الأشكال
المشروعة(10).
أما الأمر الثاني: فيتحدّد ـ بعد إتقان مقدّمته في الأمر الأول ـ بالاقتداء
في متابعة أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه.
فالتعريف بالحسين وقضيّته من خلال إقامة مجالس العزاء والشعائر الحسينية ـ من جانب
ـ والعمل على تحقيق هدف الإمام المتمثّل بإنقاذ العباد من جهالة الكفر وضلالة
الباطل إلى نور الحقّ والإسلام والإيمان(11) ـ من جانب آخر ـ هما ضمن المسؤولية
الملقاة علينا تجاه الإمام الحسين سلام الله عليه.
فلنشمّر عن ساعد الجد وخصوصاً في شهري محرّم وصفر، ولنعدّ ونستعدّ قبل حلولهما،
لنستثمر طاقاتنا في هذا السبيل من أجل أن تتحقّق المبادئ العليا المتمثّلة بسيرة
أبي عبد الله الحسين وذلك من خلال المواكب والشعائر والمجالس والأفلام الرمزية
المسجّلة والشبكات المعلوماتية والفضائيات والمنابر والندوات، وسائر الوسائل
المتاحة، فهذه جميعها تشكّل جزءاً من مسؤوليتنا الوارد ذكرها في قول الإمام الصادق
حين يخاطب جدّه الحسين سلام الله عليهما: «وضمّن الأرض ومَن عليها دمك وثارك». فما
أكثر الناس الذين لا يعرفون الإمام الحسين وقضيته وأهداف نهضته، وما أثقل مسؤوليتنا
تجاههم؟
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لخدمة الإسلام والسعي الجادّ في سبيل خدمة أهداف الإمام
الحسين سلام الله عليه عن هذا الطريق، طريق تعريف العالَم أجمع بالإمام وأهداف
نهضته الشريفة.
إنّ من يُسدي خدمة للإمام الحسين ويشجّع الآخرين لقضاياه وعزائه ومجالسه وشعائره،
فإنّ الله تعالى يصنع به ويعامله معاملة استثنائية، وكذلك يعاقب الذين خذلوه وخذلوا
مجالسه وأيامه من بعده، بعقوبة استثنائية في الدنيا والآخرة.
نقل المرحوم السيّد الأخ أعلى الله درجاته في بعض كتبه أنّه ذكر عند أحدٍ أنّ تربة
الحسين شفاء من كلّ مرض بإذن الله تعالى، فطلب ـ وكان من المستهزئين ـ قليلاً من
التربة الحسينية، وعندما جيء له بها أهانها، فلم يعش حتى صباح اليوم التالي مع أنّه
كان معافى. وقيل إنّ هذا الشخص كان من شخصيات بني العباس، أي أنّه لم يكن ممن حضر
الواقعة ولكن الأرض انتقمت منه لأنّه أهان تربة الحسين سلام الله عليه.
وروي أنّه سَأل عبدُالله بن رباح القاضي، شخصاً أعمى عن سبب عمائه، فقال: كنت حضرت
كربلاء وما قاتلت، فنمت فرأيت شخصاً هائلاً، قال لي: أجب رسول الله صلى الله عليه
وآله. فقلت: لا أطيق، فجرّني إلى رسول الله؛ فوجدته حزيناً وفي يده حربة، وبسط
قدّامه نطع، وملَك قِبَله قائم في يده سيف من النار يضرب أعناق القوم وتقع النار
فيهم فتحرقهم ثمّ يحيون ويقتلهم أيضاً هكذا. فقلت: السلام عليك يا رسول الله،
والله، ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت سهماً. فقال النبي: ألستَ كثّرت
السواد؟! فسملني وأخذ من طست فيه دم فكحلني من ذلك الدم، فاحترقت عيناي، فلما
انتبهت كنت أعمى(12).
وهذا معناه أن هذا الرجل لم يكن راضياً بالمجيء والمشاركة في قتل الإمام الحسين
ولكنّه كان يخاف نقمة ابن زياد ففكّر أن يذهب ولا يمارس أيّ فعل بل يكتفي بمغادرة
الكوفة والحضور في كربلاء مع العسكر ولكن معتزلاً القتال. فهو لم يحمل على أحد بسيف
ولا طعن برمح ولا رمى نبلاً، أي لم تلوّث يده ولكنّه مع ذلك لقي ذلك العقاب الأليم.
فإذا كان هذا حال من مثله فكيف بمن شارك في قتل الإمام أو حارب شعائره من بعده؟
لقد بلغ الذين اشتركوا في قتال الإمام في كربلاء 30000 على أقلّ الروايات، فما الذي
يؤثّره هذا الفرد الذي لم يمارس أيّ فعل سوى الحضور؟ ورغم ذلك استحقّ العذاب لمجرّد
حضوره في الصفّ المعادي للإمام. وفي الصورة المعاكسة هكذا يكون نصيب حضورك اليوم في
مجلس عزائه سلام الله عليه، فإنّ الألوف والألوف من المجالس تقام، فما حجم مشاركتك
وحضورك قياساً للحضور الجماهيري الفخم الذي يحضره، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن تستصغر
حضورك وتستهين به وتقول: إنّه لا يؤثّر كثيراً، بل ينبغي أن تشترك دائماً.
وهكذا الأمر في زيارة الإمام الحسين، فحتى لو كان يحضرها الملايين فلا تقل ما الذي
يضرّ لو لم أحضر لأنّي قطرة في بحر، وذلك لأنّ قضيّته عليه السلام استثنائيّة حتى
على مستوى الجزاء، سواء في جهة المؤيّد أو المعارض؛ ولذا حاول أن لا تشترك بلسان
ولا عمل ضدّ أيّة شعيرة من شعائر الإمام الحسين، ولا تتكلّم ضدّ أيّ من القائمين
بمجالس الإمام، ولو وجدت فيهم نقصاً فلا تشهّر بهم، ولا تستهزئ بأيّ من الشعارات
حتى لو كنت لا تراها كما يراها غيرك، بل دع كل موالٍ يعبّر بطريقته الخاصّة ما لم
تتعارض مع الشرع.
وقد نُقل لي أنّه كان أيّام المرجع الديني الكبير السيّد البروجردي قدّس سرّه شخصان
قد صدر من كلّ منهما سلبية قد تبدو هيّنة في نظر بعضنا إلاّ أنّها عند الله عظيمة.
حيث كان أحدهما لديه صهر مواظب وبإيمان على الحضور في مجالس العزاء التي تقام لأبي
عبد الله سلام الله عليه وكان هذا الشخص بدل أن يثني على صهره ويكبر فيه روح
الإيمان على مواصلة المشاركة كان يثبّطه ويقلّل من عزيمته قائلاً له: لا داعي لكلّ
هذا الاهتمام في المشاركة، ويكفيك القليل من الحضور. أمّا الآخر فكان يستهزئ ببعض
الشعائر ويستخفّ بالقائمين عليها. ففي ليلة العاشر من المحرّم لإحدى السنين رأى
أحدهما في منامه ـ ونقل الحادثة بعد ذلك للسيّد البروجردي قدّس سرّه ـ كأنّ يوم
القيامة قد قام، وهو وزميله ـ الذي يستخفّ ببعض الشعائر ـ في ساحة المحشر حائرين لا
يدريان ما يصنعان ولا يعرفان مصيرهما. وإذا بهما يشاهدان مكاناً فيه جنّة فسألا
عنه، فقيل لهما: هناك يجلس الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، ومحبّوه يدخلون
عليه، يحدّثهم ويحدّثونه. فانبريا قائلين: نحن كذلك من محبّي الإمام الحسين وممن
يشترك في إحياء مجالس عزائه وإقامة شعائره؛ فلنذهب لزيارته ورؤيته. وعندما همّا
بالدخول مع سائر المؤمنين إلى حضرة الإمام الحسين، حال الملائكة الموكلون بحراسة
مجلسه دونهما، فتعجّبا قائلين: لم لا تسمحون لنا بالدخول؟! فقالت الملائكة لهما:
كذلك أُمرنا، ألستما فلاناً وفلانا؟ فقالا: نعم، ولكن هلاّ أخبرتمونا عن السبب،
وبعد إصرارهما دخل أحد الملائكة ثمّ خرج، وقال لهما: لقد مُنعتما بما كان منكما في
تثبيط أحدكما لصهره، واستهزاء الآخر ببعض الشعائر. حينها فزع الشخص من نومه ـ وكان
الوقت قبيل الفجر ـ مرهوباً خائفاً، لم يقوَ على معاودة نومه حتى الصباح، ثمّ جمع
قواه وذهب إلى بيت صاحبه ـ الذي رآه في المنام معه ـ طالباً منه التهيّؤ للذهاب
معاً إلى حرم الإمام الحسين سلام الله عليه؛ وبعد أن استقرّ بهما المكان، قصّ
لصاحبه ما رآه في المنام بحذافيره، وأخذا يبكيان طالبين من الإمام الصفح عن
خطيئتهما، متعاهدين على الإقلاع عنها وعن أمثالها.
فهذان أدركا نفسيهما بواسطة رؤيا فتابا ونصحا، فما بالك بمن يموت وهو على ما هو
عليه من بخلٍ في المشاركة، أو الاستخفاف بما لا يعلم؟!
ومن الأمور والعطاءات الإلهية التي تفرّد بها الإمام الحسين زيارته سلام الله عليه؛
فإنّها تستحبّ حتى مع الخوف بل يزاد في مثوبتها، في حين أنّ الحجّ على عظمته يشترط
في صحّته خلوّ السرب (أي الطريق) من الخوف والخطر، حيث يقول جمهرة من الفقهاء إنّه
لو لم يبال الشخص بذلك وحجّ وأصابه الخطر لم يصحّ حجّه، بل ذهب بعضهم إلى أنّه لا
يُقبل منه إذا لم تكن الطريق آمنة حتى لو لم يُصَب بسوءٍ؛ لأنّه لم يلتزم بهذا
الشرط الذي هو من شروط وجوب الحجّ، فليس المقصود الاستطاعة المالية فقط بل يدخل
ضمنها الأمن، فمن لم يأمن الطريق لا يكون مشمولاً لها.
أما زيارة الحسين سلام الله عليه فمسنونة ومستحبّة حتى مع الخوف بل ورد الحثّ
عليها، مع أنّ الظلمة كانوا يسجنون الزوّار وربّما يقطعون منهم الأيدي والأرجل
ويصادرون الأموال، ومع ذلك لم نسمع أنّ الأئمّة نهوا مواليهم عن الزيارة بل كانوا
يشجّعونهم(13)؛ الأمر الذي أدّى بزوّار الإمام لأن يتوافدوا على قبره الشريف رغم
الأخطار وبعد الأسفار، في الحرّ والبرد رغم كلّ الظروف، حتى وصلتهم من الإمام
الصادق تلك الدرر المكنونة من أدعيته سلام الله عليه في قوله:
«اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، وخلافاً
منهم على من خالفنا فارحم تلك الوجوه التـي قد غيّرتها الشمس... اللهم إنّي استودعك
تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش»(14).
وفي حديث محمد بن مسلم عن الإمام الباقر أنّه قال له:
«هل تأتي قبر الحسين؟»
قلت: نعم على خوف ووجل فقال:
«ما كان من هذا أشدّ، فالثواب فيه على قدر الخوف»(15).
إنّ الذي يواجه الصعوبات ويشترك في قضايا سيّد الشهداء، لاشكّ يكون ثوابه أكثر من
غيره، بل تكون تلك المعاناة فضلاً من الله عليه. فمثلاً لو أنفق شخص ألف دينار في
هذا الطريق وكان يمثّل نصف ما يملك، وأنفق آخر نفس المبلغ ولكنها كانت تشكّل ربع ما
يملك فلاشكّ أنّ الأوّل أكثر ثواباً.
لنرتقي بهمّتنا في خدمة الإمام الحسين ولا نستصغر ما نستطيع عمله في هذا الطريق
الاستثنائي، فإنّ التوفيق من الله تعالى، لأنّه سبحانه جعل ما يرتبط بالإمام سلام
الله عليه استثنائياً.