هنالك العديد من الناس يبدأون بدراسة العلوم الدينية ولكن القليل منهم يوفّق ويصبح عالماً حقيقياً، فما هو السّبب؟
إن من أسباب الموفقية هو التواضع والصفح.
هاتان الخصلتان هما من أهم الصفات الأخلاقية، وكلّ من تحلّى بهما وُفّق في اُموره أكثر. فالشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد بحر العلوم رضوان الله تعالى عليهم تفوّقوا في الدراسة وخلدت أسماؤهم بتحلّيهم بهما.
أنتن المؤمنات موفقيتكن منوطة بنسبة التزامكنّ بالتواضع والصفح.
إنني أشكر جميع المؤمنات اللاتي عملن في الماضي أو يعملن في الحاضر وأدعو لهنّ، واُذكّرهن بأن الله سبحانه وتعالى قد حباهنّ بتوفيق عظيم، ينبغي لهن السعي من أجل حفظ هذا التوفيق، والإستمرار على هذا الطريق، حتى بعد انتهاء العطلة الصيفية، واستثمار كلّ المناسبات والفرص المتاحة. وأذكّر بمسألتين مهمّتان:
1. أصول الإسلام.
2. آداب الإسلام.
مهما يتعلّم الإنسان أصول الدين وآدابه فإنّه بحاجة إلى تعلّم المزيد.
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»[4]، فكما أن الصلاة والصيام والزكاة وواجباتٌ والحجّ بشرائطها كذلك طلب العلم.
إن من العلوم الإسلامية: 1. أصول الدين 2. فروع الدين 3. الأخلاق والآداب. فهذه الثلاثة في الصدر من حيث لزوم تعلّمها.
لقد ذكر التاريخ نساء كثيرات قمن بهداية الآخرين ومنهن زوجة زهير بن القين أحد أصحاب الإمام الحسين سلام الله عليه. فقد كان زهير عثماني الهوى، وكان في طريقه إلى العراق من مكّة المكرّمة، فعلم أن الإمام الحسين سلام الله عليه أيضاً في المسير نفسه.
رووا في أحوال زهير أنه كان في مسيره يجتنب أن ينازل الحسين في منزلٍ، حتى إضطرّ إلى ذلك فجاء رسول الحسين سلام الله عليه وقال:
يا زهير بن القين، إن أبا عبد الله الحسين بعثني إليك لتأتيه.
فطرح كل إنسان ما في يده حتى كأنّ على رؤوسهم الطير.
فقالت له امرأته: سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟! لو أتيته فسمعت من كلامه، ثم انصرفت.
فأتاه زهير بن القين. فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فقوّض وحمل إلى الحسين سلام الله عليه ثم قال لامرأته: أنت طالق، إلحقي بأهلك فإني لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلا خير.
ثم قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلا فهو آخر العهد»[5].
إن المرأة تستطيع أن تبدّل وتغيّر حياة إنسان من عدوّ لأمير المؤمنين إلى محبّ وتابع له سلام الله عليه. وقد صار زهير بفضل كلام زوجته ممن يخاطبهم يومياً الآلاف من الناس: بأبي أنت وأمّي.
أنتن يمكنكن أن تقمن بدور هداية الآخرين. فاغتنمن أوقاتكنّ في طلب العلم، وعلّمن نظيراتكنّ من الأقارب والصديقات ما تفضّل الله به عليكن حتى يهتدين إلى نور الأئمة الأطهار الهداة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله.
رُوي أنّه قال رجل لأبي عبد الله سلام الله عليه: والله إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها. فقال: تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَاذَا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي وأصلُ بها وأتصدّق بها وأحجّ وأعتمر. فقال أبو عبد اللَّهِ سلام الله عليه: لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا هَذَا طَلَبُ الآخِرَةِ»[7].
فالمال وسيلة والعلم وسيلة وهكذا الشخصية والزعامة والرئاسة. وكلّ هذه إن لم يكن من ورائها هدف صحيح ولم تكن لله تعالى فهي أهون عند الله من الجدي الأسك (وهو ابن الماعز الميّت المشوّه). كما في الحديث النبوي الشريف.[8]
إن طالبات العلوم الدينية، هنّ في الواقع طالبات أحكام الله جلّ شأنه، وطالبات علوم رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، وطالبات علوم القرآن الكريم وطالبات أخلاق الاسلام وآدابه وأصوله.
وُرد في الحديث الشريف: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء»[9] والإنسان الذي يكون تعلّقه بالدنيا أقل يقذف الله النور في قلبه أكثر.
الزوج الذي يسيء الخلق مع زوجته لأجل كون الطعام بارداً أو ساخناً فهذا يكون متعلقاً بالدنيا. والزوجة التي تنازع زوجها في أمور الدنيا فهي أيضاً تكون من المتعلقات بالدنيا. فيجدر أن يكون التعامل فيما بين الزوج والزوجة، والآباء والأولاد، والأرحام، والأصدقاء، تعاملاً يكون الله سبحانه هو الهدف في كلّ ذلك. بل يلزم أن يكون تعامل المؤمنين مع الكافرين هكذا. فرسول الله صلى الله عليه وآله رغم كل م لاقاه من الأذى من قريش، كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»[10].
أنتن الآن في طريق الإسلام، وطريق القرآن وطريق رسول الله وأهل البيت، فحاولن أن تقلّلن من تعلّقكن بالدنيا. فعلى طالبة العلم أن تكون يقظة عندما تُناقش أو تتباحث أو تكتب، فلا يسوّل لها الشيطان بأن يكون هدفها التفوق على أقرانها بل ليكن الهدف إظهار الحق حقاً والباطل باطلاً.
جاء في الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: «يخبركم حلمهم عن علمهم»[12].
إن طلاّب العلم على نوعين: فبعض يتعلّم كي ينتفع وينفع غيره، أي يكون هدفه من التعلّم الارتقاء في طاعة الله عزّ وجلّ، فهؤلاء يسمّون بحملة العلم. وبعض يستغلّ العلم ويجعله أداة للوصول إلى مصالحه الشخصية.
إن الحلم مرآة العلم، فكلما يزداد الإنسان في التزامه بالأخلاق الفاضلة وأهمّها الحلم، ترتفع درجة استفادته من نور العلم.إن قول الرسول صلّى الله عليه وآله وفعله وتقريره حجّة وإن العلم الحقيقي كان عنده، لذلك فإن الكثير ممن صحبوا الرسول كانوا علماء، ولكن ليس معنى هذا أن الصحابة كلّهم كانوا صالحين. فهذا القرآن الكريم يشير إلى قسم منهم فيقول: )وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ([13].وليس اليهود أو النصارى أو المشركون هم المقصودين في هذه الآية، بل إنها بالنسبة إلى قسمٍ ممن كانوا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله.
إنّ المقداد وأبو ذر وسلمان كانوا من الصحابة الصالحين ولكن حتى هؤلاء اختلفت مستويات ودرجات إيمانهم أيضاً. وهكذا هو الحال بالنسبة لزوجات النبي اللاتي عشن معه صلّى الله عليه وآله لسنين وكنّ ـ بالظاهر ـ أقرب الناس إليه. فبعض منهنّ كالسيدة خديجة الكبرى سلام الله عليها كانت في مستوى بحيث قال في حقّها النبيّ صلّى الله عليه وآله: «وأين مثل خديجة»[14].
وبعض منهنّ كعائشة كانت في مستوىً بحيث قال صلّى الله عليه وآله، في حقّها ـ كما روتها الشيعة والعامّة ـ : «هاهنا الفتنة ـ ثلاثاً ـ من حيث يطلع قرن الشيطان»[15].
إن العلم وحده غير كاف بل يحتاج إلى تزكية النفس وتهذيبها وتحلّيها بالأخلاق الحسنة وأهمها هو الحلم. فالإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه بحلمه غيّر الرجل الشامي من مبغض لأهل البيت إلى محبّ لهم سلام الله عليهم.
إن أبانا آدم عليه السلام بنى الكعبة المشرّفة وهو أوّل من حجّ البيت، أما النبي إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام فقد جدّد بناء الكعبة، لكن في القرآن الكريم نرى أن الله سبحانه وتعالى يذكر إبراهيم وتجديده لبناء الكعبة وكأن الخليل هو الذي بناها: )وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ([16]. وهذا يدلّ على علو ورفعة مقام إبراهيم.
ولقد كرّم الله تعالى نبيّه إبراهيم أن جعل مقامه مكاناً للصلاة حيث قال: )وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى([17]. وأعتقد أن سبب ذلك هو اتصافه عليه السلام بالحلم: )إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ([18].
هذا يدل على أهمية الحلم. فإبراهيم كانت له صفات أخلاقية عالية أخرى كثيرة، لكن الله تعالى ذكره بالحليم.
فاسعين في الالتزام بالحلم أكثر وأكثر حتى توفّقن أكثر إن شاء الله.