هناك مطلبان: الأول أن تعرف المرأة نفسها، والثاني أن تعرف وظيفتها.
أما بالنسبة للمطلب الأول، فإذا ما عرف الإنسان نفسه، فإنه سيؤدي وظيفته على نحو أحسن، أما إذا لم يعرفها جيداً، فإنه لا يستطيع أن يؤدي وظيفته، ففي الحديث: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».[2] بالنسبة لمكانة المرأة في الإسلام وردت عبارة عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، ما عرفت من خلال مطالعاتي ومسموعاتي أن أحداً قبله قالها، وهي أعمق وأدقّ وأوضح عبارة عن المرأة، حيث قال الإمام سلام الله عليه: «المرأة ريحانة»[3], هذه الكلمة لم يقلها الإمام سلام الله عليه للرجال فقط ليوصيهم بالنساء وحسب، وإنما أراد سلام الله عليه من خلالها أن يعبر عن واقع، ويثبت حقيقة يستدعي من المرأة نفسها أن تدرك ماهيتها.
الفرق بين الورد وغيره من الأشياء، يكمن في ضعفه، وهذا الضعف بعينه هو كمالُهُ؛ يعني لو وضعنا ـ مثلاً ـ قطعة من الحديد تحت أشعّة الشمس لعشر سنين، لم يحدث لها شيءً، ولكن لو جعلنا وردة تحت حرارة الشمس مدة خمس دقائق، ذبلت، فهل هذا ضعف في الورد أم كمال؟ هذا كمال؛ فأنا أوصي النساء بقراءة الإسلام من خلال مصادره الأصلية، وهم المعصومون سلام الله عليهم بعد القرآن الحكيم.
وفي رواية أخرى عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «رحم الله امرءاً عرف قدره، ولم يتعدّ طوره».[4]
إن الورد نبات لا عقل له ولا يملك شعوراً راقياً وإن الفكر والإحساس الذي جعله الله تعالى في الإنسان لا وجود له في الورد، فهو لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن أشعة الشمس ولهيبها. إذا وصله قدر من الماء فوق حاجته، فإنه يموت، ولا يستطيع أن يحفظ نفسه من الماء الزائد على الحاجة. غير أن الإنسان يملك مثل هذه القُدرات.
ينبغي التحقيق فيما يرتبط بموضوع الريحان والريحانة، والنظر في حشد الروايات والأحاديث الشريفة. هذه هي الكلمة الأولى وغير المسبوقة التي أطلقها الإسلام في شأن المرأة.. فعندما نفهم ماذا يعني الورد، نفهم أيضاً أن الغضب والانفعال هو بمنزلة لهيب الشمس الذي يبدّل الورد إلى أوراق يابسة، الوردة لا تملك مثل هذا الإدراك، أما المرأة فقد وهبها الله تعالى الإدراك والقدرة.
يستفاد من بعض الروايات أنه إذا مرت على الإنسان المؤمن لحظات غضب، فإن استطاع أن لا يخرج من الحدود المقبولة، فبها، وإلا فليترك المكان.. وفي روايات أخرى، عليه أن يتوضأ، أو إذا كان واقفاً فليجلس، وإذا كان جالساً فليقف.
انظروا أيوجد مثل هذه المعاني في الثقافات الأخرى؟ الآن في دنيا اليوم هنالك أكثر من مليار إنسان من عبدة الأوثان، وبضمنهم ما لا يقل عن خمسمائة مليون امرأة من نفس القبيل.
لدي كتاب (عبدة الأوثان) وقد طالعته، وفي الواقع لو جعلناه في جنب القرآن الكريم وقارنّا بينهما، لم نستطع أن نقول أن الفرق بينهما كالفرق بين الزعفران والحديد المصدوء، بل إن الفرق بينهما أبعد من ذلك بكثير. ولا يظن أحد أن الوثنيين قد عدموا العلم! بل فيهم مفكرون وأطباء ومهندسون وأساتذة. اعرضوا عليهم كلمات القرآن الحكيم، وانظروا ردود فعلهم، أتؤثر فيهم هذه الكلمات أم لا؟
ورد في الكتاب المذكور (عبدة الأوثان) أن الأسرة التي يولد فيها طفل، تظل سائر العشيرة، التي تنتمي لها تلك الأسرة، نجسةً لبضعة أيام، وأي أسرة وعشيرة يموت منها شخص، تبقى نجسةً أيضاً لعدة أيام!! ولكم أن تقارنوا تلك المفاهيم مع ما عندنا من قيم. فما عندنا ليس فقط منسجماً بكل دقائقه مع العقل والعاطفة والفطرة بل هو أيضاً من عظيم الابتكار.. فما هي وظيفتنا بازاء ذلك؟ ما هو حجم القدرات التي نمتلكها.
انظروا في الجزء العشرين من (بحار الأنوار) لتروا كم عانى النبي صلى الله عليه وآله، وهو من أعزّ الخلق عند الله تعالى، في سبيل إبلاغ الإسلام للناس؟ وانظروا كم عانى هو والإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه والمؤمنون الذين كانوا معهما في شعب أبي طالب؟
ذكرت الروايات أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ظل على مدى ثلاث سنوات، بحرّها وبردها، يبدل مكانه لأكثر من مرة في الليلة الواحدة! وذلك لأن العدو كان يكمن له صلى الله عليه وآله بهدف قتله.. ومن المعلوم أن الله تعالى قادر على أن يحول دون كل ذلك الضغط والإرهاب، لكنه لم يفعل؛ لأن الجميع ـ وبلا استثناء ـ معرَّضون للامتحان الإلهي.
وظيفتك أيتها المرأة ثقيلة جداً، وواجبك أن تعرفي دين الله سبحانه، وأن تبلّغي ذلك للآخرين، ليس فقط بالنقل، وإنما بالبيان والإفصاح أيضاً، وردّ الشبهات عبر عقد الجلسات، وإدارتها على نحو جيد.
إن الأخ السيد الفقيد رضوان الله تعالى عليه، كان قد قال قبل وفاته بأيام أنّه كانت له آمال ثلاثة لم يوفّق لتحقيقها وذلك لقرب أجله وهي:
1) دعوة الكفار جميعاً إلى الإسلام.
2) تعريف المسلمين جميعاً بمذهب أهل البيت سلام الله عليهم.
3) جمع شمل الشيعة كافة وتوحيد كلمتهم.
لو دققنا في هذه الآمال لوجدناها على رغم صغر حجمها في اللفظ، كبيرة في المعنى، بل هي مسؤولية تقع على عاتقنا جميعاً، وهي وصية منه رحمه الله تركها لنا، حيث إنه قدس سره كثيراً ما كان يحثّ على الخدمة وتحمل المسؤولية. ولأجل ما أريد بيانه أذكر حديثاً عن الإمام الرضا صلوات الله عليه، وهو أنه سلام الله عليه قال: «رحم الله من أحيى أمرنا». فقال له أبوالصلت: يا ابن رسول الله، كيف يحيي أمركم؟ فقال سلام الله عليه:«يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس»[6]. والمقصود من الناس البشرية جميعاً، وبغضّ النظر عما يعتقدون، وما يدينون به. فبناءً على هذا الحديث يلزم العمل بأمرين وهما:
أوّلاً: تعلّم أحكام الدين بأصولها وفروعها.
ثانياً: تعليم أحكام الدين للآخرين.
إنّ سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها هي خير أسوة لكنّ تقتدين بها في هذا المجال، حيث ذكر التاريخ أنها سلام الله عليها، كانت تجلس في بيتها، إضافة إلى أعمالها المنزلية، للإجابة على مختلف مسائل الناس، بدون ملل وتعب أو ضجر. بل إنها سلام الله عليها مراراً ما كانت تطلب منهم المزيد من السؤال، لما لذلك من الأجر الكثير والثواب الجزيل.
إذا أردنا إحياء أمر أهل البيت سلام الله عليهم يلزم العمل بما ذكرنا. وإحياء أمرهم هو إقامة للدين، حيث قال عزّ وجلّ: )أَقِيمُوا الدِّينَ([7]، وهم صلوات الله عليهم أجمعين، امتداد للدين.
لا بأس أن يسعين المؤمنات لإقامة صلاة جماعة نسوية؛ فإنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، مع أنه كان يؤمّ صلاة الجماعة في المدينة، وتشترك النسوة في هذه الصلاة، خلف الرجال، إلا أنه صلى الله عليه وآله عيّن إحدى النساء لتؤمّ الصلاة بالنساء جماعة، وخصّص لهنّ مؤذّناً يؤذن لهنّ، كما ورد ذلك في كتاب الصلاة للهمداني.
إنّ من الحقائق الكونية التي نراها كلَّ يوم هي الشمس. وكذا القمر والسماء والأرض. ومن الحقائق الكونية، ما قاله الله تعالى: )مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ([10]. فكلّ ما هو كائن بأيدينا وتحت اختيارنا من مال وغيره سيزول وينتهي، حتى الجبال العظيمة ستزول يوماً ما وتُنسف كما قال سبحانه: )وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا([11]، إلاّ العمل الذي كان لله تعالى فقط فهو الباقي فقط. لقد خلّد التاريخ أناساً كالشيخ المفيد والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى والشريف الرضي رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا أخت زرارة بن أعين من أفاضل أصحاب الباقرين سلام الله عليهما المعروفة بـ «أمّ الأُسود»، وبنت الشهيد الأول قدس سره؛ لأنهم عملوا لله تعالى. طالبةُ العلم إن كان تعلّمها لله عزّ وجلّ، وكذا العاملة في المجال الخيري إن ابتغت وجه الله تعالى، فستبقى لها أعمالها وتبقى هي أيضاً وتُخلّد كما خُلّدت أم الأسود وغيرها.
إن أجر الأعمال في شهر رمضان المبارك مضاعف، فعلى الإنسان أن يستفيد ـ قدر الامكان ـ من هذا الشهر المبارك ويغتنمه للعمل الصالح، وخير ما يمكن العمل به هو: 1. خدمة الناس.2. التصميم على الالتزام بحسن الخلق مع الناس كافة.
هناك أشخاص يعيشون من دون تخطيط، ويقولون أن كل ما يأتي فهو خير، ولكن الصحيح أن يخطط الإنسان لنفسه:أولاً: أن يخطط ويعزم السير على ما خطّط.ثانياً: والأهم من ذلك أن يعرف الهدف الذي يخطط له، فإنّ الهدف من الحياة ليس الأكل والنوم والسفر وما شابه، فهذه الأمور تنتهي بالموت! يقول أمير المؤمنين سلام الله عليه: «ما خلق الله عزّ وجل يقيناً لا شك فيه، أشبه بشك لا يقين فيه من الموت»[14]!
ينبغي لكلّ واحدة منكنّ، أن تلتزم بأمرين:
1. حسن الخلق مع الجميع. وهذا الأمر بحاجة إلى عزم وتصميم فالأخلاق نعمة إلهية كبرى، فهناك خصلتان هما من أسوأ المظاهر: الانتحار والأمراض العقلية، وإذا بحثتم لم تجدوا حتى مؤمناً حقيقياً واحداً ذا أخلاق حميدة اُصيب بواحدة من هاتين الخصلتين.
2. خدمة الناس. فكل من تمكّن فليستفد من النِعَمْ في قضاء حوائج الناس. وحبذا لو تُشَكّل لجان لهذا الغرض، تعمل فيها مجموعة من النساء لحلّ مشكلات النساء.
إن للإنسان المؤمن مكانة رفيعة عند الله عزّ وجلّ. والمؤمن هو من يؤمن بالله تعالى ويعمل بتعاليم أهل البيت سلام الله عليهم. ومن أهم الأمور التي يجب على كل مؤمن أن يلتفت إليها هو ماجاء في مضمون هذا الحديث:
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله في وصيته لإبن مسعود: يابن مسعود، إذا عملت عملاً، فاعمل بعلم وعقل. وإياك أن تعمل بغير تدبر وعلم، فإنّه جلّ جلاله يقول: )وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا([16].[17]
كل من تلتزم بهذا الأمر سيكون وجودها نافعاً وعملها مفيداً لها ولغيرها.
إن كل ما يملكه الإنسان من ثروةٍ وإمكانات ستنتهي يوماً ما وينساها الناس، فالنّاس قد نسوا أجدادهم الماضين، ولا يعلمون لهم أيّ أثر، أمّا ما كان خالصاً لله تعالى فهو يبقى. )مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ([19].
ينبغي أن نهتمّ بهذه الأمور:
1. العقيدة الصحيحة.
2. تعلّم أحكام الاسلام وأخلاقه.
3. تعليمها للناس كافّة.
هذه الأمور هي من الأعمال الصالحة التي تنفع الفرد وتجعله موفَّقاً في الدنيا والآخرة.
)فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ¼ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ([20].
إن من فضل الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك أن الله تبارك وتعالى يضاعف الأجر على كلّ عمل صالح يقوم به الإنسان.
ما أراه لازم التبيين في أواخر شهر رمضان الكريم، ثلاثة اُمور متعلّقة بالنساء مثلما الرّجال:
التعلّم والتعليم، والتربية، وقضاء حوائج الناس.
فعلى النساء أن يعلمن أنّ تعلّم وتعليم العقائد والأخلاق والآداب والأحكام الشرعية واجب عينيّ.
حَضَرَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء ِسلام الله عليها فسألتها إلى عشرة أسئلة، فأجابتها حتى خجلت السائلة من كثرة السؤال فقالت فاطمة سلام الله عليها: هَاتِي وَسَلِي عَمَّا بَدَا لَكِ، أَرَأَيْتِ مَنِ اكْتُرِىَ يَوْماً يَصْعَدُ إِلَى سَطْحٍ بَحَمْلٍ ثَقِيلٍ وَكِرَاهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ يَثْقُلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَتْ: لا، فَقَالَتْ: اكْتُرِيتُ أَنَا لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ مِلْءِ مَا بَيْنَ الثَّرَى إِلَى الْعَرْشِ لُؤْلُؤاً، فَأَحْرَى أَن ْلا يَثْقُلَ عَلَيَّ.[22]
روي عن الإمام الرضا سلام الله عليه:
«رحم الله عبداً أحيى أمرنا»، قيل: كيف يحيى أمركم؟ قال: «يتعلّم علومنا ويعلمها الناس»[23].
وبالنسبة إلى التربية فليست كلّ التربية من الأب والأم، لأولادهما هو إصدار الأمر والنهي فهم بحاجة إلى التربية العملية الصالحة، فالطفل لا ينصاع لأمر والديه بالصدق في الحديث ـ ولو تكرر ذلك منهما مئة مرة ـ إذا رأى منهما الكذب.
ثم إنّ وظيفة حدود التربية لا تقتصر على أن يربي الوالدان ولدهما، فهما مسؤولان عن تربية أطفال المجتمع ما تيسّر، ففي الحديث:
«كلكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته»[24].
أما بالنسبة إلى قيام النساء بقضاء حوائج الناس وتقديم الخدمة لهم، فمن جملة ذلك تأسيس المدارس المنزلية لإيجاد الفرص لتعليم الأخريات أو جمع المساعدات الخيرية لهم عبر إشراك المتمكنين في مشروع كهذا. كما أن بمستطاع النساء المؤمنات أن يعملن على تأسيس المؤسسات الخيرية الخاصة بالزواج.
هناك الكثير من الشابات والشباب الذين هم بحاجة إلى من يساعدهم ويأخذ بأيديهم ليقيموا بناء الأسرة الصالحة. فقد أمر أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام بأن يتحمّل المؤمنون مسؤولياتهم الاجتماعية، حتى أنّ الإمام الصادق سلام الله عليه قال لأحد العلماء من أصحابه:
«لأحملنّ ذنوب سفهائكم على علمائكم»[25].
إن تأسيس المؤسسات الإصلاحية لحلّ المشاكل والنزاعات العائلية والاجتماعية أمر ضروري، ويعتبر عملاً بما أمر به الإسلام، ولقد كان الكثير من أسلافنا الصالحين، ملتزمون بالسعي في حلّ مشاكل الآخرين كلما تيسّر لهم ذلك:
روى إبان بن تغلب رضوان الله عليه، وهو من عظماء أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه قال:
كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ سَأَلَنِي الذَّهَابَ مَعَهُ فِي حَاجَةٍ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه وَأَذْهَبَ إِلَيْهِ. فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ إِذْ أَشَارَ إِلَيَّ أَيْضاً، فَرَآهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه فَقَالَ: يَا أَبَانُ، إِيَّاكَ يُرِيدُ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ، قُلْتُ: فَأَقْطَعُ الطَّوَافَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ.[26]
هذا يدلّ على مدى أهميّة قضاء حوائج الناس عند الأئمّة سلام الله عليهم. لذلك يجدر بجميع النسوة المؤمنات أن يعزمن على ذلك، ويتوكّلن على الله تعالى.
ينبغي أن تهتمّوا بمسألتين: الأولى: تعلّم أصول الدين وأحكام الإسلام. فعلى كلّ فتاة بلغت سنّ التكليف الشرعي أن تتعلم العقائد الإسلامية وكذلك تتعلّم الأحكام، من واجبات ومحرّمات وتعلّمها الآخرين أيضاً. كلّ إنسان لا محالة سيموت ويرحل من هذه الدنيا، ولا تنفعه إلا أعماله الصالحة. )إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا([28].
الثانية: إقامة الدين. ورد في زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه: «أشهد أنك قد أقمت الصلاة» ومعناه أن الإمام لم يكتفِ بأداء الصلاة بل أقامها أيضاً.
فعلى كلّ واحد منا أن يسعى من أجل أن يقوم الدين في المجتمع بحيث يندر وجود الفرد غير المتدين وغير الصالح فيه. ومن الأعمال التي تساهم في خلق أرضية كهذه تشكيل لجان مختلفة من قبيل لجنة الزواج، ولجنة حلّ النزاعات، ولجنة القرض الحسن و....
لقد عانى الشيعة من الإقصاء والمحاربة منذ صدر الإسلام وفي كل مكان، ولكن النصر كان حليفاً لأفكارهم ومبادئهم لأنهم يتبعون أهل البيت سلام الله عليهم وهم الحقّ، والحقّ منصور أبداً.
نحن الشيعة تقع على عاتقنا مسؤولية تعريف أهل البيت سلام الله عليهم للعالم، لأن كثيراً من الناس لا يعرفون أهل البيت سلام الله عليهم حقَّ المعرفة.
روي عن أميرالمؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «رأي الشيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام»[30]، الشباب يتمتعون بالقوة والنشاط، ولكن الأكبر سنّاً لهم خبرة وتجربة. فعلى الشباب والشابات أن يستفيدوا من هذه الخبرات من أجل توجيه طاقاتهم في سبيل نشر مبادئ أهل البيت سلام الله عليهم، فلو ضُمّت خبرات الشيوخ إلي طاقات الشباب كان عند ذلك الأثر البالغ.
هناك الكثير ممن يحبّون أهل البيت سلام الله عليهم ولكنهم غير مهتدين إلى نهجهم، نقل لي أحد الأشخاص أنه كان يحضر مجلساً في إحدى المناسبات الدينية، وبعد أن نزل الخطيب من المنبر، توجّه إليه شخصان فقال أحدهما يعرّف صاحبه: لقد كتب فلان ديواناً عن الإمام الحسين سلام الله عليه. ولما سألته عن اسمه تبين أنه ليس مسلماً، فقلت له: ما رأيك بالإمام الحسين سلام الله عليه هل هو شخص عاقل وإنسان جيّد؟ فاستاء من سؤالي وقال: ومن أعقل وأفضل من الحسين؟ قلت: أتدري أن الحسين سلام الله عليه قد ضحّى بابنائه وإخوته وأصحابه في سبيل الله تعالى؟ وإذا كنت تقرّ بأنه إنسان عاقل وأفضل من غيره، فلماذا لا تتبع مبادئه التي ضحَّى من أجلها وتكون مسلماً؟
فعلى من تقع مسؤولية هداية أمثال هؤلاء؟
إن من شروط النجاح في هذا السبيل الإخلاص والجد والتحلّي بالأخلاق الحسنة.
لقد خلق الله تعالى الإنسان وأعطى بيده إن أراد أن يكون صالحاً، أو أن يكون سيئاً ـ والعياذ بالله ـ أو متوسّطاً. فهذا الأمر بيد الإنسان سواءٌ كان رجلاً أم امرأة لا فرق.
فأبوذر صار «أباذر» باختياره، وهكذا «شمر» صار شمراً باختياره. وآسية امرأة فرعون صارت كذلك وبلغت الدرجة الرفيعة بإرادتها واختيارها، فرغم أنها كانت زوجة فرعون لكنها إختارت الطريق الصحيح، كما اختارت جعدة بنت الأشعث لنفسها تلك العاقبة السيّئة حيث سمّت الإمام الحسن سلام الله عليه، السبط الأكبر لرسول الله صلّى الله عليه وآله.
وهكذا هو الحال في الدنيا، فكلّ ما في الأمر هو أن يختار الإنسان الطريق الصحيح.
فإذا صمّم الإنسان أن يكون جيداً فإنه سيُوفّق لذلك، ويحصل ذلك إذا إلتزم بثلاثة اُمور:
1. الإخلاص.
2. السعي والعمل. فحريّ بالمؤمن أن يكون مليئاً بالسعي والنشاط، وأن لا يضيّع عمره بالبطالة، ولا يبيعه بالتوافه لأن عمر الإنسان أغلى ما يملك. فكما أن الذي يملك قطعة أرض لا يبيعها بثمن بخس، فكذلك ينبغي للإنسان أن يعرف قدر عمره أكثر وأن يصرفه في الأفضل.
3. الأخلاق الحسنة، إسعين لأن تكون أخلاقكن حسنة مع الجميع، مع الزوج والأولاد والكلّ.
هذه الأمور الثلاثة هي أركان الموفقية والنجاح.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: )أَقِيمُوا الدِّين([33]، وهذه المسؤولية تقع على عاتق الجميع رجالاً ونساءً. فتارة أمَرَ الله تعالى بالفروع أو المقدّمات فيقول: )أَقِيمُوا الصَّلاة([34]، أو )كُتِبَ عَلَيكُم الصِّيام([35] أو )وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ([36]... وتارة أمَر بالنتيجة: )أَقِيمُوا الدِّين(. وهذا أمر بأداء كلّ ما من شأنه أن يساهم في إقامة الدين، كأداء الواجبات الشرعية المتقدمة، وكذلك الدروس الحوزوية وبناء المساجد والحسينيات والمدارس، وطبع الكتب ونشرها، والخطابة والتأليف، والتبليغ واكتساب المعلومات والعلوم الجديدة وغير ذلك مما تكون نتيجته إقامة الدّين.
يقول الله تعالى: )إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ([37]. والدين يشمل العقائد والأحكام والأخلاق. يجب على الجميع العمل من أجل إيجاد مجتمع متدين؛ كلٌّ حسب ما أعطاه الله سبحانه من طاقات وإمكانات. ومن يقصّر فسيكون مسؤولاً أمام الله تعالى.نعم الإنسان وحده، لا يمكن أن يُوجِد مقدمات بناء المجتمع المؤمن في كلّ مكان، ولا يمكنه أن يسافر إلى كلّ البلدان ويُقيم فيها الدين، فهو معذور عمّا خرج عن قدرته، ولكن هذا لا يعفيه من العمل بقدر ما تيسَّر له. كان يعيش في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله قسّ نصرانيّ يسمّى «سنسن» لم يُسْلِم حتى مات، وكان عنده ولد واحد يسمى أعين أسلم ظاهراً لا قلباً، عقّب أعين عشرة أولاد وبنتاً واحدة، وكانت هذه البنت صادقة الإيمان ومن محبّي أهل البيت سلام الله عليهم، فكانت الوحيدة من شيعة أهل البيت في عائلتها. وكانت تسمى أم الاُسُوُد، وجاء في كتب الرجال أن هذه المرأة دعت كلَّ إخوتها إلى مذهب الحقّ، وبالفعل تشيّعوا جميعهم، وحسن تشيّعهم إلى درجة أصبح بعضهم من كبار ثقات الشيعة، وفي نسل هذه المرأة يوجد بعض المحدّثين والعلماء.
فمن أجل الموفقيّة، على الإنسان أن يلتزم بـ : الإخلاص، والإجتهاد بأن يعمل مجدّاً ويترك الكسل، لأن الدنيا دار عمل وعناء، ومن لا يعمل ويجدّ فيها لن يحصد في الآخرة سوى الحسرة والندامة.
والأخلاق: بأن يقتدي بأخلاق وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيته سلام الله عليهم، فيتحلّى بالصبر والحلم وغير ذلك.
فكل من تعمل بهذه الأمور الثلاثة أكثر، تبلغ درجة أعلى من التوفيق. وهذه الأمور لها ركن واحد وهو العزم والتصميم.
ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وآله رجلان؛ أحدهما عابد والآخر عالم. فقال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال: «إن الله تعالى وملائكته وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلّون على معلّم الناس».[39]
إن بمقدور كل امرأة مسلمة أن تنجح في تعلّم وتعليم علوم أهل البيت سلام الله عليهم، لتكون عاملاً في هداية النساء، والتاريخ يتضمّن الكثير من النساء اللاتي إرتقين إلى منزلةٍ من حيث العلم، والسعي في سبيل الله سبحانه وتعالى.
إن علوّ الهمّة في سبيل تعلّم علوم أهل البيت سلام الله عليهم يوجب النجاح في هذا الطريق.
إن العبادة من صلاة وصيام وحج وزيارة أهل البيت سلام الله عليهم، لا تكون عبادةً حقاً مالم تقترن بالعلم ومعرفة الأحكام. فقد يصلّي شخص لسنوات طويلة ولكن صلاته تكون باطلة، وهكذا بالنسبة إلى سائر العبادات، ومنها زيارة أهل البيت سلام الله عليهم، فـ : درجة قبول الأعمال منوطة بدرجة التفقه في الدين. رُوي عن الإمام السجاد سلام الله عليه: «لا عبادة إلا بالتفقّه»[41] .. فالذي يصلي لله سبحانه وتعالى، ولكنه في الوقت نفسه يقطع رحمه أو يأكل المال الحرام أو يعقّ والديه.. هل تبقى لمثل هذا الشخص عبادةً؟
رُوي أن النبي صلى الله عليه وآله نظر ذات مرة إلى بعض الأطفال وقال: «ويل لأطفال آخر الزمان من آبائهم» فقيل: يا رسول الله، من آبائهم المشركين؟ فقال: «لا، من آبائهم المؤمنين.. لا يعلّمونهم شيئاً من الفرائض، وإذا (تعلّم) أولادهم، منعوهم، ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، فأنا منهم بريء، وهم منّي براء»[42]!!
من الضروري للآباء والأمهات أن يهتمّوا بتربية وتعليم أولادهم، وأن لا تشغلهم شواغل الدنيا عن ذلك ما استطاعوا.
قبل زهاء 150سنة ولد شخص في عائلة مسيحية ونشأ مسيحياً ودرس العلوم المسيحية وصار قسيساً وحاز على مرتبة رئيس الكنائس فارتبط به أحد علماء الشيعة، وبعد مناقشات عديدة ومحاورات كثيرة استبصر هذا المسيحي وهُدي إلى التشيع وغيّر اسمه إلى محمد صادق وألّف كتاباً سمّاه «أنيس الأعلام في نصرة الإسلام» نقض فيه المسيحية وبيّن حقّانيّة الإسلام، وبسبب كتابه هذا اهتدى الكثير من المسيحيين إلى الإسلام.
إن ما قام به ذلك العالم الشيعي في هداية هذا المسيحي إلى التشيع هو أفضل مما لو كان قد اكتفى بالعبادة فقط.
لقد لاقى الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه الكثير من الظلم والإضطهاد بسبب تمسّكه بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه؛ كان منها نفيه إلى لبنان. لكنه استطاع وحده أن يزرع بذور التشيع هناك رغم معاناة الغربة وصعوبات المنفى في ظروف ذلك الزمان. إن طلب العلم والتبليغ وهداية الناس وإرشادهم كان في السابق أمراً صعباً بسبب بُعد الطرق والظروف الأمنية غير المناسبة وقلّة الإمكانات المادية، وبالخصوص في القارة الأفريقية ذات المساحة الواسعة والشاسعة مثالاً. أما اليوم فأصبح هذا الأمر سهلاً وميسراً نوعاً ما، وهذا ما يجعل المسؤولية الملقاة على عاتقنا أكبر وأعظم.فـ : من الجدير بالمرأة أن تجدّ وتجتهد في تعلّم أصول الإسلام وأحكامه وآدابه ومضامينه السامية ثم تسعى في هداية الآخرين بقدر استطاعتها وبقدر ما أوتيت من الإمكانات، وهذا الأمر بحاجة إلى الإخلاص والسعي والتحلّي بالأخلاق الفاضلة والإستقامة في سبيل رضى الله عزّ وجلّ.
يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «إن القرآن شافع مشفّع وماحِلٌ مصدّق»[45] أي يقبل الله تعالى شفاعته ويصدق شكايته.
للتعاطي مع القرآن الكريم أربع مراتب:المرتبة الأولى: تعلّم القرآن من جهة القراءة الصحيحة وتعليمها للآخرين.المرتبة الثانية: التدبّر في القرآن ومعرفة معانيه.المرتبة الثالثة: العمل بالقرآن.
المرتبة الرابعة: تطبيقه في المجتمع.
إن المرتبتين الأخيرتين أرفع من المرتبتين الأولى والثانية، فإنّ من عمل بالقرآن وسعى لتطبيقه في المجتمع فإن القرآن سيكون شافعاً له، وإنّ الله تعالى لا يردّ شفاعة القرآن. أما من كان قادراً على ذلك ولم يفعل فإن القرآن يشتكي عليه يوم القيامة وهو ماحِلٌ مصدَّق، كما في الحديث الشريف.
إن القرآن نور، فإذا وصل هذا النور إلى الناس عبر الطريق الصحيح ـ أي بالحكمة والموعظة الحسنة ـ فلاشكّ سيؤثّر فيهم. ولكن يلزم تهيئة الأجواء بحيث يؤثر في الآخرين فكما أنّ الغذاء الماديّ بحاجة إلى إناء نظيف يُقدَّم فيه ليرغب فيه الآخرون، فكذلك الغذاء الروحي لابدّ له من وعاء جميل ومؤثّر.
ذهب شخصٌ إلى أحد المراجع وقال له: نصحتُ فلاناً ولكنّه لم يقبل نصيحتي. فأرسل المرجع إلى ذلك الشخص وسأله: لِمَ لم تقبل نصيحة هذا؟ فقال: سله كيف نصحني؟ وتبيّن أن الطريقة التي نصحه فيها كانت سيّئة جداً.
إن الأنبياء والأئمة سلام الله عليهم ما كانوا ينصحون بالعنف والشدة بل بالأخلاق الحسنة.
إن شهر رمضان هو ربيع القرآن أي ربيع المراتب الأربع كلها؛ قراءةً وتدبّراً وعملاً وتطبيقاً في المجتمع. فينبغي استثمار هذه الفرصة في تعلّم القرآن والعمل على تطبيق أحكامه حتى يكون المجتمع كله قرآنياً. وعلينا أن نسعى في تعميم ثقافة القرآن بقدر الإمكان، ومن ذلك تشجيع الآخرين للحضور في الجلسات القرآنية التي تنعقد في هذا الشهر، وكلّ من يعمل أكثر فحسناته ستكون أكثر. قال الله تعالى: )وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ([46].
«دخل رجل على الإمام الجواد سلام الله عليهما وهو مسرور، فقال له الإمام: ما لي أراك مسروراً؟ قال: يا ابن رسول الله، سمعت أباك يقول: أحقّ يوم يسرّ العبد فيه يوم يرزقه الله صدقات وسدّ خلاّت من إخوان له مؤمنين، وإنه قصدني اليوم عشرة من إخواني الفقراء لهم عيالات، فأعطيت كلَّ واحد منهم؛ فلهذا سروري.
فقال الإمام سلام الله عليه: لعمري إنك حقيق بأن تسرّ إن لم تكن أحبطته أو لم تحبطه فيما بعد.
فقال الرجل: وكيف أحبطه وأنا من شيعتكم الخُلّص؟
قال: قد أبطلت برّك بإخوانك وصدقاتك.قال: وكيف ذاك يا ابن رسول الله؟قال: اقرأ قول الله عزّ وجلّ: )يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأذى(.قال الرجل: يا ابن رسول الله! ما مننت على القوم الذين تصدّقت عليهم ولا آذيتهم.
قال له الإمام: إن الله عزّ وجلّ إنما قال )لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأذى( ولم يقل لا تبطلوا بالمن على من تتصدقون عليه، [وبالأذى لمن تتصدقون عليه] وهو كل أذى، أفترى أذاك للقوم الذين تصدّقت عليهم أعظم، أم أذاك لحفظتك من الملائكة، أم أذاك لنا؟
فقال الرجل: بل هذا يا ابن رسول الله.
فقال: فقد آذيتني وآذيتهم وأبطلت صدقتك.
قال: لماذا؟ قال: لقولك (وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم) ويحك، أتدري من شيعتنا الخُلّص؟ قال: لا.قال: شيعتنا الخُلّص حزقيل المؤمن، مؤمن آل فرعون وصاحب يس الذي قال الله تعالى [فيه]: )وَجاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى( وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار، أسوّيت نفسك بهؤلاء؟ أما آذيت بهذا الملائكة، وآذيتنا؟فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فكيف أقول؟قال: قل: أنا من مواليكم ومحبّيكم، ومعادي أعدائكم، وموالي أوليائكم. فقال: كذلك أقول، وكذلك أنا يا ابن رسول الله. فقال الإمام سلام الله عليه: الآن قد عادت إليك مثوبات صدقاتك وزال عنها الإحباط»[48].لقد نهى الإمام في هذه الرواية عن قول أنا فعلت كذا وكذا. نعم قد يكون هذا القول جائزاً بل مستحباً إذا كان بقصد تعليم الآخرين، وهذا ما كان يفعله الأئمة سلام الله عليهم.
قال لي حاجّ أعرفه: بينما أنا ذاهب إلى بيتي في أحد الأيام وإذا بي أرى رجلاً مع زوجته وأطفاله جالسين في الطريق ويظهر عليهم أنهم أغنياء، فتعجّبت وسألتهم عن سبب جلوسهم في هذا المكان، فقالوا: نحن زوّار، وقد بحثنا عن مكان في الفنادق فلم نجد مكاناً فارغاً فاضطررنا للجلوس هنا.
فقال لهم الحاجّ: يمكنكم أن تأتوا معي إلى بيتي.
ففرحوا بذلك وأضمروا أن يعطوه الأجرة المناسبة آخر الأمر، وأنزلهم الحاج في بيته منزلاً كريماً حتى أقاموا عنده عشرة أيام ـ ولما أرادوا المغادرة قدّموا للحاج مالاً معتنى به لكنه أبى، وعندما ألحّ عليه ربّ العائلة قال الحاجّ: لقد جئت بكم إلى بيتي قربة إلى الله تعالى ولأنكم زوّار الإمام سلام الله عليه.
ومرّت على تلك القصة سنوات وابتلي الحاجّ بمشكلة في بلد ذلك الرجل الزائر فأودع السجن وكان ينتظر صدور الحكم عليه، وفي أحد الأيام دخل عليه ضابط وقال له: ألست فلاناً ومن البلد الفلاني؟
قال: نعم. ثم نظر إليه قائلاً: ألم تعرفني؟ أنا فلان الذي نزلت مع عائلتي عندك عشرة أيام. ثم قال: هذا حكمك بيدي وهو الإعدام. ثم مزّق ورقة الحكم وقال لي: يمكنك أن تنصرف! وأطلق سراحي.
فـ : الخير الذي يفعله الإنسان لغيره يعود إلى نفسه، وقد يراه الإنسان في هذه الحياة ولو بعد حين، مضافاً إلى ثوابه في الآخرة.
توفّيت إحدى النساء من أقاربنا، فرؤيت في المنام، فسئلت عن حالها؟ فقالت: إنني أتنعم بنعم الجنة. وعندما سئلت عن عمّتها (أم زوجها) قالت: هي أعلى مرتبة مني ولذلك يمكنها أن تأتي لزيارتي ولا يمكنني الارتقاء إلى مكانها لزيارتها إلاّ في بعض الأحيان. وعندما سئلت عن السبب قالت: لأن الله جعلني في درجة الصابرين أما هي ففي درجة الراضين بقضاء الله تعالى.
إن الرؤيا وإن لم تكن حجة ولكن الروايات تؤيد هذه الرؤيا فإن الرضا بقضاء الله أعلى مستوى من الصبر.
ابتلي أحد أصحاب المعصومين سلام الله عليه بمرض ففقد نظره في إحدى عينيه ولكن لم يكن الناظر يلتفت لذلك. واستمر على هذه الحالة أربعين سنة دون أن يخبر حتى زوجته بالأمر. وفي أحد الأيام اشتكى عنده أحد الأصحاب ألماً في عينه، فقال: إني مصاب بفقد إحدى عينيّ منذ أربعين سنة دون أن أخبر أحداً، وإني إذ أقول ذلك لك الآن لتعرف معنى الصبر ومعنى الرضا بقضاء الله تعالى.
أنتن أيضاً يمكنكن أن تصلن إلى ذلك المستوى الرفيع. وشهر رمضان المبارك خير فرصة لتغيير أنفسنا، خاصّة ليلة عيد الفطر ـ التي في الرواية أنّ الله تعالى يعتق فيها بمقدار مجموع ما أعتق خلال هذا الشهر العظيم ـ وهذا بحاجة إلى عزم وتصميم.
قال الله عزّ وجلّ: )فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ¼ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ([50].
المثقال مصدر ميميّ من الثقل، والآية لم تتحدث عن حجم الذرة بل عن وزنها، فكما تعلمون يمكن رؤية حجم الذرّات السابحة في الهواء، ولكنها من حيث الثقل والوزن خفيفة جداً لدرجة يمكن ملاحظة حركتها حتى في الأماكن التي لا تكون حركة أمواج الهواء فيها محسوسة؛ وذلك لأنّه حتى الأمواج القليلة جدّاً وغير المحسوسة للهواء تحرّكها.
إنّ جميع الأعمال من خير وشرّ هي بعين الله تعالى، وبسبب رحمة الله الواسعة فإنّ عمل الخير مهما صغر يكون له أجر وثواب. أما عمل السوء فإن الله تعالى يغفره بالاستغفار، ما لم يَكن من حقوق الناس؛ إلاّ إذا تنازل صاحب الحق عن حقّه فإن الله سبحانه يعفو أيضاً. فمثلاً تعتبر جراحات اللسان هي من الظلم، فلو جرحت زوجة بلسانها أم زوجها أو بالعكس، فإنّ التي جَرحت إذا أرادت أن تتوب إلى الله تعالى كان عليها أوّلاً أن تسترضي التي جُرحت، فعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إن ربّي عزّ وجلّ حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم»[51].
لنحاول أن لا نضيّع أعمالنا التي قمنا بها في شهر رمضان المبارك، ولا نفرّط بهذه الثروة التي ادّخرناها؛ بل ليكن همّنا مضاعفة هذه الثروة حتى شهر رمضان القادم؛ فإن الأعمال الصالحة ثروة الدار الآخرة التي كلّ يوم منها يعادل خمسين ألف سنة.
أوصيكن بثلاث وصايا لها منشأ قرآني، كما كان أخي المرحوم قدس سره يؤكّد هذه الوصايا أيضاً:
الأولى: تتعلق بتعلّم وتعليم علوم أهل البيت سلام الله عليهم وتأسيس الحوزات العلمية للنساء؛ قال الإمام الرضا سلام الله عليه:
«رحم الله عبداً أحيى أمرنا، فقيل: كيف يحيي أمركم؟ قال سلام الله عليه: يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا»[52].
الوصية الثانية: السعي في تسهيل أمور زواج الشابات والشباب العزّاب، وايجاد مؤسسات خاصة لهذا الغرض.
الوصية الثالثة: السعي لتأسيس مؤسّسات القرض الحسن ومساعدة الذين يعانون من مشاكل مالية. وفي هذا المجال يستطيع كل شخص أن يخطو بمقدار إمكانه المالي. هذه الخطوات حتى الصغيرة منها محفوظة عند الله تعالى )فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ([53].
يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «المرء حيث وضع نفسه»[55].
لقد كان حبيب بن مظاهر وشمر بن ذي الجوشن صديقين أو زميلين يسكنان مدينة واحدة، وعاشا سنين معاً، ولكن كُلاًّ منهما اختار طريقه بعد ذلك، والتاريخ مليء بعبرٍ كهذه، فمن يطالع التاريخ يجد ما أكثر الإخوة الذين افترقوا، فاختار أحدهم طريق الحقّ وأختار الآخر طريق الباطل. والسبب في ذلك أن الله تعالى أودع فينا جميعاً قوّتين متضادّتين وهما القناعات والرغبات. ولقد عُبّر عن الأولى في الروايات بالعقل وعُبّر عن الثانية بالشهوات. وما أكثر ما يقف الإنسان كل يوم على مفترق هذين الطريقين.
فمن قدّم في هذه المفترقات قناعاته على رغباته ـ أي عقله على شهواته ـ أفلح وفاز، ومن قدّم الرغبات والشهوات خسر وندم في النهاية وإن حصل على لذّات عاجلة في بعض الأحيان.
فإنما صار حبيب حبيباً لأنه فضّل العقل وحكّمه، وصار شمر شمراً ولُعن لأنه انقاد وراء شهواته وأهوائه.
إذاً يجب على كلّ منّا أن يتأمّل إزاء أيّ مسألة تواجهه، وينظر ما الذي يتعلّق في هذه المسألة بالقناعات وما الذي يتعلّق فيها بالشهوات والرغبات فقط؟
ربّما كُلّكُم سامعون أنّ شاميّاً رأى الإمام الحسن سلام الله عليه، فنال بكلامه منه فأقبل الإمام إليه فسلّم عليه وقال:
«أظنّك غريباً ولعلّك شبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وان كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعوَد عليك لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً».
فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: «أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت أحبّ خلق الله اليّ». وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل[56].
إنّ عمل الإمام سلام الله عليه ههنا هو ما يقتضيه العقل وإلا فإنّ النفس ميّالة على الردّ بالمثل.
وهذه القضيّة القناعات والرغبات توجد في داخل البيت وفي العائلة كل يوم أيضاً:
فقد تقول الزوجة إثر خلاف حصل بينها وبين زوجها: ما دام لا يقدّر أتعابي فإنني أيضاً سأهمله وأقاطعه. فهذا يعبّر عن رغبتها، أما كلامها الصحيح الذي ينشأ عن إلتزامها بالقناعة وحكم العقل، هو أن تقول: (إنّ المرأة يمكنها أن تهدي الرجل أيضاً وأن تساعد في إصلاحه، فلأ عمل ذلك من خلال سلوكي الحسن معه).
مثل هذه المرأة ستوفّق بعد عدة أسابيع أو أشهر على إشعار زوجها وتغيير سلوكه؛ في حين لو عملت وفق رغبتها وهواها لجعلت حياتهما مُرّة ولما حقّقت أيّ نجاح في تغيير زوجها، ولأبقته على حالته التي هو عليه.
وإذا لم تُوفَّق المرأة في تغيير زوجها رغم موقفها الإيجابي فإنها تكون قد إقتفت آسية بنت مزاحم التي كان زوجها (فرعون) من أسوأ الناس ولكنّ الله تعالى مدحها في كتابه فقال: )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ...([57].
ومما لاشك فيه أن ضرب المثل بامرأة فرعون يعني أن الله تعالى عرّفها كنموذج وقدوة. كما أنها ليست قدوة للنساء فقط بل للرجال أيضاً، فقد قال: )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا(، أي المؤمنين والمؤمنات جميعاً.
هكذا بالنسبة إلى الرجال أيضاً، فإنّ عليهم أن يتحلّوا بالصبر في المحيط العائلي في قبال الأمور التي قد تزعجهم ولا تعجبهم، وأن يحكّموا عقولهم بدل أن ينقادوا إلى حيث أهوائهم ورغباتهم المحضة. فإذا ملك الرجل نفسه إزاء بعض النواقص في الحياة، ولم يتصرف بالمثل إزاء بعض التصرفات غير المناسبة من زوجته، فإنه أيضاً سيوفّق لإشعار المرأة بخطئها والعودة عنه. ولاشك أنه لن يخسر شيئاً حتى في حال عدم تغيّرها، فإنه يكون قد عمل بواجبه وسيؤجر عليه في الآخرة.
لم يذكر لنا التاريخ أبداً أن الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه قد تصرّف بغلظة أو حدّة مع زوجته جعدة بنت الأشعث رغم أنها كانت في غاية السوء. وإن هذه الأخلاق الرفيعة والحلم الذي امتاز به الإمام الحسن سلام الله عليه يجب أن يكون درساً لنا، فإنّ الإمام هو القدوة الحسنة لجميع الناس.
هذه الأمور كلها بحاجة إلى ترويض وصبر، ولعلها تبدو صعبة في البداية، ولكن ينبغي أن يُعلم أن كل الطرق تبدأ بالخطوة الأولى، ومن يختار الطريق الصحيح فإنّ الله تعالى سيعينه.
من الأمور التي يجدر الالتفات إليها والتفكّر فيها منذ بداية سن الشباب، معرفة الشيء الذي يكون مصدراً للسعادة، فنصمّم على تحصيله لنكون من السعداء إن شاء الله تعالى. فالسعادة ليست بالمال، فما أكثر الذين عندهم أموال طائلة ولكنهم لا ينعمون بالسعادة بل لا ينامون نومة راحة.كما ليست السعادة بالعلم؛ فليس كلُّ من بلغ درجة عالية من العلم كان سعيداً فربّ شخصٍ انتحر وكان عالماً. وليست السعادة بالجاه والشهرة عند الناس، ولا النسب الشريف أو الحسب الرفيع.إن السعادة تتحقق إذا تحقق ما نقرأه في دعاء أبي حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين سلام الله عليه: «ورضّني من العيش بما قسمت لي»[59]، أي أن يرضى الإنسان بما قسم الله وقدّره له. وهذا لا يتنافى مع العمل، ولا يعني أن يجلس الإنسان ويقول: هذه قسمتي.من الأمثلة التي ضربها الله تعالى للرضا بما قسم امرأة فرعون؛ )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ([60]. فإن الله تعالى يطلب من المؤمنين أن يتعلّموا من هذه المرأة المؤمنة التي كانت تعيش في جوّ سيّئٍ جدّاً وابتليت بأنواع المصائب، فلقد كان زوجها فرعون طاغوتاً وظالماً لا يرحم الناس، حتى أنه لم يرحم زوجته وقتلها أخيراً.إنها عملت ما بوسعها من أجل تغيير الفساد ولكنها قُتلت على يد طاغوت زمانها وهو زوجها.إذاً على الإنسان ما دام يعيش في هذه الدنيا أن يسعى لإصلاح الفساد وأن يصبر على ذلك وعلى ما يعانيه في هذا الطريق ويرضى بما قسم الله سبحانه وتعالى له.
عزم أحد أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه على أداء الحجّ مع إحدى القوافل المتجهة إلى مكة، وتعلمون مشاقّ مثل هذه الرحلات في ذلك الوقت، والأخطار التي كانت تحيق بها، وكانت تستغرق شهوراً عدّة. في هذه الرحلة تطوّع ذلك الشخص ليأخذ على عاتقه مهمّة المحافظة على أمتعة المسافرين، وكان المسافرون يؤدّون الأعمال العبادية المستحبّة، وهو محروم من ذلك، فاغتمّ كثيراً، فشكى ذلك إلى الإمام الصادق سلام الله عليه، فقال له الإمام سلام الله عليه: «أنت أعظمهم أجراً»[62].
لقد ورد في الروايات أنّ «الصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف صلاة»[63] ، كما روي عن المعصومين سلام الله عليهم الكثير في ثواب بعض الأعمال؛ من قبيل الطواف حول الكعبة المشرفة، أو مجرّد النظر إلى الكعبة، لكنّهم مع ذلك وضعوا مسألة خدمة عباد الله في المقام الأول واعتبروها أفضل الأعمال وأشرفها.
يظهر من هذه الرواية أهمية خدمة الناس وعظمة ثوابها، فالله تبارك وتعالى يحبّ الذين يسعون في قضاء حوائج الناس وخدمتهم، فكيف إذا كان هؤلاء الناس من الأقارب، أو المؤمنين أو الفقراء والمحرومين.حاولن أن تشجّعن الآخرين على فعل الخير وخدمة الناس، واسعين لنشر هذه السنّة الحسنة بين الأفراد وفي كلّ مكان.
نقرأ في التاريخ أمثلة كثيرة عن أُسَر كان بعض أفرادها من أهل الجنّة وبعضهم لا فـ : نوح عليه السلام من الأنبياء ومن أهل الجنّة، وكان ابنه من أصحاب النار، وهكذا محمد بن أبي بكر ومصعب بن عمير وكثيرون كانوا من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته بينما اصطفّ آباؤهم مع أعداء أهل البيت ومعانديهم.
يجب على الإنسان ألاّ يتأثّر بالأشياء السلبية التي في محيطه وأن يربأ بنفسه عن تعلّم السلوك المنحرف للأفراد المحيطين به.
من تسعى دوماً في تعلّم أفعال الخير والصالحات، وتتمسّك بأهل البيت سلام الله عليهم، فإنّها بلا شك ستنجح في سعيها ولن تُحرم حسن العاقبة إن شاء الله تعالى.
ينبغي لكل فرد أن يسعى لبناء المجتمع من خلال بناء الأسرة الصالحة، إضافة إلى بناء الذات وتهذيبها، وأن يعمل على تخفيف أوزاره في هذه الدنيا، لأن كل إنسان سيكون مشغولاً في الآخرة بشأنه، ولا يكترث أيّ انسان بغيره، ولا ينفعه، كما أخبر الله تعالى: )يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ¼ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ¼ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ¼ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ([66].
يقول أحد الأشخاص: رأيت في عالم الرؤيا كأنّ القيامة قد قامت وحشر الناس للحساب وعندما جاء دوري للحساب أقبل الملائكة وحاسبوني أمام رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: لقد عملت كذا وكذا من الحسنات، واقترفت كذا وكذا من السيئات ولكن كفّة سيئاتك رحجت على كفّة حسناتك.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: أما استحييت من الله تعالى؟ لماذا عصيت الله تعالى بكلّ هذه المعاصي؟
فكان خجلي أمام رسول الله صلى الله عليه وآله أشد عليّ من العذاب، ففزعت من النوم وإذا بي مبتلّ من العرق ولكني شكرت الله تعالى على أن ذلك كان في عالم الرؤيا، وسعيت منذ ذلك الوقت على تغيير أعمالي.
ليُحاسب كلّ منا نفسه يومياً، ويسعى إلى تلافي ما كان منه من قبيح فعلٍ أو ظلمٍ أو نحوهما.
قال الله تبارك وتعالى: )الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ([68].
الإيمان يعني أن تعرف الله تعالى، وتعلم أنّه عادل وأنّه يجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وقد يعاقب العاصين والمذنبين. فالمؤمن يعلم أنه لا تضيع منه أيّه حسنة، وأن النتائج الطيبة لحسناته ستعود إليه يوماً، كما أنّ الأعمال السيئة ستعود عليه وتكون عليه حسرة.
العمل الصالح هو ذلك العمل الذي يُعجب الإنسان ويُحبُّ أن يعامَل به. مثلاً: على الأبناء أن يضعوا أنفسهم مكان الوالدين ويتعاملوا معهم كما يحبّون أن يتعامل معهم أبناؤهم في المستقبل. فكما نحبّ أن يعاملنا الآخرون بالمحبّة والرفق والصفح والتسامح والإنصاف، يجب علينا أن نعاملهم بالطريقة نفسها. فالإيمان والعمل الصالح ركنا السعادة في منظار القرآن الكريم، من يجمع فيه هاتين الخصلتين يكون سعيداً على كلّ حال وتكون عاقبة أمره إلى خير.
إنّ الدنيا دار المشاكل والابتلاءات، ولا يوجد في هذا العالم من تكون كل الأوضاع التي يواجهها في حياته مستساغة عنده، كما لا تجد شخصاً لا يعاني من أية مشكلة على الإطلاق.
لكن من يتحلّى بالإيمان والعمل الصالح يكون سعيداً، وسعادته لا تعني أنه لن تكون عنده مشكلة، بل تعني أن المشكلات لا تثنيه أو تقلقه أو تجعله كئيباً، ولا تتغلب على إرادته وحلمه وصبره وطمأنينته، بل تراه هو المتغلّب على المشكلات المختلفة.
جاء في القرآن الكريم: )أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ([70]، و)إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ([71].
عند المقارنة بين هاتين الآيتين المباركتين نرى أن الله تعالى أمرنا أن نفعل ما من شأنه إقامة الإسلام.
إنّ إقامة الإسلام تشبه إقامة عمارة أو بنيان؛ فالإسلام ثقافة ومجموعة من الأخلاق والعقائد والقيم والأحكام والآداب المختلفة في حياة الإنسان، وطائفة من الأوامر الفردية والاجتماعية والعبادية والسياسية والاقتصادية و...
والمقصود من إقامة الدين هو أن يكون بحيث يلتزم به جميع الناس كباراً وصغاراً؛ رجالاً ونساءً وأن يعملوا بأحكامه. فإقامة الدين أعمّ من فهمه، وهي تتطلب الإيمان والالتزام بعقائد الدين وتطبيق أحكامه جميعاً.
إنّ إقامة الدين تتطلب مقدّمات عدّة أحدها تعلّم العلوم الإسلامية وكذلك العلوم المتعلقة بها من قبيل اللغة العربية والبلاغة. فالمتظلع بالعلوم الإسلامية يمكنه أن يدخل المناظرة مع أصحاب الديانات الأخرى وخاصة علمائهم، فيهديهم إلى مذهب أهل البيت سلام الله عليهم أو أن يثبت لهم ـ على الأقلّ ـ بطلان عقائدهم ويتمّ الحجّة عليهم. )لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ([72].
سألت أحد الفضلاء الذين يعيشون في إحدى البلاد عمّا يقال من أن في ذلك البلد أعدّ المنحرفون عن مذهب أهل البيت سلام الله عليهم مليون ومئتي ألف كادر متعلّم لتبليغ مذهبهم الباطل؟ فقال: هذه الإحصائية تعود إلى ما قبل عدة سنوات. أما الآن فقد بلغ عددهم مليون وخمسمائة ألف تشكّل النساء أكثر من مئة ألف منهم.
للنجاح في مواجهة هذا المدّ السلبي لاشك أنه يجب أن يكون للشيعة أيضاً طاقات متعلّمة وكفوءة، ومقدمة ذلك هو تعلّم العلوم الإسلامية.
إنّنا لا نعرف عالماً شيعياً ترك مذهب أهل البيت واختار مذهباً آخر، في حين يوجد هناك الآلاف من علماء المذاهب الأخرى وبعد عمرٍ من الاتكاء على مسند التدريس والفتيا، استبصروا وتحوّلوا إلى مذهب التشيّع. وبعضهم حدث عنده هذا التحوّل الروحي المبارك بعد أن ناهز السبعين أو الثمانين من العمر.
من المسلّم أن الإنسان ما لم يكن عالماً لا يمكنه أن يناظر عالماً من مذهب آخر وأن يهديه إلى الصراط المستقيم.
لقد ناظر السيد محمد باقر القزويني علماء اليهود في مدينة ذي الكفل ـ في العراق ـ قبل حوالي مئة وخمسين سنة مناظرات انتهت إلى اهتداء ذلك العالم اليهودي إلى نور الإسلام والتشيع، وكان شيخاً كبير السن.
كما توجد في عالم السُّوق والاقتصاد ظاهرة باسم «الغش»، وتعرض سلع مزوّرة بدل السلع الأصليّة، فكذلك الحال في سوق العلم أيضاً، فما أكثر الحالات التي تزيّف فيها الحقائق ويلبس فيها الباطل لباس الحق، وتحلّ المغالطة محلّ البرهان والاستدلال الحقيقي.
وكما أن أهل الخبرة فقط هم الذين يستطيعون تمييز العقيق والياقوت والأحجار الكريمة الأخرى عن غيرها من الأحجار العادية، فكذلك العلماء الدارسون والضالعون فقط يمكنهم أن يفرّقوا في سوق العلم بين الحق والباطل، المغشوش والمزيف من النقي والأصيل.
إن الخسارة والغش في سوق المعنى أعظم بكثير من الخسارة في الأمور المادية. فلو أنّ أحداً اشترى ـ بدل العقيق ـ حجراً لا قيمة له بثمن غال من دون استشارة أهل الخبرة فإنه يكون قد خسر مبلغاً كبيراً من أمواله فقط، أما من ابتلي بالمغالطات المضللة فإنه سيخسر دنياه وآخرته. وصاحب العلم الكافي لا يقتصر ربحه على نفسه وكونه لا يغبن في سوق العلم، بل يحول دون ضلال الآخرين أيضاً.
ستواجهن في المستقبل مغالطات مختلفة تحتجن للإجابة عليها إلى القدرة العلمية الكافية. فيجب عليكن أن تطلبن العلم عدة سنين وتتباحثن فيما بينكن وتعزّزن من قدراتكن العلمية لئلا تشعرن بالعجز إزاء أية مغالطة قد تواجهكن، ولكي تجبن على الشبهات بأسلوب علميّ صحيح. ففي هذه الصورة وحدها توفّقن في نشر الإسلام وإقامة الدين.
إن عبارة «أقيموا الدين» أمر، والأمر يفيد الوجوب؛ أي يجب إقامة الدين. كما أن الله تعالى لم يقل أقيموا الدين في الحجاز أو إيران أو في مكان آخر، ما يعني أن في الآية إطلاقاً، وهذا يعني وجوب إقامة الدين في كل مكان من العالم.
من هنا يجب على كلّ إنسان أن يعمل حسب طاقته من أجل إقامة الدين في كلّ مكان. وهذا الواجب لا يقتصر على الرجال وحدهم، فالرجال والنساء فيه سواء، والمسؤولية مشتركة، فإنّ الأمر القرآني يشمل الرجال والنساء معاً. وما أكثر في التاريخ النساء اللواتي وقفن في وجه الشبهات والمغالطات ودافعن عن مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم وحمين المبادئ والمقدسات. ومن هنا فإنني أبارك لكنّ ما تنهضن به من دراسة العلوم الدينية وإعداد جيل قادر على الدفاع عن العقائد الحقّة وأتمنى لكنّ التوفيق.
من أهمّ الأمور التي يجب أن تنتبهن إليها وأنتن في بداية شبابكن ومقتبل عمركن هو كيف تصرفن أعماركن وفي أي مجال، بحيث لا تندمن عليها عندما تبلغن الخمسين والستين من العمر. فإن رضا الإنسان عن ماضيه وإحساسه بالسعادة له ارتباط بأمور عديدة تنشأ جميعها من اهتمام المرء بمعتقداته والعمل بها، وتركه للشهوات والأهواء.
إن الله سبحانه وتعالى خلق في باطن كل إنسان العقل وشهوات النفس. فكل إنسان يصدّق ـ تبعاً لعقله ـ أن الظلم قبيح وكذا الكذب وما شابه ذلك. ولكن إن رضخ لشهواته وأهوائه فإنه يقع في الظلم والكذب.
إن الظالمين والعاصين إن تأمّلوا لحظات مع أنفسهم حول ما يرتكبونه من الظلم والإثم لسخطوا على أنفسهم ولاموها. فأمثال هؤلاء يعلمون جيداً أن أفعالهم سيئة وإن لم يتفوّهوا بذلك لكن ما يمنعهم من العمل الحسن والطريق السويّ والإستماع إلى نداء الضمير هي الشهوات ومطامع الدنيا.
لقد تحمّل الإمام الصادق صلوات الله عليه الكثير من الظلم والأذى من حكّام بني العباس. وقد نُفي مرات عديدة إلى بغداد والكوفة والحيرة كما كان سلام الله عليه في فترات تحت الإقامة الجبرية.
عن يُوسُفَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ وَعَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَيَّارٍ عَن أَبَوَيهِمَا عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ العَسكَرِيِّ عَن آبَائِهِ عَنِ الصَّادِقِ سلام الله عليه فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ:
(إِنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَأُعجِبَ بِرَأيِهِ كَانَ كَرَجُلٍ سَمِعتُ غُثَاءَ العَامَّةِ تُعَظِّمُهُ وَتَصِفُهُ، فَأَحبَبتُ لِقَاءَهُ مِن حَيثُ لا يَعرِفُنِي. فَرَأَيتُهُ قَد أَحدَقَ بِهِ خَلقٌ كَثِيرٌ مِن غُثَاءِ العَامَّةِ، فَمَا زَالَ يُرَاوِغُهُم حَتَّى فَارَقَهُم وَلَم يَقِرَّ، فَتَبِعتُهُ فَلَم يَلبَث أَن مَرَّ بِخَبَّازٍ، فَتَغَفَّلَهُ فَأَخَذَ مِن دُكَّانِهِ رَغِيفَينِ مُسَارَقَةً، فَتَعَجَّبتُ مِنهُ، ثُمَّ قُلتُ فِي نَفسِي: لَعَلَّهُ مُعَامَلَةٌ. ثُمَّ مَرَّ بَعدَهُ بِصَاحِبِ رُمَّانٍ فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى تَغَفَّلَهُ وَأَخَذَ مِن عِندِهِ رُمَّانَتَينِ مُسَارَقَةً. فَتَعَجَّبتُ مِنهُ ثُمَّ قُلتُ فِي نَفسِي: لَعَلَّهُ مُعَامَلَةٌ، ثُمَّ أَقُولُ: وَمَا حَاجَتُهُ إِذاً إِلَى المُسَارَقَةِ؟! ثُمَّ لَم أَزَل أَتبَعُهُ حَتَّى مَرَّ بِمَرِيضٍ فَوَضَعَ الرَّغِيفَينِ وَالرُّمَّانَتَينِ بَينَ يَدَيهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ( الصادق سلام الله عليه) أَنَّهُ سَأَلَهُ عَن فِعلِهِ فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ جَعفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ؟ قُلتُ: بَلَى. فَقَالَ لِي: فَمَا يَنفَعُكَ شَرَفُ أَصلِكَ مَعَ جَهلِكَ؟ فَقُلتُ: وَمَا الَّذِي جَهِلتُ مِنهُ؟ قَالَ: قَولُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثالِها وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجزى إلاّ مِثلَها» وَإِنِّي لَمَّا سَرَقتُ الرَّغِيفَينِ كَانَت سَيِّئَتَينِ ولَمَّا سَرَقتُ الرُّمَّانَتَينِ كَانَت سَيِّئَتَينِ، فَهَذِهِ أَربَعُ سَيِّئَاتٍ. فَلَمَّا تَصَدَّقتُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهَا كَانَ لِي أَربَعُونَ حَسَنَةً فَانتَقَصَ مِن أَربَعِينَ حَسَنَةً أَربَعُ سَيِّئَاتٍ وَبَقِيَ لِي سِتٌّ وَثَلاثُونَ حَسَنَةً.
فَقُلتُ لَهُ: ثَكِلَتكَ أُمُّكَ، أَنتَ الجَاهِلُ بِكِتَابِ اللَّهِ. أَمَا سَمِعتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ» إِنَّكَ لَمَّا سَرَقتَ رَغِيفَينِ كَانَت سَيِّئَتَينِ وَلَمَّا سَرَقتَ رُمَّانَتَينِ كَانَت أَيضاً سَيِّئَتَينِ وَلَمَّا دَفَعتَهُمَا إِلَى غَيرِ صَاحِبِهِمَا بِغَيرِ أَمرِ صَاحِبِهِمَا كُنتَ إِنَّمَا أَنتَ أَضَفتَ أَربَعَ سَيِّئَاتٍ إِلَى أَربَعِ سَيِّئَاتٍ وَلَم تُضِف أَربَعِينَ حَسَنَةً إِلَى أَربَعِ سَيِّئَاتٍ. فَجَعَلَ يُلاحِظُنِي، فَانصَرَفتُ وَتَرَكتُهُ.
قَالَ الصَّادِقُ سلام الله عليه: بِمِثلِ هَذَا التَّأوِيلِ القَبِيحِ المُستَكرَهِ يَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ)[74].
إن ما غفل عنه ذلك المخالف هو أن الله تعالى يتقبّل أعمال من يتّقيه ويخافه، ولا يتقبّل التصدّق من مال السرقة، والمال الحرام.
إذن من يصمم على أن يعمل بما يُنير له عقلُهُ، ويتجنّب ما تملي عليه شهواتُهُ فإنه سيكون سعيداً وسوف يكون في المستقبل راضياً عن ماضيه وعلى ما أمضاه من عمره، ولا تتمكّن مشاكلُ الحياة أن تتغلّب عليه أو أن تؤدّي به إلى الانتحار، كما نسمع بين فترة وأخرى انتحار الثديّ الفلاني والطبيب الفلاني. فالسعادة هي أمر باطني وترتبط بداخل الإنسان وليست بالثروة والشهرة والجاه، أو بكثرة الأقارب والأصدقاء، أو بسلامة الجسم، أو بنيل المراتب العليا من العلم.
قد يكون هذا الأمر في بدايته صعباً، لكنه يسهل بالعزم والهمة القوية.
يُنقل أنّ المرحوم السيد مهدي بحر العلوم رضوان الله تعالى عليه قد حظي بشرف اللقاء مع مولانا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف مرات عديدة. ونقلوا عندما كان مرجعاً للتقليد سافر من النجف الأشرف إلى مدينة الحلّة. وحين وصوله للحلّة استقبله جماعةٌ من الناس وكان بعضُهُم يطلب من السيد أن ينزل في بيته. إلا أن السيد سألهم عن عنوان أحد كسبة المدينة، لم يكن أكثرهم ليعرفه. وبعد أن بحثوا عنه تبيّن أن الذي سأل عنه هو كاسب عادي وله دكان بسيط مكانٍ من أحياء المدينة. فأخبروه بأن السيد بحر العلوم يسأل عنك. ففرح الرجل وحضر عند السيد فقال له: هل تسمح لي أن أنزل في بيتك؟ فأجاب الرجل: أنت تمنّ عليّ بذلك لكن بيتي صغير وبسيط جداً ولا يسع لاستقبال من يريد اللقاء بك. فقال السيد: سأنزل وحدي في بيتك وأجعل اللقاء بالناس في مكان آخر.
أما النّاس فاعترضوا وقالوا للسيد: هذا المكان لا يليق بكم كونكم أحد المراجع الكبار. وأجاب السيّد عن اعتراض بعض المقرّبين إليه بأنّي: سأحضر في أيّ مكان تنتخبونه أنتم للقاء الناس. فوافقوا على ذلك بتعجّب.
ثم بعد فترة من الزمن سألوه عن سبب إصراره على النزول في بيت ذلك الكاسب العادي. فقال رحمه الله: لقد أمرني سيدي ومولاي الحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف بذلك.
قالوا: وهل سألت الإمام عن سبب ذلك؟ قال: أنا مطيع له ولا أسأله عن أيّ سبب.
قالوا: إن أهل البيت سلام الله عليهم كلامهم كلّه حكمة، فهل تستطيع أن تبين لنا سبب ذلك حسب قناعتك الشخصية؟
قال السيد: عندما كنت ضيفاً عند الرجل أحببت كثيراً أن أجد فيه ما كان سبباً في رعاية المولى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف له فوجدت حياته بسيطة وكان متديناً ملتزماً بالفرائض. وعندما قلت له أني أُمرت من قبل المولى عجل الله تعالى فرجه الشريف بالنزول في بيتك، تعجّب وفرح وبكى ثم قال:
إني كاسب بسيط وإن أترك العمل ليوم فسأنام ليلي جائعاً. ولكن سعيت قدر استطاعتي أن أحافظ على ديني وألتزم بأحكامه.
يقول السيد بحر العلوم: وبعد أن ألححت عليه ذكر لي ما اعتبره هو السّبب.
هذه القصة لا خصوصية فيها، فالجميع سواء كان رجلاً أو إمرأة، وشاباً أو كهلاً، قد أودع الله تعالى فيه قوّتين متضادتين إحداها المعتقدات والأخرى الأميال وهما من عجائب صنع الله سبحانه وتعالى. فكل واحد منّا يمكنه أن يحظى برعاية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وينال القرب منه بمقدار ما فضّل معتقداته على أمياله النفسيّة وشهواته.
هذه القصة حدثت قبل أكثر من قرن فيجدر بنا أن نعتبر بها وبأمثالها: )تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ([76].
إن الله تبارك وتعالى وعد من يعمل الخير والإحسان أن يريه نتيجة إحسانه ويثيبه ويؤجره بأفضل مما عمله: )مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا([78]. وقد يؤجر المحسن عاجلاً بحيث يدرك أن هذا الأجر هو نتيجة إحسانه، وقد يؤخّر له.
عن الإمام علي بن موسى الرِضا سلام الله عليه أنه: «ظهر فِي بَنِي إِسرَائِيلَ قَحطٌ شَدِيدٌ، سِنِينَ مُتَوَاتِرَةً، وَكَانَ عِندَ امرَأَةٍ لُقمَةٌ مِن خُبزٍ فَوَضَعَتهُ فِي فَمِهَا لِتَأكُلَهُ فَنَادَى السَّائِلُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ الجُوعُ، فَقَالَتِ المَرأَةُ: أَتَصَدَّقُ فِي مِثلِ هَذَا الزَّمَانِ؟ فَأَخرَجَتهَا مِن فِيهَا وَدَفَعَتهَا إِلَى السَّائِلِ، وَكَانَ لَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ يَحتَطِبُ فِي الصَّحرَاءِ، فَجَاءَ الذِّئبُ فَحَمَلَهُ، فَوَقَعَتِ الصَّيحَةُ، فَعَدَتِ الأُمّ فِي أَثَرِ الذِّئبِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَبرَئِيلَ عليه السلام فَأَخرَجَ الغلامَ مِن فَمِ الذِّئبِ، فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ لَهَا جَبرَئِيلُ عليه السلام: يَا أَمَةَ اللَّهِ. أَرَضِيتِ؟ لُقمَةً بِلُقمَةٍ»[79].
يجدر بالمرأة المؤمنة أن تبذل ما في وسعها دوماً لعمل الخير والإحسان إلى الآخرين، سواء كانوا عائلتها، أو غيرهم وحتّى الغرباء. فالله تعالى وعد المحسنين وفاعلي الخير بأجر مضاعف.
إن أعمال الخير لها درجات، فمنها حسن ومنها أحسن. والحلم هو في مراتب الأحسن ومعناه ضبط النفس عند الغضب. وفرق الصبر والحلم أن الأول هو ما كان خارجاً عن إرادة الإنسان كالصبر على فقدان الأحبّة وسائر البلايا الطبيعية، أما الحلم فهو خصوص الصبر على المسيء مع القدرة والاستطاعة على ردّه. ولأهمية الحلم نرى أن الله جلّ وعلا عندما يذكر النبي إبراهيم على نبينا وآله وعليه السلام، يصفه بالحليم: )إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ([80].
ليس الأفضل عند الله تعالى من صلّى أكثر أو صام أكثر، ولا من كان ثرياً أو صاحب جاه، أو ذا حسب ونسب معروف وما شابه ذلك. بل إن الأفضل هو من التزم بالتقوى في كل صغيرة وكبيرة كما قال الله سبحانه: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ([82].فهل الذي يعيش في بيئة نظيفة أو من يقوم يومياً بالتمارين الرياضية سيكون صاحب جسم سليم؟ بالطبع لا لأن هذه الأمور وحدها غير كافية. بل إن سائر الاُمور لها المدخليّة سلامة الإنسان.جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تسأله عن شيء وعائشة عنده، فلما انصرفت وكانت قصيرة أشارت عائشة بيدها تحكي قصرها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: تخلّلي! قالت: يا رسول الله وهل أكلت شيئاً؟ قال: تخلّلي، ففعلت فألقت مضغة من فِيها[83].
هذا الأمر سواء كان من معاجز رسول الله صلى الله عليه وآله أو غير ذلك فإنّه يدل على مدى سوء اغتياب الناس. وقد اعتبر الله سبحانه في كتابه الكريم الشخص المغتاب بأنه آكل لحم أخيه الميت: )وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ([84].
بالعزم والإرادة يستطيع كل فرد أن يتحلّى بالتقوى، وذلك ما أوصيكن بالعمل به دوماً لتنلن التوفيق في الدارين ويحشركن الله تعالى مع المتقين.
الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، يمكنه أن يكون من خير عباد الله سبحانه وإن عاش في أجواء غير صالحة. وخير مثال على ذلك هي آسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
تقول الآية الشريفة: )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ([86].
إن الله تبارك وتعالى يضرب المثل بزوجة فرعون التي كانت امرأة مؤمنة عاشت في بيت خالٍ من الصلاح، وهو بيت فرعون. وهي لم تكن خيّرة وصالحة فحسب، بل بلغت الذورة والقمة في الخير والصلاح، حتى جعلها الله عزّ وجلّ مثلاً يقتدى بها، للنساء المؤمنات، وللرجال المؤمنين، وذلك لقوله: )لِلَّذِينَ آمَنُوا(.
إن عبارة )الَّذِينَ آمَنُوا( تعمّ الرجال والنساء. فكأنّ الآية الكريمة تقول أيها المؤمنون تعلّموا من زوجة فرعون، وأيّتها المؤمنات تعلّمن منها.
من يولد في بيت صالح، ويتربى في بيئة صالحة، وينشأ في أجواء صالحة سيكون صالحاً، لكن قد يُتساءَل كيف يمكن لمن يعيش في أجواء غير صالحة أن يكون صالحاً أو يبلغ الذروة في الخير والصلاح كإمراة فرعون مثلاً؟
إن الذي مكّن امرأة فرعون أن تكون هكذا هو عزمها على الصلاح والخير، ونبذ الفساد والضلال. فالله تعالى منح كل إنسان قدرة يمكنه بها أن يرتقي القمة في الأخلاق والعقيدة والعمل.
إذا عزم الإنسان وصمّم وبنى أمره على أن يكون جيّداً وصالحاً، ويتحلّى بالفضائل والأخلاق الحسنة، ويلتزم بالقول السديد والعمل الصالح، فإنّه سينال التوفيق الإلهي. فالذين وفِّقوا في حياتهم كانوا مثلنا ومثلكم، رجالاً أو نساءً. فكان هناك بون شاسع بين أخلاق فرعون وأخلاق زوجته، لكن الذي أوصل امرأة فرعون إلى تلك المرتبة السامية، ووفَّق الآخرين ـ من أمثالها ـ في حياتهم هو العزم والتصميم على الخير والصلاح.
أنتن أيتها المؤمنات استفدن من كل فرصة وخصوصاً فرصة زيارة العتبات المقدسة للعزم والتصميم على فعل الخير وحُسن الخلق. فلتصمم الزوجة على أن تتعامل بالحسنى مع زوجها وإن كان يتعامل معها بسوء، فهو مهما أساء لن يبلغ مستوى فرعون في الإساءة. وهكذا بالنسبة للآباء والأمهات في تعاملهم مع أولادهم، وتعامل الأولاد مع آبائهم وأمهاتهم، والأرحام والجيران في تعاملهم مع بعض، سواء في الحضر أو السفر، فليبنوا أمرهم على الصلاح والخير، حتى يحظوا بالتوفيق والسعادة في الدارين.
إن منبع السعادة لكل إنسان هو شيء واحد لا ثاني له ولا ثالث وهو ما ذُكر في القرآن الكريم مكرّراً، وفي الأحاديث الشريفة كثيراً، ألا وهو الرضا بما قسم الله تعالى.
أصل السعادة هذا، وليس المال أو العلم أو الشباب أو الصحة أو الوظيفة أو الشخصية أو العشيرة أو الأقارب الكثيرين، أو السمعة الطيبة؛ بدليل أن هنالك العديد ممن توفّرت عندهم هذه الأمور ربّما أخذوا إلى طبيب الأعصاب، أو ربّما فيهم من يقدم على الانتحار ـ والعياذ بالله ـ .
كل إنسان يكون سعيداً بمقدار ما يكون له من رضا بما قسم الله سبحانه له. فإذا رضي مئة بالمئة، فهذا سعيد مئة بالمئة، وهكذا.
لقد أكّدت الآيات المباركة والأحاديث الشريفة هذا الأمر كثيراً. ففي دعاء الإمام زين العابدين سلام الله عليه الذي نقرأه في الأسحار من شهر رمضان المبارك والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، والذي لو قرأه الإنسان مرّة واحدة بتأمّل وتفهّم دقيقين فإنه يُرجى عند الانتهاء منه أن يكون مستجاب الدعوة عند الله تعالى، نقرأ في آخر سطر منه العبارة التالية: «ورضّني من العيش بما قسمت لي»[88].
إن الرضا بما قسم الله ليس معناه أن لا يسعى الإنسان في رفع مشاكله أو سدّ نواقص حياته، بل عليه مع ذلك أن يكون راضياً بما قسمه الله عزّ وجلّ له. فالذي يرضى بما قسم الله لا يتعرّض للأمراض، ولا يرقد في مستشفى الأعصاب ولا يقتل نفسه أبداً، وهذا أمر بالغ الأهمية. فيبغي لكلّ مؤمنة أن تعزم عليه، حتى يهنأ عيشها وتسعد بإذن الله تعالى.
قبل زهاء ثمانية قرون كانت امرأة اسمها (فاطمة) تعيش في جبل عامل بلبنان. وكان الجو السياسي الحاكم آنذاك في تلك المنطقة ضد أهل البيت سلام الله عليهم وكان ممتلئاً بالظلم والعنف، فكان الشيعة ينكّل بهم ويُذبّحون ويطاردون.
هذه المرأة هي بنت الشهيد الأول رضوان الله تعالى عليه صاحب كتاب (اللمعة الدمشقية) الذي قتل في سبيل الله تعالى ومن أجل الدفاع عن الإسلام والحق وأهل البيت سلام الله عليهم. وقد درست علوم أهل البيت عند أبيها وعند آخرين، فأصبحت عالمة جليلة.
لم تكن هذه المرأة إستثنائية في بنائها التكويني، ولم يكن لها مخّ مختلف عن الآخرين. وإن كان هناك امتيازٌ لهذه المرأة عن غيرها فهو استثناء في عزمها. فالمرأة المؤمنة والصالحة يمكنها أن تكون فقيهة وعالمة ومجتهدة وتصل إلى مرتبةٍ عُليا، وإن عاشت في جوّ خانق كجو جبل عامل آنذاك، وذلك بعزمها وتصميمها، وإن كان الطريق طريق ذات الشوكة ومليئاً بالمشاكل والصعوبات، فكما قيل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
إن الله تبارك وتعالى يأمرنا بإقامة الدين: )أَقِيمُوا الدِّينَ([91]. وإقامة الدين تتحقق بأن تكون أجواء المجتمع كلّها متدينة.
ورد في زيارات الإمام الحسين سلام الله عليه: «أشهد أنّك قد أقمت الصلاة» ومعنى هذا أن الحسين سلام الله عليه بتضحيته واستشهاده جعل الصلاة قائمة، فلولا تضحيته سلام الله عليه لقضى بنوأمية على الدين كلّه، فهم كانوا منكرين للإسلام كما قال يزيد: «فلا خبر جاء ولا وحي نزل»[92].
يُنقل عن أحد كبار المراجع رضوان الله عليه أنه كان يقول قبل صلاته: السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته. وعندما سئل عن ذلك قال: لولا الحسين لما صلّينا.
في عصر المعصومين سلام الله عليهم: فقد كان أخَوان هما محمد بن الفرج الرخجي وعمر بن الفرج الرخجي. وتربّى الأول عند أصحاب المعصومين فصار من ثقات أصحاب الإمامين الجواد والهادي سلام الله عليهما، وبواسطته وصلتنا الكثير من الأحاديث.
وكان مورد وثوق الأئمة سلام الله عليهم. فقد روى محمد هذا حديثاً قال فيه: كتب إليّ أبو جعفر (الجواد) سلام الله عليه: «احملوا إليّ الخمس فإني لست آخذه منكم سوى عامي هذا، فقبض سلام الله عليه في تلك السنة»[93] وكانت هذه من معاجز الإمام الجواد سلام الله عليه.
أما الثاني فتربّى في أجواء بني العباس فصار فاسداً ومن الظالمين لأهل البيت سلام الله عليهم وشيعتهم.
يُنقل عن شدة ظلمه لأهل البيت سلام الله عليهم أنه قال: أنفذني المتوكل في تخريب قبر الحسين سلام الله عليه فصرت إلى الناحية، فأمرت بالبقر فمرّ بها على القبور، فمرّت عليها كلّها، فلما بلغت قبر الحسين سلام الله عليه لم تمرّ عليه. فأخذت العصا بيدي، فما زلت أضربها حتى تكسّرت العصا في يدي، فو الله ما جازت على قبره ولا تخطّته[94].
هكذا تؤثّر أجواء المجتمع على تربية الفرد. فهذان أخوان تربّى أحدهما في أجواء متديّنة فصار مؤمناً صالحاً، والآخر تربّى في أجواء سيّئة فصار من الظالمين.
إن إقامة الدين تتحقّق بالعمل على تهيئة الأجواء الصالحة، وهذا بحاجة إلى مساهمة الجميع كُلُّ حسب طاقته.
ينبغي للجميع وخصوصاً الوالدين في فترة العطلة الصيفية أن يهتمّوا ويسعوا في إعداد أجواء صالحة لأولادهم، لكي ينشأوا كما أراد القرآن الكريم، ويحبّوا الصلاة فيقيموها، ويحبّوا الصيام فيصوموا، ويكونوا متخلّقين بالفضائل، ومجتنبين رذائل الأخلاق، ويعرفوا الواجبات فيعملوا بها، ويعرفوا المحرّمات فيتركوها.
سأل رجل أباذر رحمه الله: «كيف ترى حالنا عند الله؟ قال: اعرضوا أعمالكم على كتاب الله تبارك وتعالى»[96].
لتحاول كل واحدة منكن أن تواظب على قراءة القرآن الكريم صباح كل يوم ولو بضع آيات، وطبّقوا أنفسكن على القرآن الكريم.
مثلاً عندما تقرأ إحداكن قوله تعالى: )وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ([97]، فلتنظر هل هي حقاً تقيم الصلاة. وعندما تقرأ )وَآتُواْ الزَّكَاةَ([98]، تنظر هل تؤتي الزكاة. وعندما تقرأ: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ([99]، هل هي تتقي الله حقاً بمقدار استطاعتها وقدرتها. وعندما تقرأ: )أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ([100]، هل تشكر الله سبحانه ووالديها. وعندما تقرأ: )وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ([101]، فلتنظر مدى صلتها لأرحامها. وهكذا في بقية أوامر الله جلّ شأنه ونواهيه.
بمقدار تطبيق أنفسكن على آيات كتاب الله المجيد تكنَّ موفّقات في حياتكنّ وتنلن الدرجة عند الله عزّ وجلّ وتحظين بمقام القرب من أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
جاء في وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر: «يا أباذر من يزرع خيراً يوشك أن يحصد خيراً ومن يزرع شراً يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع»[103].
هذه موعظة رفيعة من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله للجميع. فكل ما يقوله الإنسان ويعمله يحصد مثله قريباً. فإن يقل الخير يسمع الخير، وإن يقل الشر يسمع الشر، وإن يعمل الخير يُعامل بالخير، وإن يعمل الشرّ يُصنع معه بالشر.
هذه من سنن الله تعالى في الحياة. فالذي يصل رحمه يتفضّل الله عزّ وجلّ عليه بطول العمر، والذي يقطع رحمه يبتر الله عمره ويبتليه بأمراض عديدة. والوالدان اللذان يهتمان بتربية أبنائهما يريان الخير في المستقبل من أولادهما، والأولاد الذي يصنعون البرّ بوالديهم يرون البر من أولادهم وذريّتهم. والذي يشكر نِعَم الله جلّ شأنه يزيد الله عليه من نعمه ومن يكفر نِعَم الله يقطع الله عنه نعمه.
فلتعزم كل واحدة منكن على أن يكون لسانها دوماً لسان خير لا لسان شر، حتى تسمع الخير، وأن يكون عملها الخير دائماً لا الشر حتى ترى الخير.
يقع أحياناً خلاف بين زملاء العمل، أو بين أفراد العائلة، أو بين الشريكين، أو بين الإخوة المؤمنين العاملين في الحسينيات والمؤسسات، وهذا أمر سيئ، ويجدر بمن يتمكّن أن يكون من الساعين في رفع الخلاف وتبديله إلى وفاق.
يقول الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه في آخر وصاياه لولديه الحسنين سلام الله عليهما: «أوصيكما ... وصَلاحِ ذَاتِ بَينِكُم فَإِنِّي سَمِعتُ جَدَّكُمَا صلى الله عليه وآله يَقُولُ: صلاحُ ذَاتِ البَينِ أَفضَلُ مِن عَامَّةِ الصَّلاةِ والصِّيَامِ»[105].
لاشك أن هذا ليس معناه أن يترك الشخص صلاته وصيامه ويلتزم بإصلاح ذات البين، وانما معناه أن الإصلاح بين الناس هو الأكثر أجراً.
هذه الوصية هي من الوصايا الأخيرة لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهي من الوصايا الثمينة والعظيمة وعميقة المعنى ينبغي للإنسان أن يقرأها ويحفظها ويسعى إلى العمل بها.
كل امرأة قد يكون في محيطها خلاف أو نزاع بين بعض النساء وغيرهنّ جراء وساوس الشيطان، فعليها أن تسعى للإصلاح وحلّ الخلاف، قدر إمكانها واستطاعتها. فالإصلاح بين الناس عمل مهم جداً وذو أجر عظيم.
قال الله تعالى: )يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ([107]. وقال الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية )يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ(»[108].
يجدر بمن حصل على التوفيق في شهر رمضان المبارك أن يعمل لكي لا يُسلب هذا التوفيق، كظلم الآخرين أو عقوق الوالدين وما شابه ذلك.
ثلاثة أمور مهمة أذكّركن للعمل بها:
الأوّل: الاستفادة من شهر رمضان الكريم وذلك بأن تواصلن على ما حصلتن عليه من توفيق في طول السنة.
الثاني: تزكية النفس. وهذا منوط بمحاسبة النفس كل يوم.
الثالث: هداية الآخرين. فأوصيكن أن تجعلوا شهر رمضان المبارك منطلقاً لهداية الآخرين إلى نور أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في حجة الوداع في مسجد الخيف: «إني فرطكم وإنكم واردون عليّ الحوض، حوض عرضه ما بين بصرة وصنعاء، فيه قدحان من فضة عدد النجوم، أَلا وإني سائلكم عن الثقلين. قالوا: يا رسول الله وما الثقلان؟ قال: كتاب الله الثقل الأكبر، طرف بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به لن تضلوا ولن تزلوا، والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، كإصبعي هاتين، وجمع بين سبابتيه، ولا أقول كهاتين، وجمع بين سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه»[109].
فالقرآن يعني أهل البيت، وأهل البيت يعني القرآن، وكل ما دعا إليه القرآن دعا إليه أهل البيت، وكلّ ما دعا إليه أهل البيت دعا إليه القرآن. فحاولن أن تبذلن الجهد في سبيل هداية الآخريات وتثقيفهن بثقافة أهل البيت، وشجّعن الأخريات لأن يكنّ عالمات في طريق أهل البيت سلام الله عليهم.
ورد في إحدى الأدعية الخاصة بزمن غيبة إمامنا المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف: «وجدّد به ما امتحى من دينك»[111].هذه الفقرة تشير إلى أن قسماً من أحكام الله تعالى وأوامره التي جاء بها الإسلام تنمحي، وسيجدد لها الحياة مولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بظهوره المبارك. فكلمة (امتحى) معناها المحو والفناء، والفناء غير التغيير.إن للدين مفهوماً واسعاً، وله ارتباط بكل أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية. فليس الدين الموعظة والجنة والنار فقط، فهذه الأمور جزء منه.
إنّ في الدين أحكام كل شيء حتى أحكام حركات الإنسان وسكناته، وما يختلج في ذهنه من نيّات وأفكار. فالدين هو مجموعة متكاملة وواسعة.
هذا المفهوم للدين وعلى مرّ القرون نالت منه أياد التبديل والتغيير والمحو، فمحت قسماً كبيراً من أحكامه فيجب علينا أن نلتفت لئلاّ نكون ـ والعياذ بالله ـ ممن يبدّلون أو يمحون أحكام الله تعالى.
أوصيكن بمطالعة سير النساء المؤمنات اللاتي عشن في صدر الإسلام وإحداهن الصحابية أسماء بنت عُميس.
هذه المرأة كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب، ثم بعد استشهاد جعفر في حرب موتة، تزوجت بأبي بكر وأنجبت محمداً، وبعد موت أبي بكر تزوجّت بالإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وولدت منه ولدين، أحدهما عون سلام الله عليه الذي استشهد في فاجعة كربلاء.
لو أن امرأة من نساء اليوم تعمل ما عملته أسماء بأن تتزوج بعد وفاة زوجها الأول والثاني، أتُحمد على ذلك أم تُذم وتُوصف بعديمة الوفاء؟
إن أسماء قد امتثلت لما شرّعه الدين والإسلام، لكن هذا الأمر الذي هو جزء من الدين يعتبره العرف قبيحاً ومخالفاً للقيم.
فهل زواج أسماء لثلاث مرّات يعدّ مغايراً لدين الله تعالى؟
كلا، لأن دين الله سبحانه يقول: عدا زوجات النبي صلى الله عليه وآله اللاتي حُرّم الزواج عليهن بعد الرسول، فإن باقي النساء يحلّ لهن أن يتزوّجن برجل آخر بعد وفاة الزوج الأول والثاني والثالث و...، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرجال أيضاً. فمولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه قد تزوّج بعد استشهاد الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها. إن كثرة مهر المرأة من الموارد المخالفة للدين ولسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولو يحضر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله اليوم بيننا تُرى أيَّ زواج يرضى عنه وأيّاً يستاء منه؟إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين أراد الزواج من السيدة خديجة سلام الله عليها لم يكن يملك شيئاً من المال ليجعله مهراً لها، لأنه كان ينفق كل الأموال التي تقع بيده ولم يكن يُبقى منها شيئاً. لكن السيدة خديجة التي كانت من أثرياء العرب، علمت بذلك فأرسلت له صلى الله عليه وآله مبلغاً قدره أربعة آلاف دينار من الذهب كي يعطيه إلى عمها مهراً لها. أما رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجعل من المبلغ المذكور مهراً لخديجة إلاّ ما مقداره خمسمئة درهم فقط، والباقي وزّعه على الفقراء والمحتاجين. في الواقع إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعمله هذا قد سنّ المهر القليل ليعمل به المسلمون. ومنذ ذلك اليوم صار (مَهر السُنّة) خمسمئة درهم.
لكن مما يبعث على الأسف أن امرأة لوكان اليوم مهرها (مهر السُنّة) فإنها لا تذكره لأحد خجلاً. فكثرة المهور صارت جزءاً من عادات وثقافة مجتمعاتنا ووصلت إلى حدّ أن كل من أراد العمل بسُنّة الرسول صلى الله عليه وآله فإنه يتعرض لضغوط كثيرة ممن حوله ومن مجتمعه. وهذا مورد من موارد محو دين الله.
ينبغي لنا جميعاً أن لا نعمل ما يستاء منه رسول الله صلى الله عليه وآله وإمام زماننا الحجة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف. فلو لم يترك الناس السُنّة النبوية هذه لما واجه الشباب والشابات الموانع الكثيرة في زواجهم، وما كانت تحدث هذه الكثرة من المشاكل والمعاصي. فاسعين في أن لا تكنّ ممن يزيد في حدّة هذه الأزمة. وإن لم تمتثلن لهذه السنة النبوية الشريفة فلا تلمن من يمتثل لها، فيتأذى الإمام منكنّ.
إن القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت سلام الله عليهم هما ضمانا سعادة العائلة والمجتمع. فإذا راعى الأبوان ما يلزم في تربية أولادهما فإنهما سوف يرتاحان ولن يواجها الكثير من المشاكل في المستقبل.
كما أن كُلاً من الزوجين لو أدّيا ما عليهما من الواجب الذي قرّره الدين كقوله تعالى: )وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ([112] فإنهما سيسعدان في حياتهما.
إنّ في الإسلام أنّ المديون الذي لا يملك من المال ما يمكنه أن يسدّد به ديونه فإنه لا يُسجن، وعلى الحكومة الإسلامية أن تعينه في تسديد دَينه. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «من ترك دَيناً أو ضياعاً فإليَّ وعليَّ»[113]. بينما في مجتمعاتنا يُسجن وكذا الكثير مما هو مخالف للإسلام وأحكامه.
أوصي المؤمنات، بأربعة اُمور:
1. تعلّمن أحكام الله سبحانه وعلمنها الآخرين وبالخصوص أولادكنّ. ويمكنكنّ الاستعانة بالرسالة العملية والكتب الفقهية المبسطة.
2. احرصن على تسهيل الزواج، وليكن الدِين وحُسن الخُلُق هما الملاك عندكنّ في الزواج، وليس المال، فسعادة الزوجين تتحقق في ظل الإيمان والتراحم وليس في الأمور المادية، واسعين في رفع موانع الزواج.
3. تعاملن مع أولادكنّ بالحكمة والموعظة الحسنة، وهيّئن لهم في البيت الأجواء الصالحة والحنونة، حتى يفصحوا لكُنّ عما يدور في فكرهم وما يختلج في صدورهم.
4. اسعين قدر ما تستطعن في سبيل إحياء المنسيّ من أحكام الدين، ولا تكنّ ممن يُعرض عن أحكام الله؛ فيستاء الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.
جاء في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وآله: «يا عليّ .. وأيم الله لئن يهدي الله على يديك رجُلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت»[115].
إن الدنيا وما فيها من مال ومقام وجاه وشخصية وكنوز وما شابه ذلك لا تزن عند الله شيئاً.
أما تبليغ الإسلام ورسالة أهل البيت سلام الله عليهم وإنقاذ الناس من الجهل والضلال وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فهذه الأمور من أفضل الأعمال عند الله سبحانه وأكثرها قيمة وقدراً، بل أفضل من كل ما تطلع عليه الشمس وتغرب، كما ورد في الحديث الشريف.
حاولن في شهري محرم الحرام وصفر الخير أن تملأن صحيفة أعمالكن بأفضل الأعمال وهي السعي في هداية الناس إلى نور أهل البيت الأطهار سلام الله عليهم، وهذا العمل بحاجة إلى مقدّمات ثلاث هي:
1. علم واسع: فعبّئن أنفسكن تعبئة علمية جيّدة. فالإنسان مهما يكن عالماً ومهما يدرس فإنه بحاجة دوماً إلى المزيد والمزيد من العلم والمعرفة. وقد خاطب الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وآله: )وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا([116]. وكلما كان للإنسان زخم علمي واسع كان أكثر توفيقاً.
2. أخلاق فاضلة: فالتزمن بأخلاق الإسلام كالصبر والحلم، مع كل من تتعاملن معها مسلمة كانت أو غير مسلمة. فكلما كان الإنسان أحسن خلقاً كان موفّقاً أكثر. وكلما كانت أخلاق القائم بهداية الناس أحسن اهتدى بسببه اُناس أكثر. وكانت أعماله أثمن وأكثر قيمة عند الله جلّ وعلا. وأوصيكن بهذا الصدد أن تقرأن المجلّد العشرين من موسوعة بحار الأنوار الذي تضمّن قصص إبتداء بعثة النبي صلّى الله عليه وآله، وما تعرّض له وهو أشرف الأولين والآخرين من شدائد نفسية وبدنيّة في سبيل هداية الناس وإرشادهم. واقتدين أيضاً في ذلك بالأئمة الأطهار. رُوي أنّ رجلاً نصرانياً قال للإمام الباقر سلام الله عليه: أنت بقر.قال: أنا باقر.قال: أنت ابن الطبّاخة.قال: ذاك حرفتها.قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذية.قال: إن كنت صدقت غفر الله لها وإن كنت كذبت غفر الله لك.
يقول الراوي: فأسلم النصراني[117].
يُنقل في أحوال الشيخ نصير الدين الطوسي رضوان الله تعالى عليه أنه ذات مرّة كتب له شخص رسالة تضمّنت السبّ والشتم. ومن جملة ما كتبه فيها: أنت كلب.
فأجابه الشيخ الطوسي: أنّ قولك كلب فهذا خطأ، لأن الكلب يمشي على أربع وأنا أمشي على رجلين. والكلب نابح وأنا ناطق.
كان بإمكان الشيخ الطوسي أن يعاقب ذلك الشخص بإشارة منه لأنه في حينها كان له موقع سياسي مهم، وكان من كبار علماء عصره، لكنه حلم عن ذلك الشخص.
3. تأسيس المؤسسات. هذا الأمر من الباقيات الصالحات. فلتسع كل واحدة منكن في تأسيس وإنشاء مؤسّسات ثقافية ودينية واجتماعية. وحاولن أن تهدين الأخريات بواسطة قلمكن علاوة على العمل واللسان، وذلك بالتأليف وإصدار المجلات، فهذا الأمر من جملة العمل المؤسساتي.
إن الهداية من أهم الأعمال عند الله سبحانه وأفضلها، وكان هدف مولانا سيد الشهداء الإمام الحسين صلوات الله عليه من تضحيته بدمه الطاهر وبمهجته الطاهرة يوم عاشوراء هو هداية الناس، كما في زيارته سلام الله عليه: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»[118].
إن بلوغ مراتب الإيمان العالية يستلزم بذل الجهود والمساعي، وغضّ الطرف عن كثير من اللذات الدنيوية. فإذا عزم المرء وصمّم وبنى أمره بصدق وإخلاص على أن يكون جيّداً وصالحاً، فإنّه سينال ذلك.
إن الصبر يعني تحمّل الصعوبات. والحلم يعني الصفح عن الجهلاء مع وجود القدرة على ردّهم. وقد عدّ القرآن الكريم الحلم من صفات المؤمنين.
كل واحدة منكنّ أنتنّ المحترمات يمكنها أن تصبح قدوة لسائر النساء بالعزم
والتصميم على الصلاح.