كان أخي المرحوم ـ المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره ـ كثيراً ما يشير إلى العناية التي أوّلاها الإسلام للمرأة، وذلك لكي تعي المرأة ماهية الإسلام، وحقوقها وواجباتها.. ولتقوم بتبليغ هذه الأمور المهمة للآخرين؛ حتى تتحقق الآية المباركة )لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ(.[2] حصلت معركة كبيرة وخطيرة جداً بين المسلمين والكفار، هي معركة حنين وقد أشار الذكر الحكيم إلى جانب من خصوصياتها، حيث تكاتف الكفّار لإنهاء أمر النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين دفعةً واحدةً. وقد اشتركت في تلك المعركة، إلى جانب الكفار، قبيلة بني سعد التي تنتمي إليها حليمة السعدية مرضعة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك شهدت المعركة شيماء أخت الرسول بالرضاعة، إذ كان العرب وقتذاك يحضرون معهم نساءهم في المعارك، ويجعلونهن في الجبهات الخلفية ليقمن بإسعاف الجرحى، وإلهاب حماس الرجال، لكي يصمدوا ويثبتوا؛ إذ هم يعلمون بأن لو تراجعوا، فإن نساءهم سوف يقعن أسيرات بأيدي الخصم.
وهكذا، فقد احتدمت المعركة، والتحم الجيشان، وأسفرت عن انكسار المشركين، وأسر النساء، بمن فيهن شيماء، فلما رأت نفسها وقد أسرت، راحت تصيح من بين النساء: يا محمد! أتعرفني؟ فأجابها رسول الله صلى الله عليه وآله: ومن أنت؟ قالت: أنا شيماء أختك في الرضاعة، أوَ يرضيك أن أكون في الأسيرات؟! وصارت تعاتب رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً، لكنه صلى الله عليه وآله لم يعاتبها على خروجها لقتاله، بل قال لها: أمّا أنا فأتنازل لك عن حقّي وحق بني عبد المطلب، وأعفو عنك، ولكن إئتي المسلمين واطلبي صفحهم، وأنا شفيعك في ذلك.. ففعلت بعد أن أعلمت المسلمين بأنها رضيعة النبي صلى الله عليه وآله، فعفوا جميعاً عنها.
ثم قالت شيماء لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنا جئت في نساء عشيرتي، أفأعود الآن وحدي؟ فما كان من النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين إلا أن عفوا عنهن، فعدن جميعهن وقد أسلمن.[3]
تفحّصن في التاريخ، غير تاريخ المعصومين والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، وأنظرن ما إذا كنتن ستجدن نظير هذه المواقف والقيم العظيمة!! إن أولئك المشركين كانوا يرومون اجتثاث الإسلام من جذوره، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله قابلهم بذلك الموقف النبيل.. هذا هو الإسلام الحقيقي؛ والله عزّ وجل يقول في كتابه الحكيم: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ([4]؛ فاللازم على مسلمي العالم أن يسيروا على هذا النهج. إن رسول الله صلى الله عليه وآله هو مظهر الإسلام وهو العارف حقاً بالإسلام، فكيف تعامل صلى الله عليه وآله مع المشركات اللائي ظاهرن الرجال على قتاله؟ أوَ ليس من المؤسف جداً أن لا تعرف نساء العالم هذا الدين العظيم؟! فأنتن المؤمنات عليكن أن تطالعن هذه القيم الكبيرة وتنقلنها إلى الآخرين.عليكن أن تعرفن بأن لديكن كنزاً وهو الإسلام، فإذا عرضتن مثل هذه الكنوز العظيمة في أوساط الكفار، وأحسّ هؤلاء بصدقكن، فسيسلمون ولو بعد حين. إن الإمام الرضا سلام الله عليه قد دعا بالرحمة لمن يعمل بخصلتين، هما: «يتعلم علومنا، ويعلمها الناس»[5].
من الضروري أن نضع برنامج عمل يوميّاً لأنفسنا، ونخصص ولو مقدار خمس دقائق نحاسب فيها أنفسنا، ونرى كم من العمل الحسن فعلنا في يومنا، فنزداد منه، وكم من العمل السيئ فعلنا، فنحاول أن لا نكرره؛ فقد ورد في الحديث الشريف: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كلَّ يوم»[7].
جاء في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله: «إنّ العبد لينال بحسن خُلُقه درجة الصائم القائم»[9].
(الصائم القائم) هو الذي يقضي نهاره بالصوم وليله بالسهر في العبادات.ولكن من كان حسِن الخُلُق مع أهله وأقربائه وأصدقائه ومع من يعرفه ومن لا يعرفه فإنّ الله تعالى يجعله في درجة الصائم، وإن لم يكن صائماً نهاره. وهكذا الذي ينام الليل ولا يسهر بالعبادة لكنّه حسن الأخلاق، فإنّه يبلغ درجة القائم الذي يقضي ليله بالعبادة ويكون مشغولاً بالدعاء والصلاة وقراءة القرآن من أوّل الليل إلى الصباح. لهذا ينبغي للمؤمنين أن يركّزوا على حسن الخُلُق وكذا المؤمنات، فالأب عليه بحسن الخُلُق مع زوجته وأولاده. والأُمّ عليها أن تكون حسنة الأخلاق مع زوجها وأولادها. وهكذا العمّ والعمّة والخال والخالة والأخ والأُخت والإبن والبنت؛ حتّى يسجَّلَ عند الله سبحانه وتعالى في قائمة الصائمين القائمين.
والزائرة أيضاً لمراقد أهل البيت سلام الله عليهم. إن كانت أخلاقها حسنة فإنّ مقامها عند المزور يكون أعلى.
فإذا أردتن قبول الأعمال والعبادة أكثر عند الله والقرب منه سبحانه، فعليكنّ أن تلتزمن بحسن الخُلُق.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «حَسِن الخُلق ذهب بخير الدنيا والآخرة»[11].إن الإنسان في أيّ بلد كان وفي أيّ عمل، فهو بين الخير والشر. ففي الإنسان دافعاً الى الخير وهو العقل، ودافعاً نحو الشرّ وهي النفس الأمّارة بالسوء. فإذا كان المرء حسن الخلق فإنّ دافع الخير عنده يغلب دافع الشر وسيكون نصيبه خير الدنيا والآخرة؛ بخلاف سيئ الخلق فهو لا دنيا له ولا آخرة.
أما كيف يكون الإنسان حسن الخلق، فهذا يرجع إلى كلمة واحدة يمكن لكل واحدة منكنّ أن تبدأ بالعمل بها من هذه اللحظة ومن هذا المكان الى آخر حياتها. والكلمة هي ما ورد في حديث لمولانا الإمام الرضا سلام الله عليه حيث قال: «إنما هي عزمة» والعزمة (بفتح العين) هي صيغة مبالغة ومعناها: العزم الأكيد. فأي واحدة منكنّ عزمت عزماً أكيداً على أن تكون ذات خلق حسن، فإنها تُوفّق لذلك. وحُسنُ الخلق هو أن يكون الإنسان صادقاً في الكلام، صابراً على المكاره، يلقى الناس دائماً ببشر الوجه وطلاقته، ويحلم عمن يسيئ إليه و... .
أنقل لكن رواية عن الامام الباقر صلوات الله وسلامه عليه، وهو حجة الله على الخلق والامام المعصوم الذي بيده مسير الكون كلّه بإذن الله عزّ وجلّ، فقد اعترضه شخص عادّي وقال له ـ حاشاه ـ : أنت بقر!، فأجابه سلام الله عليه: بل أنا باقر.[12]
هذا هو الحلم. فاذا انتقصكِ شخص ما فعليك أن تحلمي لتحصلي على خير الدنيا وخير الآخرة، وهذا بحاجة إلى العزم وهذه سُنة الحياة. فطالبة العلم إذا عزمت على أن تكون حسنة الخلق فستصبح عالمة، والزوجة إذا عزمت على ذلك ستكون محبوبة عند زوجها.
إنّ حسِن الخلق يكون محبوباً عند الله تعالى وعند الناس كافّة. ومن الخطأ التصور بردّ السيئة بالسيئة وإن كان هذا في نفسه جائزاً في الحدود الشرعية كما في قوله تعالى: )فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ([13]. لكن من كانت منكنّ تريد التوفيق وخير الدنيا وخير الآخرة والمحبة عند الله عزّ وجلّ وعند الناس، فلتردّ السيئة بالإحسان والحلم. فقد ورد في أحوال النبي صلى الله عليه وآله أن إحدى زوجاته اتّهمته تهمة شديدة في قضية ما، فلم يقابلها صلوات الله وسلامه عليه وآله بالمثل ولم يجبها، بل إنه اكتفى بنفي التهمة عنه فقط؛ علماً أن هذه الرواية نقلت عن أحد الأئمّة سلام الله عليهم ولم ينقلها غيرهم من سائر الناس، لأن النبي صلى الله عليه وآله لم ينقلها لأحد من الناس.[14] فينبغي تعلّم الفضائل هذه والخلق الحسن من رسول الاسلام صلوات الله وسلامه عليه، والقرآن الحكيم يقول: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ([15]. لقد رأيت الكثير ممن اتصف بالخلق الحسن من العلماء وغيرهم من سائر الناس كانوا موفَّقين في حياتهم وكانوا محبوبين عند الناس ولم يلقوا صعوبة في حياتهم.
إنَّ أيَّ فرد من أفراد الأسرة اذا كان حسن الخلق فإنّه سيكون محبوباً عند الجميع وسيقبل الله عزّ وجلّ أعماله، وإذا مات فسيترحم عليه الناس، أما صاحب الخلق السيّئ فإنه سيكون على العكس من ذلك تماماً.
لذا ينبغي لكنّ أن تعزمن على التحلّي بالأخلاق الحسنة لتنلن خير الدنيا وخير الآخرة.
من الأمور المهمة جداً والتي تجعل المرء قريباً من أهل البيت سلام الله عليهم وذا مقام ومنزلة عندهم هي محاسبة النفس كلّ يوم. فقد حثّ الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على ذلك كما في الحديث الشريف: «ليس منّا من لم يحاسب نفسه كل يوم فإن عمل خيراً استزاد منه، وإن عمل شرّاً استغفر الله وتاب إليه»[17]. إن الإنسان يتكلّم خلال اليوم والليلة كثيراً ويعمل كثيراً، فما أحوجه لأن يجلس وحده ويحاسب نفسه على ما قاله وعمله، ويتأمّل في صحيفة أعماله هل هي جديرة ومناسبة بأن تقدّم لولي الله تعالى مولانا بقيّة الله الأعظم المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف؟ فإن كان ما قدّمه جيداً يشكر الله عزّ وجلّ عليه ويصمّم ويعزم على المواصلة والاستمرار في أعمال كهذه. وإن كان ـ والعياذ بالله ـ غير مناسب؛ كغيبةٍ اغتاب فيها أحداً من الناس، أو أذى لمؤمن أو مؤمنة، أو قطع رحم، أو عقوقٍ للوالدين، أو بخس في المكيال والميزان، أو غشٍّ وأمثال ذلك، فلا يدع أموراً كهذه تعرض على وليّ الله الأعظم سلام الله عليه، بل عليه أن يبادر إلى الإستغفار والتوبة إلى الله تعالى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ينبغي على المؤمنات أن يتفرّغن في كلّ يوم أو ليلة ولو لدقائق ويراجعن ما قدّمن خلال الأربعة والعشرين ساعة الماضية من قول أو عمل صدرا منهنّ ويحاسبن أنفسهن على كلّ صغيرة وكبيرة. فكلما التزمت المرأة بمحاسبة نفسها كل يوم، كانت أكثر قرباً من أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين.
قال الله عزّ وجلّ: )إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا([19].
وعن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه قال: «ما أحسنت لأحد ولا أسأت إليه لأن الله تعالى يقول: )مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا([20][21].
إن مثل فاعل الخير والإحسان كمن يحمل بيده مصباحاً ويسير في ظلام الليل، فهو المستفيد أولاً من المصباح الذي يحمله وإن كان الآخرون يستفيدون منه أيضاً خلال مسيره. وهكذا من يوجّه ظلماً إلى أحدٍ فهو إنما يظلم نفسه في الحقيقة.
إضافة إلى الإحسان ثمة أمور ينبغي للمؤمنات أن لا يغفلن عنها، وهي:
1. الأخلاق مع جميع الناس.
2. صلة الرحم.
3. برّ الوالدين.
إنّ كثيراً من المشكلات التي يعاني منها المجتمع إنما تعود لغياب هذه الأمور الأربعة المتقدمة، ولو التزم الناس بهذه الأمور بنحو جيّد لحُلّت كثير من المشكلات وزالت.
كلّ الذين يتاجرون قد يربحون في بعض الأحيان وقد يخسرون، وتارة يكون ربحهم كثير كما أنه تارة تكون خسارتهم كبيرة، أمّا المتاجرة مع الله تعالى فمربحة دائمة وربحها كثير في كل شيء، كما أن خسارة المعرضين عن الله تعالى كبيرة جداً في يوم القيامة؛ قال عزّ وجل: )مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ([23].
والحسنة نوعان: الحسنة بين الإنسان والله تعالى، والحسنة بين الإنسان والإنسان. وفي النوع الثاني ينبغي أن يضع الإنسان نفسه موضع الذين يتعامل معهم فيحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، فيأتي بالحسنة، والذي يأتي بالحسنة في أعماله وتصرفاته وحياته سيكون ناجحاً وموفّقاً بنسبة ما أتى من الإحسان والخير.
صفتان، تقرّب إحداهما الإنسان الى الجنة وهي حُسن الخلق، وأخرى تقرّبه إلى النار وهي سوء الخلق. ويمكن ـ بل ينبغي ـ للإنسان أن يكون حسن الخلق سواء كان رجلاً أم امرأة، شيخاً أم شابّاً، تلميذاً أم أستاذاً، كاسباً أم تاجراً، عالماً أم عاملاً، وفي أية درجة كان وفي أية ظروف.
لقد عاشت امرأة فرعون في أسوأ الظروف ولكنها استطاعت أن تتحلّى بالخلق الحسن حتى ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا؛ قال تعالى: )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ...([25]. فلقد كان فرعون ظالماً وأمر بشقّ بطون النساء الحبالى وقتل أولادهنّ وهم أحياء، وبلغ به الطغيان أن ادّعى الربوبية، ولكن امرأته استطاعت رغم الظروف التي كانت تعيشها في بيت فرعون، أن تبلغ درجة من الإيمان وحسن الخلق بحيث ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا؛ فأمرهم أن يقتدوا بها، فاستطاعت أن تكون أفضل إنسانة في أسوأ الظروف.
إذن يمكن للإنسان أن يكون حسن الخلق حتى في أسوأ الظروف، ولكن لذلك شرط واحد وهو العزم؛ قال الإمام الكاظم سلام الله عليه: «هي عزمة» أي أن الأمر بحاجة فقط الى تصميمٍ على التحلّي بالخلق الحسن. فمن صمّم على أداء عمل وُفّق فيه، ولكن المهم أن يصمّم أولاً.
إذا أردتن أن تضمِنَّ الجنة، فلذلك طريق واحد وهو أن تتحلّين بالخلق الحسن، وهذا الأمر بحاجة إلى تسامح، فإنه طريق التوفيق.
ورد في رواية: «عَنْ عُبَادَةَ الْكُلَيْبِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَخِيهِ الْحَسَنِ سلام الله عليهم: قَالَ: رَأَيْتُ أُمِّي فَاطِمَةَ سلام الله عليها قَامَتْ فِي مِحْرَابِهَا لَيْلَةَ جُمُعَتِهَا، فَلَمْ تَزَلْ رَاكِعَةً سَاجِدَةً حَتَّى اتَّضَحَ عَمُودُ الصُّبْحِ، وَسَمِعْتُهَا تَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَتُسَمِّيهِمْ وَتُكْثِرُ الدُّعَاءَ لَهُمْ، وَلا تَدْعُو لِنَفْسِهَا بِشَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ لِمَ لا تَدْعُوِنَّ لِنَفْسِكِ كَمَا تَدْعُوِنَّ لِغَيْرِكِ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ الْجَارُ ثُمَّ الدَّارُ»[27].
توجد عندنا أدعية كثيرة عن أهل البيت سلام الله عليهم، ورد فيها دعاء الإنسان لنفسه ثم للآخرين مثل: «اللهم اغفر لي وللمؤمنين» و«اللهم اغفر لي ولأبي» وهكذا. لكن هذا الحديث المأثور عن مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها على صغر حجمه وقلّة كلماته ينبئ عن أمر مهمّ جداً وهو الإيثار في الدعاء.
إنّ كثيراً من الناس يستهون الدعاء لأنه يراه لا يحتاج إلى مال ولا جهود ولا وقت طويل. لكن سيدتنا الزهراء سلام الله عليها تعرف قيمة الدعاء وهو التكلّم مع خالق كلّ شيء والقادر على كلّ شيء وهو الله عزّ وجلّ معطي كلّ نعمة وصارف كل نقمة. لذلك سهرت سلام الله عليها بالدعاء لغيرها ولم تدع لنفسها.
لاشك أن كل واحد منّا بحاجة للدعاء كما في قوله تعالى: )قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ([28] وفي الحديث النبوي الشريف: «الدعاء مخّ العبادة»[29] والمخ هنا معناه الأساس، لكن أن يؤثر المرء غيره حتى في الدعاء فهذا من الفضائل الرفيعة والراقية جداً والتي لا نجدها إلا في كتاب الله تعالى وعند أهل البيت سلام الله عليهم. فهم علاوة على إيثارهم برزقهم وبالحاجات الدنيوية قد آثروا غيرهم على أنفسهم في الدعاء أيضاً.
فيجدر أن نتأسّى بهم ونتعلّم منهم إيثار غيرنا على أنفسنا حتى في الدعاء. فعلى المؤمنين أن يؤثروا أرحامهم على أنفسهم، وعلى الأولاد أن يؤثروا والديهم على أنفسهم، وعلى الوالدين أن يؤثرا أولادهما على أنفسهما، وهكذا الجيران والأصدقاء وزملاء العمل و...
إن هذا الخصلة من الإيثار تعود على الإنسان بأمرين:
الأول: إذا دعوتَ لغيرك فهناك مَلَك سيدعو لك بضعف ما دعوتَ لغيرك. فمن يريد الرزق والذرية الصالحة والتوفيق من الله تعالى فليدعُ بها لغيره حتى تعود عليه بأضعاف كثيرة.
الثاني: الإيثار له ثمرات وآثار إيجابية في الدنيا فضلاً عن مقامه الرفيع وأجره العظيم في الآخرة.
من الأمور المهمة التي ينبغي للمؤمن أن ينتبه إليها هو أن يتّخذ واعظاً لنفسه من نفسه، كما جاء ذلك في روايات عديدة ومنها:
ما رُوي عن الإمام أبي جعفر الجواد سلام الله عليه: «المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله عزّ وجلّ، وواعظ من نفسه، وقبول مِن مَنْ ينصحه»[31]. فعندما يهمّ المؤمن بعمل ما، عليه أن يتأمّل هل هذا العمل فيه رضا الله سبحانه؟ وهكذا إذا أراد الكلام وما شابه ذلك. ولا ينتظر الموعظة من غيره بل ليكون عقله هو الواعظ له.
جاء في ببت منسوب للإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه:
دواؤك فيك وما تشعر وداؤك منك وما تبصر[32] إن الله تعالى قد زوّد الإنسان بالعقل الذي إذا صمّم الإنسان على الاسترشاد به كثرت حسناته وقلّت سيئاته وشهواته وكان في أمان من مغريات الدنيا وأصدقاء السوء، وهذا هو معنى واعظ من نفسه. أما إذا لم يكن للإنسان واعظ من نفسه ـ يعني لم يرجع إلى عقله ـ فالشيطان له بالمرصاد وكذلك النفس الأمّارة بالسوء وبهارج الدنيا وأصدقاء السوء وتكون النتيجة ـ والعياذ بالله ـ وروده في المهالك.
التاريخ يحدّثنا عن كثير من الناس كانوا من العصاة ولكن عندما اتخذوا واعظاً من أنفسهم صاروا أتقياء ووفّقوا لكثير من الخير. ومنهم بعض أصحاب الأئمة المعصومين سلام الله عليهم. إذن باب التوفيق مفتوح أمام كلّ انسان وللمؤمنات أن يدخلن هذا الباب حتى ينلن الخير والسعادة.
لقد خلق الله الإنسان وخلق له العقل الذي هو نور، وخلق له في مقابله الشهوات، وهذان لا يجتمعان عادةً، فربما رفض العقل شيئاً ولكن النفس تريده. فالشخص المصاب بداء السكّري مثلاً ينهاه عقله عن أكل الحلوى لأنّها تضرّه، ولكنّ نفسه تشتهيها؛ والله تعالى يقول: )وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ([34].
فالشحّ بمعنى البخل، وإنّ النفس فيها البخل، وقد يكون البخل بالمال أو العلم أو أيّ شيء آخر لا تريد النفس إيصاله للآخرين. والله تعالى يريد منا أن نتجنب البخل وأن نحفظ أنفسنا منه لكي نصل إلى الفلاح. وهذا أمر ليس بالسهل بل يحتاج إلى عون. والدعاء نوع من العون ولكن علينا أيضاً أن نعمل حتى نصل إلى هذا المستوى وذلك بأن نصمم ونعزم حتى نستولي على صفة البخل خصوصاً في الأوقات المحرجة التي كثيراً ما يبيع الإنسان أصدقاءه بل حتى أولاده ووالديه ولا يستفيد من عقله بل يردد ما تقول له نفسه. ولذلك يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك»[35]. إذا أردنا الفوز والفلاح كان علينا أن ننتصر على نفوسنا. وشهر رمضان هو أفضل فرصة للنجاح في هذا المجال، طبعاً بعد الاستعانة بالله تعالى إلى جانب السعي والعمل؛ لأن الله تعالى يقول: )وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَى([36] ويقول: )وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ([37] والتي فُسّرت في الرواية بأهل البيت سلام الله عليهم. فعلينا أن نسعى في أيام الشهر الكريم شهر رمضان المبارك، لمعالجة شحّ النفس؛ عملاً بقوله تعالى: )وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(.
لقد منح الله تعالى الإنسان أمرين وهما العقل والنفس، فالعقل يعني القناعات، والنفس تعني الشهوات، فإنّ لكلّ إنسان قناعات نابعة من عقله، وشهوات تشتهيها نفسه، وغالباً ما يكون تضادّ بين ما يدعو إليه العقل، وبين ما تدعو إليه النفس وتشتهيه، والمطلوب من الإنسان أن يحكّم عقله في شهواته، وهذا هو الاختبار الذي جعله الله لكلّ فرد.
إنّ من يُعمل عقله وقناعته في أموره، يكون سعيداً في الدنيا والآخرة، أمّا من يقدّم شهواته على قناعاته، فإنه يصير شقياً في الدنيا والآخرة.
ورد في الحديث الشريف: «أحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها». والأخ في الحديث من باب المثال، فهو يشمل الأخت والرجل والمرأة والجيران، فإذا عمل الإنسان بهذا الحديث عند تعامله مع الناس وأحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، فلم يسبّ أحداً منهم لأنه لا يحب أن يسبّه أحد... فمثل هذا الشخص يكون سعيداً في الدنيا ومحبوباً عند الآخرين وعند الله تعالى.
ورد عن الإمام الكاظم سلام الله عليه: «لَيْسَ حُسْنُ الجَوارِ كَفَّ الأَذىٰ وَلكنَّ حُسنُ الجوارِ صبرُكَ على الأذىٰ»[40].
لا يختصُّ هذا الحديث الشريف على الجار فقط، بل يشمل الوالدين والأبناء والزميل والشريك وغيرهم.
فمثلاً: الإبنُ البار ليس هو الذي لا يجور على والديه بل الذي يصبر على جفاهم وأذاهم. وبحسب الحديث الشريف فإنّ الإنسان الجيّد والطيّب ليس الذي يمنع أذاه عن الآخرين فحسب، بل الذي يصبر على أذى الآخرين أيضاً.
إن حُسن الخُلق وضبط النفس عوامل مؤثرة في جذب الأفراد السيّئي الخلق أيضاً وتكون سبباً في تصحيح سلوكهم وتحوّلهم. فهداية الآخرين لا تأتي عن طريق النصائح الكلامية فقط بل ربّما يكون الصبر والحلم والعفو أكثر نجاحاً وأعمق تأثيراً.
جاء في الحديث النبوي الشريف: «أقربكم منّي مجلساً يوم القيامة أحسنُكم أخلاقا، وخيرُكم لأهله»[42].
في يوم القيامة حيث تنكشف الأسرار والحقائق، يكون القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله كاشفاً عن نسبة حسن خلق الشخص، فبمقدار ما يلتزم المرء بالأخلاق الحسنة سينال القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله.
ففي العائلة سيحظى بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله من كان أحسنهم أخلاقاً، وكذا في مجال الدراسة والعمل وما شابه ذلك، والعكس بالعكس أيضاً.
إن حسن الخلق هو أحد معايير تقييم عمل كل إنسان عند الله عزّ وجلّ وهو مرتبط بأيّام وساعات العُمر في كل مجال. فإذا عزم المرء على حسن الخلق سيوفّق، وإذا لم يعزم على ذلك كان التوفيق بعيداً عنه.
أنتن أيّتها المؤمنات اعزمن على الالتزام بالخلق الحسن في تعاملكن مع الجميع حتى مع من أساء إليكن حتى لا يكون مكانكن يوم القيامة بعيداً عن مقام رسول الله صلى الله عليه وآله.
جاء في الروايات الشريفة أنه في عصر إمامة مولانا الإمام موسى الكاظم صلوات الله وسلامه عليه خرج أخوان من مدينتهما وهما يريدان مكّة فاصطحبا الطريق إلى أن وصلا قرية، واختلفا فيها حول شيء ما، فتنازعا وتسابّا وتقاطعا، وأخذ كل منهما طريقاً غير طريق الآخر.
فجاء أحدهما ـ واسمه يعقوب ـ ودخل مكّة وكان مشغولاً بالمطاف، فبعث إليه الإمام الكاظم سلام الله عليه رسولاً وقال له: أتريد موسى بن جعفر؟ قال: نعم، قال: اتبعني.
«فلما رآه الإمام سلام الله عليه قال له: يا يعقوب قدمت أمس ووقع بينك وبين أخيك شرّ في موضع كذا وكذا، حتى شتم بعضكم بعضاً، وليس هذا ديني ولا دين آبائي ولا نأمر بهذا أحداً من الناس، فاتّق الله وحده، لا شريك له، فإنّكما ستفترقان بموت. أما إن أخاك سيموت في سفره قبل أن يصل إلى أهله، وستندم أنت على ما كان منك، وذلك أنكما تقاطعتما فبتر الله أعماركما. فقال له الرجل: فأنا جعلت فداك متى أجلي؟ فقال (الإمام): أما إن أجلك قد حضر حتى وصلت عمّتك بما وصلتها به في منزل كذا وكذا، فزيد في أجلك عشرون.
قال: فأخبرني الرجل ولقيته حاجّاً أن أخاه لم يصل إلى أهله حتى دفنه في الطريق»[44].
هذه القصة ذاتها تتكرّر في كل زمان ولكثير من الناس، فلا خصوصيّة لهذين الأخوين، وإن عاقبة عمل الشر خصوصاً عقوق الوالدين وقطع الرحم هي تقريب أجل المرء، وعمل الخير وخصوصاً برّ الوالدين وصلة الرحم ينسئ الأجل، كما ورد في الأحاديث الشريفة.
من المهمّ لكلّ فرد هو أن يعزم على عمل الخير مهما كان وبقدر ما يستطيع ويتمكّن، ولا يترك ذلك، سواء كان للوالدين أو الأقارب أو الجيران أو شركاء العمل أو غيرهم، ولا يتوانى في تقديم الخدمة لأيّ أحد من الناس.
ففي الحديث:
«... صنائع المعروف تقي مصارع الهوان».
ومن المهم أيضاً ترك عمل الشر من ظلم وإيذاء وما شابه ذلك، لأن عمل الشر يحيق بالإنسان ـ والعياذ بالله ـ كما في القصة التي ذكرنا. فعمل الشر يبتر العمر، وعمل الخير يمدّ في عمر الإنسان.
ما يصيب الإنسان أحياناً من بلاء أو مشكلة قد يكون تقديراً من الله تعالى لرفع الدرجة في الآخرة، وقد يكون لتقصير أو لمعصية أو لظلم أو لقطع رحم. فحاولن أن تعزمن على ترك الشر وإن كان صغيراً، فالعزيمة على ذلك تقلّل من عمل الشر. واعزمن على عمل الخير وإن كان صغيراً، فالعزم على ذلك يزيد من توفيق عمل الخير. وكل ما رأيتموه خيراً لكُنّ فاصنعن مثله لغيركن، وكل ما رأيتموه شراً لَكُنّ فاجتنبن فعله للآخرين.
إن الغضب أساس كثير من المعاصي والموبقات. فأكثر حالات الطلاق يكون أساسها الغضب، وأساس أكثر المشاكل بين الآباء والأولاد، وبين زملاء العمل، بل وظلم الحاكم للرعية هو الغضب. فيلزم ضبط النفس عن الغضب حتى لا تقع المشاكل ولا تُقترف المعاصي.
ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق سلام الله عليه قال: «سمعت أبي سلام الله عليه يقول: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله رجلٌ بدويٌّ فقال: إني أسكن البادية فعلّمني جوامع الكلام. فقال: آمرك أن لا تغضب. فأعاد عليه الأعرابي المسألة ثلاث مرّات، حتى رجع الرجل إلى نفسه فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بالخير»[46].
هذه الكلمة الواحدة من رسول الله صلى الله عليه وآله تكون سبباً لانتهاء الإنسان عن كثير من المعاصي.
من الصعب أن يملك الإنسان نفسه حين الغضب، ولكن يمكن ذلك بالعزم والتصميم. فالعزم مقدمة للتوفيق في كلّ مجال ومنه هنا. وبالعكس من لم يصمم على أن لا يغضب فإنه كثيراً ما يقع في المعاصي ـ والعياذ بالله ـ تجاه أقرباءه وأصدقاءه، وربما يؤدّي به إلى الانتحار أو قتل غيره.
في الحديث الشريف: «من طلب شيئاً ناله أو بعضه»[47].
لو إتفق أن ابتلي الإنسان بالغضب فينبغي له أن يستغفر الله تعالى أولاً، وثانياً يعزم على أن لا يغضب مرة أخرى. ليعش حياة موفّقة سعيدة.
إن الله تعالى جعل الراحة في الجنة، أما الدنيا فهي دار مشاكل. وكل إنسان مهما كان عنده من النعم في الدنيا لابدّ وأنه يشعر بنواقص في حياته. ومشاكل الدنيا أحياناً تصل إلى مستوى بحيث تضغط على نفس الإنسان كثيراً وقد يشتدّ الضغط حتى يبلغ ببعضهم إلى الانتحار ـ والعياذ بالله ـ أو تحطّم الأعصاب أو الجنون أو إلى مراتب قريبة من ذلك.
الدنيا لا تتغير طبيعتها، لأن الله سبحانه أراد أن تكون فيها المشاكل والمتاعب والمآسي ليختبر عباده، كما قال عزّ وجلّ: )وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ([49]، وقد يدفع الإنسان بعض المشاكل أو يرفعها بالصدقة والدعاء وصلة الأرحام وأعمال الخير لكن ما هو علاج بقية المشاكل؟
إن العلاج نجده عند أهل البيت سلام الله عليهم حيث كلامهم نور. رُوي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال لحمران بن أعين: «يا حمران انظر إلى من هو دونك في المقدرة؛ ولا تنظر إلى مَن هو فوقك في المقدرة، فإن ذلك أقنع لك بما قُسِمَ لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربّك»[50]. فالذي يشكو من الفقر ـ مع ما في الفقر من المشاكل الكثيرة ـ ينبغي أن ينظر إلى من هو أشدّ منه فقراً، من الجيران والأرحام وغيرهم من الناس، عندها سيرى أنه أفضل منهم، فيحمد الله تعالى على ما عنده وهذا يخفّف عليه شدّة الفقر. وهكذا من يعاني من المرض، أو المبتلى بالعدو أو بجار سوء، والرّجل المبتلى بزوجة سوء، والمرأة المبتلية بزوج سوء، والأب والأم المبتليين بأولاد سوء، والأولاد المبتلين بأب سيّئ وأم سيئة. فاللازم معالجة هذه الاُمُور بالنظر إلى من هم أشدّ منهم مشاكل أو دونهم في القدرة على دفع ما يعانونه.
كل واحدةٍ منكن أنتُنّ أيتها المؤمنات، لا بد أنها تعاني من مشاكل، متفاوتة في نوعها وشدّتها، فينبغي لها علاجها وذلك بأن تفكّر بأرحامها وأقاربها وصديقاتها وممن تعرفها وتنظر أي نعمة مفقودة عندهن وهي موجودة عندها، فهذا الأمر يخفّف عنها ألم المشاكل ان لم يزلها، أو يساعدها على نسيانها.
عليكن أن لا تنسين نعم الله تبارك وتعالى، وأدّين شكره على كل حال حتى لا يذهب إيمانكن. واعزمن وصممن على أن تعملن بوصية الإمام الصادق سلام الله عليه.
إن الإسلام من معانيه السلم والسلامة، في الدنيا والآخرة. فينبغي للمسلم أن يكون مصداقاً حقيقياً لما يدعو إليه الإسلام. ومن ذلك أن يسلم الناس من يده ولسانه. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه»[52].
من الممكن أن لا يتألّم شخصٌ من كلمة ما، لكن جاره يتألم منها، أو لا تتأذى امرأة من موقف ما، لكن تتأذى أمّها أو بنتها أو أختها أو قريبةٌ لها، فيلزم إجتناب كل ما قد يتأذى منه الآخرون.
من المهم جداً أن يعيش الإنسان مع غيره بحيث لا يخافون لسانه ويده. فكما يحبّ الإنسان أن يكون في مأمن من أذى الآخرين، كذلك يلزم أن يكون الآخرين في مأمنٍ منه. فينبغي أن لا تخاف الزوجة زوجها، ولا يخاف الزوج زوجته، وكلّ من البائع والمشتري لا يخاف إختلاس الآخر وغشّه وغبنه. وهكذا الأقارب والجيران والزملاء والوالدين مع الأولاد، والأولاد على الوالدين.
الأمر صعب جداً، لكن يسهل بالاعتماد على الله عزّ وجلّ، وبالعزم والتصميم.
كل إنسان في هذه الدنيا وبسبب تقلّبات الزمان يصاب بمشاكل مختلفة ومتنوعة، وخير ما يستعان به لحلّ المشاكل، والخروج منها بسلام هو الصبر.
عندما يتعرّض الإنسان للمشاكل والأزمات كابتلائه بالمرض مثلاً، أو الزوجة السيئة، أو الجار السوء، عليه أن يسعى في حلّها، ولكن بما أن الدنيا دار بلاء، ولا يمكن حلُّ كلّ المشكلات، كان من اللازم إنتهاج منهج الصبر، فإنّه من أهمّ أسباب التوفيق في الدنيا والسعادة في الآخرة.
رُوي عن الإمام الصادق عن أبيه الإمام الباقر سلام الله عليهما: «مرض الحسن والحسين سلام الله عليهما وهما صبيّان صغيران، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه رجلان فقال أحدهما: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذراً إنْ الله عافاهما. فقال: أصوم ثلاثة أيام شكراً لله عزّ وجلّ، وكذلك قالت فاطمة سلام الله عليها، وقال الصبيان: ونحن أيضاً: نصوم ثلاثة أيام. وكذلك قالت جاريتهم فضة. فألبسهما الله عافيته فأصبحوا صياماً وليس عندهم طعام. فانطلق عليّ سلام الله عليه إلى جار له من اليهود يقال له شمعون، يعالج الصوف فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير؟ قال: نعم، فأعطاه. فجاء بالصوف والشعير وأخبر فاطمة سلام الله عليها فقبلت وأطاعت ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً وصلّى عليّ سلام الله عليه مع النبي صلى الله عليه وآله المغرب، ثم أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها علي سلام الله عليه إذا مسكين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني مما تأكلون، أطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع اللقمة من يده ... وعمدت (فاطمة) إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.
ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته ثم أخذت صاعاً من الشعير وطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقرصة لكل واحد قرصاً، وصلّى عليّ المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم أتى منزله، فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها علي سلام الله عليه إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون، أطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع علي سلام الله عليه اللقمة من يده ... ثم عمدت فأعطته سلام الله عليها جميع ما على الخوان وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلاّ الماء القراح، وأصبحوا صياماً. وعمدت فاطمة سلام الله عليها فغزلت الثلث الباقي من الصوف وطحنت الصاع الباقي وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً، وصلّى عليّ سلام الله عليه المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم أتى منزله فقرّب إليه الخوان وجلسوا خمستهم فأوّل لقمة كسرها علي سلام الله عليه إذا أسير من أُسراء المشركين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا، فوضع علي سلام الله عليه اللقمة من يده ... وعمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعاً وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء.
وأقبل علي بالحسن والحسين سلام الله عليهما نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وهما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلى الله عليه وآله قال: يا أبا الحسن شدّ ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتي فاطمة. فانطلقوا إليها وهي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها. فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله ضمّها إليه وقال: وا غوثاه بالله أنتم منذ ثلاث فيما أرى فهبط جبرئيل فقال: يا محمد خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: )هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ...([54][55].
لاشك أن مولاتنا الزهراء سلام الله عليها كان باستطاعتها أن تطلب من الله تعالى رفع ما كانت تعانيه، والله سبحانه يستجيب لها. كما كان بإمكان رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدعو الله جلّ شأنه في شفاء سبطيه الحسن والحسين سلام الله عليهما، لكنهم سلام الله عليه فضّلوا التحمّل والصبر على ذلك.
ولأهمية الصبر فإنّ الله عزّ وجلّ قد ذكره في كتابه الكريم كراراً ومراراً، ومدح الصابرين وبشّرهم بالفلاح. )بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ¼ وَالْعَصْرِ ¼ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ¼ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ([56]. فكل من تصيبه مشكلة ولم يتمكّن من حلّها فعليه بالصبر.
إن الأجر الذي يُعطى للإنسان يوم القيامة، ومقام القرب من الله تبارك وتعالى في الآخرة، له ارتباط وثيق بمقدار صبر الإنسان في الدنيا. فبمقدار ما يصبر على مرارة الدنيا ومشاكلها، ينال الأجر والقرب من الله تعالى، فضلاً عن ما يحصّله من الثمرات في الدنيا، ومنها التوفيق في أموره كلّها.
كلُّ من يعمل في سبيل الله، ويجاهد نفسه، تشمله العناية الإلهية، وينال رضا الله تعالى، ورضا رسوله الأكرم وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويكون التوفيق حليفه في أموره وحياته كلّها، قال سبحانه وتعالى: )وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا([58].
فشخصان يعملان في مكان واحد، أيٌّ منهما بذل ما في وسعه في سبيل الله وجاهد نفسه أكثر كان مشمولاً للطف الله تعالى أكثر. فمن يذهب إلى السوق ولا يعزم على العمل فيه لن يوفّق في كسب شيء. ومن لم يعزم على المطالعة للامتحان لا ينجح، فهكذا من يسعى لنيل رضا الله تعالى وعنايته عليه أن يعزم يطبّق عزمه في الواقع وذلك بأن يسعى لأجل الله تعالى ويجاهد النفس لمرضاته حتى يوفّق.
إن الكثير من المشاكل والنزاعات التي تقع في العائلة أو بين والشركاء ونحوهم سببها أن كلاًّ من طرفي النزاع يتصور أن الطرف الآخر هو المقصّر بينما لو امتنع أحدهما عن ردِّ الآخر وغضَّ الطرف قليلاً عن سلوك طرفه المقابل لم تحصل تلك المشاكل؛ وهذا من مصاديق مجاهدة النفس.
إعزمن على العمل لله تبارك وتعالى وجاهدن أنفسكن دوماً لكي تنلن رضى الله جلّ وعلا وتوفيقه وتصبحن مصداقاً للآية الشريفة.
كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة سلام الله عليها فدخل عليها فأطال عندها المكث. فخرج مرّة في سفر فصنعت فاطمة سلام الله عليها مسكتين من ورق، وقلادة وقرطين وستراً لباب البيت لقدوم أبيها وزوجها سلام الله عليهما. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عليها، فعلمت أنّ النبي صلّى الله عليه وآله لم يرتح لتلك الأشياء لذا لمّا خرج بعثت بها إليه وهو عند المنبر، وقالت للرّسول قل له صلى الله عليه وآله: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول اجعل هذا في سبيل الله. فلما أتاه وخبّره قال صلى الله عليه وآله: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرّات. [وقال]: ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء.
الدنيا عبارة عن المال، والوجاهة في المجتمع، وصحة البدن وسلامته، والأولاد، وملذّات البدن كالمأكل والمشرب والمسكن وغير ذلك. هذه المجموعة ونحوها تسمّى الدنيا. والإنسان بطبعه ونفسه الأمّارة بالسوء عادة يركض وراء الدنيا.
إذا كان الهدف الأول والأخير للإنسان هي الدنيا ومتعلّقاتها فإن حياته ستكون حياة متعبة. أما إذا كان هدفه هو الله سبحانه وتعالى وأن يستفيد من الدنيا بمقدار حاجته فسيكون سعيداً في الدنيا قبل الآخرة. فقد ورد في الحديث القدسيّ: «إن الله عزّ وجلّ أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمك واخدمي من رفضك»[60].
إن السعادة هي الإطمئنان في النفس، وهو أمر غير مرئيّ لكن يحسّه الإنسان في أعماقه. فلا المال يولّد الراحة في أعماق الإنسان ولا الأهل ولا سلامة البدن وصحته ولا ما شابه ذلك، فقد تكون هذه الأمور مجتمعة وموجودة عند الإنسان لكنه ـ نفسياً ـ غير مرتاح، وقد يكون فاقداً لها ولكنه مرتاح نفسياً ويحسّ بالسعادة.
إن المؤمنين الصادقين، والمؤمنات الصادقات، هؤلاء سعداء في كل حال، سواء كانوا أصحاب مال أو لا، وسواء كانوا سليمي البدن أو لا، وكان لهم أولاد أو لا. وأناس كهؤلاء يعيشون عيشة هنيئة، ولا يبتلون بأمراض الأعصاب، ولاينتحرون، ولا يكفرون بنِعَم الله تعالى مهما تداكّت عليهم المصائب.
كل إنسانٍ في مجاله يمكنه أن يبلغ السعادة إذا لم تكن الدنيا هدفه وهمّه.
اعزمن أنتُنّ المؤمنات على أن لا يكون هدفكن هي الدنيا، وصممن على الارتقاء بأنفسكن في هذا الأمر أكثر وأكثر. وليكن هدفكن هو الله تبارك وتعالى عبر التمسّك بأهل البيت سلام الله عليهم الذين جعلهم الله الوسيلة إليه جلّ وعلا.
نقل في كتاب الكافي عن الإمام الصادق سلام الله عليه:
«مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِجَدْيٍ أَسَكَّ مُلقًى عَلَى مَزبَلَةٍ مَيْتاً فَقَالَ لأصحَابِهِ: كَم يُسَاوِي هَذَا؟ فَقَالُوا: لَعَلَّهُ لَو كَانَ حَيّاً لَم يُسَاوِ دِرهَماً. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَلدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللَّهِ مِن هَذَا الجَديِ عَلَى أَهلِهِ»[62].
إن الدنيا وما فيها من زخارف هي أهون عند الله من الجدي الأَسَكّ ـ وهو ولد المعز الميت المشوّه ـ . فينبغي للإنسان ـ وخصوصاً المؤمن ـ أن لا يتنازع أو يتخاصم لأجل حطامها، أو يهدر وقته لها إلا بمقدار الحاجة.
إن الشارع أمرنا أن نستفيد من الدنيا بمقدار الحاجة لا أكثر. فمثلاً يجب على الإنسان أن يلبس الثياب للستر وصوناً لكرامته، ويلزم أن يداري من يعيش معهم وما إلى ذلك، لأن هذه الأمور من ضروريات الحياة في الدنيا، أما أن يضيّع وقته وفكره وطاقاته وجهوده كلّها لأجل الدنيا فهذا مما لا يحبّذه الدين بل يمقته.
فعلى الإنسان أن يوبفّر على نفسه الراحة بمقدار الضرورة.
أما أن يـصرف وقته للدنيا ولغير الضرورة والحاجة التي قرّرها الدين فلا فائدة منه ولا طائل وراءه أبداً.
يجدر بالمؤمنات أن يعزمن ويصممن على عدم الاعتناء بالدنيا إلاّ بمقدار حاجتهن وما يوفّر لهن كرامتهن.
إن من أهم ميّزات المؤمن الصبر. فالمؤمن يصبر في طاعة الله تعالى، ويصبر عن المعصية، ويصبر مع زوجته، ومع أولاده وأرحامه وجيرانه وأصدقائه، والآباء يصبرون مع أولادهم، والأولاد يصبرون مع آبائهم، والأستاذ مع التلاميذ، والتلاميذ مع الأستاذ وهكذا.
إذا أصيب الإنسان بمرض في كليته مثلاً فعليه أن يسعى في معالجة نفسه، وإذا لم يرتفع مرضه كليّاً فعليه أن يصبر لا أن يجزع. وهكذا بالنسبة للزوجين إن كان أحدهما سيئ الخلق فعلى الآخر أن يسعى في إصلاحه فإن لم يفلح مئة بالمئة فعليه أن يتحمل ويصبر.
لا شك أن الصبر مرّ، ولكن فيه أمرين مهمين وإيجابين جداً:
الأوّل: لا ندم عليه ومستقبله حلو جداً.
والثاني: الإنسان الصابر يكون بعيداً عن مشاكل الدنيا ومشاكل الآخرة.
إن الصبر من أخلاق المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فاللازم على من يسير على هديهم أن يكون متحلياً وملتزماً بأخلاقهم وأن يوصي الآخرين بذلك قال عزّ وجلّ: )وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ([64].
روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه، في حديثٍ أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لذلك الرجل الذي سأله أن يعلمّه جوامع الكلام: «آمرُك أن لا تغضب» ثم قال الإمام الصادق سلام الله عليه:
وَكَانَ أَبِي يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنَ الْغَضَبِ؟ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَيَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ.[66]
إن الغضب مشكلةٌ في حياة كل إنسان، سواء كان رجلاً أو امرأة، عالماً أو جاهلاً، إذا لم يتحوّطها الإنسان جرّته إلى الويلات، وأحياناً إلى الجنون ودور المجانين، وأحياناً إلى ارتكاب الجرائم، وأحياناً إلى الانتحار. أما إذا ضبطها فإنه يسعد في الدنيا وفي الآخرة.
يلزم على الإنسان أن يعزم على ترك الغضب كلياً أو أن يسعى في التقليل من شدّته، وخصوصاً الوالدين في تصرفهم مع أولادهم، والأولاد في تعاملهم مع آبائهم، وهكذا في تعامل الأرحام بعضهم مع بعض والجيران والأصدقاء، لأن الغضب من أسس شقاء الإنسان في الدنيا والآخرة. لتعزم كل واحدة منكن على أن لا تغضب أبداً، واطلبن توفيق ذلك من الله تعالى، فإن عزمتنّ على ذلك فستحظين بالتوفيق إن شاء الله تعالى.
إن الله تعالى مالك كل شيء، ومنه سبحانه يبدأ كل شيء.
يقول الله عزّ وجلّ: )وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ([68]. إنّ سنّة الله عزّ وجلّ ثابتة لا تتغيّر ولا خطأ فيها فإذا كان الإنسان مطيعاً لله سبحانه وعَمِل صالحاً فإنه سيحصل على النتائج الحسنة في الدنيا والآخرة، وإن عصى الله ـ والعياذ بالله ـ وأساء التصرّف فإنّه سيخسر فيهما.
كان في السابق في العراق أخوان. وكان أكبرهما تاجراً ثرياً، أما الأصغر فكان يعمل عنده لأنه كان وضعه المالي ضعيفاً، وكان الأخ الأكبر بمثابة الوالد لأخيه فكان يدير وضعه ويرعاه. وقد عمل هذان الأخوان مع بعضهما لسنين وكأنهما شريكان، ولم يكن بينهما أي حساب. فالأخ الأصغر عاش وتزوّج وكوّن عائلة بمال أخيه الأكبر، الذي سمح لأخيه أن يأخذ من ماله كلما احتاج وبدون أن يستأذنه، ولم يعلم أحد بذلك حتى أبناؤهما، وبعد سنوات مات الأخ الأكبر. وحينما كان الأخ الأصغر مشغولاً بمراسم دفن أخيه كانت عائلة الأخير قلقة ومضطربة حيث كانوا يظنون أن العم سيضع يده على كل الأموال والممتلكات، لأنهم لم يكونوا يملكون مستمسكاً أو موثقاً يدلّ على ملك أبيهم للأموال والممتلكات، أو ما يدلّ على أن أباهم كان شريكاً لأخيه الأصغر.
ولكن بعد أيام زارهم العمّ وعزّاهم بوفاة والدهم وفاجأهم بقوله:
الناس يتصورون بأنّني وأخي المرحوم كنا شريكين ولعلّه أنتم أيضاً تتصوّرون ذلك، لكن الحقيقة هي أنّ هذه الأموال كلّها لأخي المرحوم، وأنا لا سهم لي فيها، لأني منذ البداية عملت معه بصفتي عاملاً له لا غير. وهذه مفاتيح المحلاّت والمتاجر وكل ممتلكات أبيكم أضعها بين أيديكم. فإن كنتم راغبين في أن أستمرّ على عملي هذا بصفتي عاملاً لأبيكم فسأبقى، أما إذا كنتم غير راغبين فسأجمع كل السجلاّت والأملاك وأُسلّمها إليكم غداً.
عائلة المرحوم الذين لم يكن بحسبانهم هذه المفاجأة وتقوى الله وحفظ الأمانة من عمّهم شرعوا بالبكاء وأجابوا عمّهم: من هو أفضل منك؟ ابق واستمرّ.
يلزم على الإنسان أن يكون صادقاً مع الله عزّ وجلّ قولاً وفعلاً. كما عليه أن يكون صادقاًً مع نفسه ومع الناس جميعاً، فللصدق آثار كثيرة. فالزوجان اللذان يكونان صادقين مع بعضهما ستكون حياتهما حياة خير وبركة.
إن الله سبحانه صادق مع خلقه، فعلى الإنسان أن يكون صادقاً مع الله عزّ وجلّ. فمن سنن الله تعالى الخير والثواب للصادقين.
جاء في الحديث: «إِنَّ اللَّه لا ينظُرُ إلى صُوَرِكُم ولا إلى أَموَالِكُم ولكن ينظُرُ إلى قلوبِكُمْ وأَعمَالِكُمْ»[69].
فالذي يصدق مع الله سبحانه وتعالى ومع والديه، وأولاده، وأقاربه، وأرحامه، وغيرهم، تكون حياته حياة حسنة، وتكون عاقبته إلى خير، ولا يكتب من أهل الشقاء، وسيعينه الله تعالى في أموره ويسعد في الآخرة.
إن الله سبحانه تعالى عالم بذات الصدور ولا تخفى عليه خافية، ويعلم مقدار صدقنا في القول والعمل، ففي هذه القصّة كان الأخ الأكبر صادقاً في علاقته وتعامله مع أخيه الأصغر، فكانت نتيجة صدقه أن تعامل أخوه الأصغر مع عائلته بالصدق والأمانة. وهكذا الأخ الأصغر بقى في عمله وعاش منعّماً بالأموال التي تركها أخوه الأكبر، وحصل على رضا عائلة أخيه المرحوم بسبب صدقه وحفظه الأمانة.
النّاس يعيشون في هذه الدنيا حياة تختلف عن الآخر. فواحد يعيش منعّماً مرفّهاً، وآخر يعيش حياة مليئة بالمشاكل. وبعدها يترك الكل هذه الدنيا وينتقلون إلى عالم آخر هو «عالم الآخرة». وفي عالم الآخرة كذلك تختلف حياة الناس، مع فارق أن الدنيا قصيرة وفانية أما الآخرة فهي باقية وأبديّة. فقد يكون الإنسان سعيداً في الدنيا والآخرة، وقد يكون شقيّاً فيهما. وقد تكون دنياه نكدة لكن آخرته جيّدة.
لقد خطّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله للناس طريقاً يوصل إلى السعادة في الدارين، حيث قال: «حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة»[71]. فكل انسان بمقدار حسن خلقه سيكون سعيداً في الدنيا والآخرة. ويمكن لمس ذلك بالنظر إلى حياة من حولنا من الأقارب والأرحام والأصدقاء.
إن السعادة إحساس يكمن في أعماق الإنسان وليست بالظواهر، من الصحة والسلامة، أو المال أو العلم أو الجاه والمنصب. فكثير من أصحاب الثروات والمناصب والرتب العلمية العالية يعيشون القلق والكآبة ومصابون بأمراض عصبية حادّة، وفي المقابل نجد أن كثيراً من الفقراء والمصابين بالأمراض المزمنة يعيشون السعادة في أعماقهم.
فهنالك من لا يجد لقوت يومه إلاّ الخبز لكنه يشعر بالسعادة وراحة البال، وغيره تبسط أمامه مائدة عليها أطعمة متنوعة لكنه لا يجد لذّتها.
نعم تحصل للإنسان بالعلم النافع السعادة، لكن ليس العلم دائماً يساوق السعادة.
إن حسن الخلق لا ينحصر بطلاقة الوجه بل إن للأخلاق الحسنة درجات ومراتب. فصممن على أن تعملن بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله بأن تكنَّ من الملتزمات بالأخلاق الفاضلة، والساعيات في تعليمها، حتى تحظين بالسعادة في الدارين.
رُوي: «أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله مرّ بقبر يحفر قد انبهر الذي يحفره، فقال له: لمن تحفر هذا القبر؟ فقال: لفلان بن فلان. فقال: وما للأرض تشدد عليك؟ إن كان ما علمت لسهلاً حسن الخلق. فلانت الأرض عليه حتى كان ليحفرها بكفّيه. ثم قال: لقد كان يحبّ إقراء الضيف، ولا يقري الضيف إلاّ مؤمن تقيّ»[73].
فكل امرئ مهما كان عمله ومهما كانت ظروفه إن تعامل مع الناس بالأخلاق الحسنة والمداراة والصدق فسيرى ثمرات عمله في عالم البرزخ قبل عالم الآخرة، وذلك أن قبره سيكون روضة من رياض الجنة. وبالعكس أيضاً إن كان تعامله مع الناس سيّئاً وظالماً فإنه سيرى وباله في القبر والعياذ بالله.
يلزم على المرأة أن تراعي الإنصاف والخلق الحسن مع والديها، وزوجها وأبنائها، وعائلتها، وأقاربها، ومع الناس جميعاً. وأن تتعامل مع الجميع بما تحبّ أن يتعاملن معها، وأن تكره لهن ما تكرهه لنفسها. ولا ننسى أن الحياة في الدنيا قصيرة، أما حياة الآخرة فهي أبديّة، وسعادة كل إنسان في الآخرة لها ارتباط وثيق بما يعمله في الدنيا.
رُوي عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنّه قال: «انظر إلى مَن هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى مَن هو فوقك في المقدرة فإنّ ذلك أقنع لك بما قَسَم الله لك وأحوى أن تستوجب الزيادة من ربّك»[75].
ما يستفاد من هذا الحديث الشريف هو أن من كان يعاني من ضعف مالي ينبغي له أن ينظر إلى من هو أشدّ ضعفاً منه فإن ذلك يسبّب له قلّة الهموم ويسهّل عليه تحمّل الصعوبات. وهكذا إن كان أحد مبتلى بمرض، أو يعاني من مشاكل مع زوجته أو أولاده، فعليه أن ينظر إلى من هو أسوأ منه حالاً كالمرضى الراقدين في المستشفيات، وإلى من يعاني من مشاكل أكثر منه. فلا يوجد في الدنيا من لا يعاني من المشاكل؛ فالله تعالى خلق الدنيا وجعلها «دار بالبلاء محفوفة وبالغدر معروفة»[76]، كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فكلمة (محفوفة) الواردة في الحديث معناها (محاطة). فالدنيا عُجنت بالمشاكل.
إن من ينظر إلى من هو أسوأ منه صحيّاً، أو أكثر منه مشاكل، أو أضعف منه مالياً، ستهون عليه مشكلاته وسيرتاح نفسياً وسيتجنب المعاصي، وسوف لا يقصّر في طاعة الله وعبادته، ويحظى بالتوفيق، ويستوجب من الله سبحانه وتعالى نعماً أكثر. فقد قال عزّ من قائل: )لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ([77].
أما بالنسبة إلى الآخرة فعلى الإنسان أن ينظر إلى من هو أكثر منه عبادة وطاعة حتى لا يعجب بنفسه. فالذي يصلّي نافلة الليل، أو يتحلّى بأخلاق حسنة عليه أن ينظر إلى من يصلّي نافلة الليل بحضور قلبيّ وانتباه وخشوع أكثر منه، وإلى من يتحلّى بأخلاق حسنة أكثر منه. وكل من تكون عنده هذه النظرة سيندفع إلى العمل أكثر وأكثر.
عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه قال: «من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان آخرُ يوميه خيرهما فهو مغبوط ومن كان آخرُ يوميه شرّهما فهو ملعون»[78].
إن الإيمان معيار القرب إلى الله تعالى، وأساس التوفيق في الدارين. وللإيمان درجات ومراتب ومعيار الإيمان الكامل هو حسن الخلق كما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلّى الله عليه وآله حيث قال: «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً». ففي العائلة من كان أحسنهم أخلاقاً كان أكملهم إيماناً، وقد يكون ذلك هو الأب أو الأم، أو أحد الأولاد، وكذا في مجال الدراسة والعمل وما شابه ذلك.
إذا التزم طالب العلم بالأخلاق الفاضلة إلى جنب تحصيل العلم فإن الله تعالى سيمنّ عليه بالتوفيق أكثر. وهكذا من يعمل في سائر المجالات، فعلى الإنسان أن يتحلّى دائماً بالأخلاق الحسنة مع الناس جميعاً. فكلما التزم بالخلق الحسن أكثر كان عمله أعظم أجراً وخدماته أكثر ثواباً.
إن الأخلاق الحسنة لا تنحصر بطلاقة أو بِشر الوجه، بل إن حسن الخلق مفهوم واسع تندرج تحته مجموعة من الفضائل كالصبر والحلم، والصدق، والتواصي بالحقّ وغيرها، ومستوى التزام المرء بهذه الفضائل يعيّن درجة حسن خُلُقه. فكلما كان التزامه أكثر كان حسن خلقه أعلى درجة، وأفضل مرتبة.
إن الذين تشرّفوا بلقاء مولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف في زمن الغيبة هم قليلون، وتختلف مستوياتهم. فكان فيهم المتعلّم والأمي، والشاب وكبير السن، والرجل والمرأة ومنهم العالم الكبير السيد بحر العلوم قدس سره، والحاج علي البغدادي الذي علّمه مولانا الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف كيف يزور الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين. ولكنهم اشتركوا جميعاً في خصيصة واحدة وهي أنهم كانوا أصحاب قلب سليم.
هنالك تلوث لايرتبط بالبدن واللباس ولا تظهر آثاره عليه وإنما يرتبط بروح الإنسان كمخالفة أوامر الله تعالى والغفلة واقتراف الذنوب والمعاصي هذه الأمور تلوّث القلب وتُظلمه.
قال الله تعالى في كتابه الكريم واصفاً أصحاب الجنة: )وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ([81]. والغلّ هو العداوة والضغينة والحقد والحسد. وهي رذائل باطنية يجب على المؤمنين أن يتجنّبوها لأن من أهم علامات القلب السليم خلوّه من هذه الرذائل.
يظهر من الروايات والأحاديث الشريفة أن أساس طهارة قلب المؤمن هو أن يحبّ لغيره ما يحبّه لنفسه وأن يكره لهم ما يكرهه لها، سواء كان هذا الغير زوجته أو أخاه أو من الأقارب والأرحام أو غيرهم. ومن ذلك اجتناب التفوّه بالكلام الجارح أو الكلمات النابية.
يجدر بالإنسان أن يصمم على أن يجعل من قلبه قلباً سليماً. ومن أسهل الطرق في ذلك أن يحاول الابتعاد عن الرذائل الباطنية لمدة أربعين يوماً. فهذه المدة تعين كثيراً على ترسيخ صفة القلب النقيّ في باطن الإنسان وتجعلها ملكة من ملكاته. فينال التوفيق الكثير من الله سبحانه وتعالى، وينال عنايته أكثر.
كان سعد بن معاذ ـ الذي أسلم على يد مصعب بن عمير رضوان الله تعالى عليه ـ من خيرة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد جاهد في سبيل نصرة الإسلام كثيراً، وأبلى بلاء حسناً، واستطاع أن يهدي قبيلته إلى الإسلام. وقد ذكر التاريخ في أحواله أنه لما مات شارك رسول الله صلّى الله عليه وآله في تشييعه ودفنه كما في الرواية:
أتي رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وقام أصحابه معه، فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب. فلما أن حُنّط وكفّن وحمل على سريره تبعه رسول الله صلى الله عليه وآله بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرّة ويسرة السرير مرّة، حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لحّده وسوّى اللبن عليه وجعل يقول: ناولوني حجراً، ناولوني تراباً رطباً؛ يسدّ به ما بين اللبن. فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوّى قبره قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
إني لأعلم أنه سيبلى ويصل البلى إليه، ولكن الله يحبّ عبداً إذا عمل عملاً أحكمه. فلما أن سوّى التربة عليه قالت أم سعد: يا سعد هنيئاً لك الجنة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أمّ سعد مه لا تجزمي على ربّك، فإنّ سعداً قد أصابته ضمّة.
قال: فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع الناس فقالوا له: يا رسول الله لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء؟
فقال صلى الله عليه وآله: إن الملائكة كانت بلا رداء ولا حذاء، فتأسّيت بها. قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير مرّة ويسرة السرير مرّة؟
قال: كانت يدي في يد جبرئيل آخذ حيث يأخذ. قالوا: أمرت بغسله وصلّيت على جنازته ولحدته في قبره، ثم قلت إنّ سعداً قد أصابته ضمّة؟
فقال صلى الله عليه وآله: نعم، إنه كان في خُلقه مع أهله سوء.[83]
فالنبيّ صلّى الله عليه وآله قد تعامل في هذه القضيّة تعاملاً استثنائياً لم يتعامل بمثله مع أحد من الناس، وهذا يدلّ على مكانة سعد بن معاذ.
لكن الملفت للنظر أنه قال: «قد أصابته ضمّة» فـ : لسوء الخلق تبعات وآثار وضعية وإن كان قليلاً أو صدر من شخص ذي مكانة وشأن كسعد بن معاذ.
لا يحق لأيّ إنسان أن يتعامل مع الآخرين بالسوء، سواء كان زميله أو صديقه، أو زوجته، أو عائلته أو غيرهم. بل يلزم نبذ الخُلق السيئ، وفي ذلك رضا الله تعالى، والتوفيق في الدنيا، والسعادة في الآخرة.
لقد أمرنا الله عزّ وجلّ بالاعتبار بقصص وسيرة الماضين، كي نتعلّم منهم الصالحات
والخير، وحتى لا نكون يوم القيامة من النادمين أو المتحسّرين.