إن ثروة العمر هي أعزّ وأغلى من ثروة المال، فاللازم على الإنسان أن لا يفرّط بهذه الثروة وأن يهتمّ بها أكثر من أيّ ثروة أخرى، ففي وصية رسول الله إلى الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري: «يا أباذر كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك»[2].
إن المال هو وسيلة تساعد الإنسان في تهيئة مسكنه وملبسه ومأكله ودوائه وماشابه ذلك. وهذه الوسيلة تكون فائدتها وأثرها منحصرة في فترة حياة الإنسان في الدنيا فقط ولا فائدة لها في ما بعد الدنيا. أما عمر الإنسان فهو أكثر أهمية وقدراً من المال ومن أية ثروة أخرى، وإنّ لفائدته وآثاره ارتباطاً وثيقاً بمصير الإنسان وعاقبته في الحياة الآخرة. والمال يمكن تعويضه أو الحصول عليه مجدداً إن فقده المرء، أما العمر فلا يمكن تعويض حتى لحظة واحدة منه إن فقدها المرء في غير النافع والصالح. مهما عاش الإنسان في الدنيا فلا يمكن قياس فترة هذه الحياة المحدودة بالحياة الأبديّة في الآخرة. فحياة الآخرة لانهاية لها، لذا يجدر بالإنسان أن لا يقضي فترة عمره المحدودة بأمور غير نافعة أو مضرّة والعياذ بالله، كأن يقضي حياته في التخاصم مع زوجته أو أرحامه، أو في النزاع حول أمور تافهة مع زملائه أو أصدقائه أو بقية الناس.
بما إن الإنسان يشعر دائماً بحاجته إلى المال لتلبية متطلبات الحياة في الدنيا لذا تراه حذراً دوماً من افتقاده، بينما يستطيع الإنسان بلحظات وساعات وأيام عمره أن يشتري السعادة الخالدة والأبدية في الحياة الآخرة.
فعلى الإنسان أن يسعى في التقليل من قضاء ساعات عمره في أمور الدنيا أو غير المهمة منها. ففي الواقع إن اقتنع الإنسان أنّ عمره أهمّ وأعزّ من المال والزوجة والأهل وما شابه ذلك، وصمّم وعزم على قضاء عمره فيما يوجب له السعادة الأبدية في الآخرة، فسيحظى بالتوفيق من الله عزّ وجلّ. وبعكس ذلك ستكون حياته كلّها حسرة وندامة.
ينبغي قضاء العمر في ذكر الله جلّ شأنه وطاعته، والتمسّك بتعاليم الإسلام وقضاء حوائج المؤمنين، والإحسان إلى الناس وكلّ ما يكون فيه رضا الله عزّ وجلّ.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«عَلَيكُم بِالقُرآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ»[4]، وقال: «تَعَلَّمُوا القُرآنَ فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ صَاحِبَهُ فِي صُورَةِ شَابٍّ جَمِيلٍ شَاحِبِ اللَّوْنِ فَيَقُولُ لَهُ: أَنَا القُرآنُ الَّذِي كُنتُ أسهَرتُ لَيلَكَ وَأَظمَأتُ هَوَاجِرَكَ وَأَجفَفتُ رِيقَكَ وَأَسبَلتُ دَمعَتَكَ، إَلى َأن قَالَ: فَأَبشِر فَيُؤتَى بِتَاجٍ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ وَيُعطَى الأمَانَ بِيَمِينِهِ وَالخُلدَ فِي الجِنَانِ بِيَسَارِهِ وَيُكسَى حُلَّتَينِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقرَأ وَارقَه، فَكُلَّمَا قَرَأَ آيَةً صَعِدَ دَرَجَةً، وَيُكسَى أَبَوَاهُ حُلَّتَينِ إِن كَانَا مُؤمِنَينِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمَا: هَذَا لِمَا عَلَّمتُمَاهُ القُرآنَ»[5].
إن الذين يوقرون القرآن في هذه الدنيا ويمتثلون لأوامره سيعرفون ذلك الشاب الجميل الذي ورد في الحديث الشريف وسيفرحون، ويكون فرحهم دائماً ومتواصلاً وبلا انقطاع. والذين يتركون القرآن وراءهم ظهرياً في هذه الدنيا سيحزنون، ويكون حزنهم متواصلاً وبلا انقطاع أيضاً.
يلزم على الجميع، رجالاً ونساءً، شيوخاً وشباباً، أن يهتموا بالقرآن الكريم، وأن يسعوا إلى العمل بما تدعو إليه آياته الشريفة، حتى يكونوا يوم القيامة ممن يشفع لهم القرآن لا ممن يمحلهم. وهذا ليس بالأمر بالصعب، كل ما يتطلب هو أن يعزم المرء للعمل بذلك، فإن عزم نال التوفيق من الله سبحانه، ومنه المواظبة على قراءة القرآن ولو عشر آيات يومياً. فمن وقّر القرآن في الدنيا وقّره الله يوم الآخرة.
كل واحد منّا ستنتهي حياته في هذه الدنيا يوماً ما ويذهب إلى الآخرة. وكل إنسان تبتدئ آخرته من لحظة خروج روحه من بدنه. عند تلك اللحظات يتأسّف كثير من الناس على ما فرّطوا في حياتهم ويتحسّرون على ما أتلفوه من عمرهم فيما ليس لله فيه رضا.لقد ورد عن أولياء الله المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم الكثير من الأحاديث التي توصي الإنسان باليقظة وتدارك أمره قبل فوات الأوان، والعمل على اغتنام العمر فيما يوجب نيل رضا الله تعالى والسعادة في الحياة الآخرة، حتى لا يكون يوم القيامة من النادمين والمتحسّرين.كل إنسان حسب مجاله وقدرته يمكنه أن يستفيد من لحظات وساعات عمره في نيل رضا الله سبحانه. على سبيل المثال: من كان أبوه أو أمّه أو أخوه أو زوجته أو صديقه سيّئ الخلق، فيستطيع بالصبر على خلقه السيئ أن يحصّل رضا الله تعالى.
أيضاً: عندما يقف الإنسان أمام الله تعالى لأداء الصلاة فإنّ عليه أن يغتنم هذه اللحظات في التوجّهه إلى الله تعالى بقلبه وجوارحه كلّها، وأن يزيد من خشوعه ومن التفاته إلى ما يقول ويقرأ، لا أن يشغل ذهنه بالتفكير في أمور الدنيا ومشاكلها. فالذين لا يهتمّون للحظات عمرهم في الصلاة سيكونون يوم القيامة من النادمين والعياذ بالله.
إنّ شهر رمضان المبارك خير فرصة كي يتدارك الإنسان أمره ويصلح نفسه، فعمل الإنسان وسلوكه في هذا الشهر لهما التأثير البالغ على التقليل من الحسرة يوم الحساب.
إنّ الندامة يوم القيامة ندامة طويلة ـ والعياذ بالله ـ فينبغي للإنسان أن يستعدّ ليوم الآخرة وأن يتدارك أمره من هذه اللحظة ويسعى في إصلاح نفسه وأعماله قبل فوات الأوان حتى يكون من السعداء والفائزين.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ([8]، قال:
إن شهر رمضان المبارك هو الشهر الذي وصفه الله تعالى بأنه شهر نزول القرآن الكريم، وأهم خصيصة للقرآن الكريم أنه يهدي الناس وذلك بأن ينزع الغلّ ويزيل الحقد من قلوب المؤمنين به ويعالج جميع الأمراض الروحية.
قد يكون الشخص سليماً معافىً من الناحية الجسمية وتعمل جميع أجهزته وأعضاء بدنه بصورة صحيحة، ولكن يوجد في داخله وروحه من المرض يسوقه صوب القتل أو الإنتحار أو الفساد. إنّ القرآن الكريم يعالج هذا النوع من الأمراض ويقدّم حلولاً ناجعة في هذا المجال، لأنّ كلّ المظالم التي حدثت عبر التاريخ إنما هي نتيجة الأمراض الروحية الخطرة، وأحد معاني الهداية القرآنية هو معالجة هذا النوع من المرضى الروحيين وتخليصهم من الشرور ومن الآفات النفسيّة.
وهذه الخصيصة القرآنية موجودة في الصلاة أيضاً؛ لأن الصلاة هي الأخرى تحفظ الإنسان من كثير من الآفات الروحية؛ قال الله تعالى: )إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ([9].
إنّ من كان من أهل الصلاة، يبتعد من الفحشاء والمنكر بمقدار عمق صلاته. فالشاب الذي يعاني من أمراض روحية ونفسية تدعوه للانتحار أو القتل أو التعدّي على الآخرين وظلمهم، سيتغيّر إذا ما أقبل على القرآن والصلاة، بسبب النور الذي يلقيانه في قلبه فيبرئانه من جميع هذه الأمراض.
يمكننا التوصل إلى معرفة عظمة القرآن والثقافة والتربية القرآنية من خلال مطالعة سيرة الشخصيات التي تربّت في أحضان القرآن، وأحد هذه الشخصيات محمد بن أبي عُمير التلميذ الخاصّ للإمام موسى بن جعفر الكاظم سلام الله عليهما، والذي حظي بمنزلة رفيعة وعدّت رواياته مقبولة لدى علماء الشيعة، وإنهم يفتون على أساسها.
لقد سُجن هذا الرجل الموالي للإمام والمقرّب منه، بأمر من هارون العباسي وتحمّل صنوف التعذيب في سبيل ولائه، وكان العباسيون يتفننون في التعذيب، ومن جملة تعذيبهم للنّاس مضافاً إلى الضرب باليد، والعصا، والسوط كانوا يعذّبون بالضرب بخشبة عرضها حوالي 40 سنتيمتر ثبّت في طرفها مسامير كثيرة، تنغرز في بدن الشخص الذي يُضرب بها، وربما غُرز في كل ضربة خمسون مسماراً في بدنه وسالت الدماء منه. وربّ أشخاص كانوا يصابون بنزيف شديد بعد عشر ضربات ثم يموتون في الحال.
إن هارون أمر بأن يضرب محمد بن أبي عمير بألف خشبة. ولاشك أنهم لم يضربوه بها دفعة واحدة وربما استمروا في ضربه مدّة. وكان هارون يطلب منه أن يذكر أسماء الخلّص من أصحاب الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليه، ولو كان يذكر لما كان يتحمل كل هذا التعذيب المميت.
إنه أمضى سبعة عشر عاماً في السجن، لقي خلالها ألوان التعذيب ـ كان ضرب ألف خشبة واحداً منها ـ إضافة الى مصادرة أمواله، ولكنه لم يذكر حتى اسماً واحداً من أصحاب الإمام سلام الله عليه.
قد يوجد أشخاص مستعدّون لارتكاب القتل وأبشع أنواع الجرائم من أجل الحصول على مال قليل، ولكن نرى في المقابل وجود أشخاص كمحمد بن أبي عمير الذي تحمل 17 عاماً من السجن والتعذيب ولم يكن مستعدّاً لذكر أسماء أصحاب الامام سلام الله عليه، وهو نموذج من الأشخاص الذين تربّوا في أحضان القرآن.
يقول الله تعالى: )وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ([10]، فكما أن الماء النازل في الربيع يعيد للأرض الهامدة البهجة والحياة، فكذلك القرآن هو ماء الحياة المعنوية، وربيعه شهر رمضان المبارك.
إنّ لتلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك أجراً كثيراً، فكلّ آية تتلى في هذا الشهر تعدل ختم القرآن في غيره من الشهور، وإنّ لحفظ القرآن ـ عن ظهر قلب ـ في هذا الشهر أجراً كثيراً أيضاً، إلا أن هذه الأمور كلّها مقدّمات لأمر أهمّ وهو العمل بالقرآن وتطبيقه وتنفيذ أوامره في الحياة. فما أحسن أن نتأمّل في كل آية نقرأها في هذا الشهر الكريم ونتدبّر في معانيها العميقة ونعزم على العمل بالقرآن.
قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ([11]، ففي هذه الآية، ذُكرت أمور:
1. الصبر على المشاكل المختلفة وصعوبات الحياة، ومنها الصعوبات في التبليغ.
2. توصية الآخرين بالصبر.
3. المرابطة والثبات والاستقامة في طريق الله وتبليغ دينه.
4. التقوى.
فهذه الآية الكريمة تخبرنا أن من يلتزم بهذه الأمور الأربعة لعلّ عاقبته تكون الفلاح.
ولكن الروايات تفيد أن «لعل» في القرآن الكريم موجبة، أي إن التزمتم بهذه الأمور الأربعة فإنكم ستفلحون يقيناً.
وهكذا عندما نقرأ الآيات التي تتحدث عن الجنة والنار والحساب والعقاب والثواب والصلاة والصيام و... نصمّم على العمل بمضامينها، وندعو الآخرين لذلك أيضاً ليكون القرآن منشأ هدايتنا جميعاً إن شاء الله تعالى.
حسب ما نصّت عليه الروايات فإن أعمالنا تعرض كل يوم على مولانا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف؛ فحريّ بنا إذاً أن نخصص ولو عدة دقائق يومياً لمحاسبة أنفسنا وأن نتأمل في أعمالنا الحسنة والسيئة، وأن نسعى لمضاعفة أعمالنا الحسنة التي تدخل السرور على قلب إمامنا، تكون سبياً لنيل رضاه ودعائه لنا، وأن نسعى كذلك للتقليل بل التخلّص من الأعمال التي تسخطه وتحزنه إن كانت ما زالت تصدر منا. وأن نسعى أيضاً لاغتنام هذه الفرصة المعنوية المتمثلة بشهر رمضان المبارك، فإنها فرصة قصيرة ستمرّ بسرعة ونتحسّر عليها إن لم نغتنمها ـ لا سمح الله ـ فلنصمم من الآن على اغتنامها.
كما علينا الاستفادة القصوى من القرآن الكريم وتهيئة موجبات التقرّب إلى الله تعالى.
ورد في الروايات الشريفة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «دخلت امرأةٌ النّارَ في هرَّةٍ رَبطَتْها فلمْ تُطْعِمْها ولم تدعْها تأكُلُ من خِشَاشِ الأرضِ»[13].
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله: «بينما امرأة تمشي بفلاة من الأرض إذ اشتدّ عليها العطش، فنزلت بئراً فشربت، ثم صعدت فوجدت كلباً يأكل الثرى من العطش. فقالت: لقد بلغ بهذا الكلب مثل الذي بلغ بي. ثم نزلت البئر فملأت خفّها وأمسكته بفيها ثم صعدت فسقته، فشكر الله لها ذلك وغفر لها. فقالوا: يا رسول الله أَو لنا في البهائم أجر؟ قال: نعم في كل كبد رطبة أجر»[14].
ذكرت والأحاديث الشريفة أن الإنسان بسبب إرتكابه للظلم، يقع تحت سيطرة الشيطان وبالتالي يقوده إلى عذاب النار. فالظلم هو بنوبته سبب ارتكاب المعاصي والمآثم الأخرى، وهو الطريق المؤدّي إلى جهنم والعياذ بالله. والظالم باختياره يضع نفسه على حافة الهاوية، وعند ذلك لا يجد طريقاً للرجوع والخلاص.
إن الأعمال الصالحة وكذلك الأعمال السيئة هما كالحلقات المتصلة بعضها ببعض. فالعمل الحسن يوفّق الإنسان لمزيد من الأعمال الحسنة، والعمل السيئ يسلب التوفيق من الإنسان ويجرّه إلى ارتكاب المزيد من المعاصي. ومثال ذلك هو ما جاء في هاتين الروايتين.
اسعين في المحافظة على مانلتن في شهر رمضان المبارك من الطاعات والخيرات. فالتي وفّقت منكنّ لقراءة الأدعية، وإقامة الصلوات، وأدّت ما كان فيه طاعة الله، وأقامت أو حضرت في مجالس أهل البيت سلام الله عليهم، وأطعمت في سبيل الله، وأحيت ليالي القدر المباركة، وقدّمت الخدمات للناس، فلتحاول أن تستمر في العمل بهذه التوفيقات، وأن لا ترتكب ما يؤدّي إلى محو أجر الطاعات والأعمال الصالحة والحسنة لا سمح الله. فحينما يغضب الله تعالى لأجل ظلم هرّة، فكيف سيكون غضبه إن ظلم إنسان أحد أصدقائه، أو جيرانه، أو أرحامه؟
فاحذرن من أن تسلّمن زمام اُموركنّ بيد الشيطان بارتكاب ذنب أو ظلم أحد، أو التعدّي على أحد. بل صممن على انتهاز كل فرصة لطاعة الله عزّ وجلّ.
قال الله سبحانه: )مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ([16].
هذه الآية الكريمة تؤكد حقيقة مفادها: أنّ كل ما يرتبط بالإنسان وكل ما في الدنيا فإنه فان وزائل، إلاّ ما كان خالصاً لوجه الله تعالى فإنه باق. فكل إنسان يتناول خلال فترة حياته مقداراً من الغذاء، ويلبس مقداراً من الثياب وما شابه ذلك، وهذه كلّها لا تساوي عند الله شيئاً، ولا فرق في أن ينتفع الإنسان من هذه الأمور قليلاً أو كثيراً.لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى الأمور المعنوية كحسن الخلق، والصلاة، والعبادات، وطاعة الله تعالى، وخدمة الناس. فهناك فرق كبير بين من يتحلّى بحسن الخلق طول حياته وبين من يكون خلقه سيّئاً طوال عمره. وهكذا بالنسبة لمن يحيي ليله بصلاة الليل وبين من لا يصلّي صلاة الليل أبداً. وعلى هذا فالذي يقضي حياته بالعبادات وطاعة الله سبحانه سيحظى بالسعادة أكثر ممن يقصّر في العبادات أو يرتكب الذنوب والمعاصي أحياناً والعياذ بالله.ينبغي للمرأة المؤمنة أن تلتزم بما تعتقده حسناً. فإن اعتقدت أن حسن الخلق وصلاة الليل وخدمة الناس من الأمور المحمودة فلتسْعَ بالالتزام بها، بل تصمم على كل ما يحبّذه الدين، وما هو محمود عند الله تعالى. إن الله عزّ وجلّ قد أودع في الإنسان قدرة يستطيع بها أن يميّز بين الحسن والقبيح. فينبغي لكل واحدة أن تتحلّى بما تراه حسناً، سواء كان قولاً أو فعلاً. ولا تفكّر أبداً بأن تردّ سوء تعامل الأخريات بالمثل. وعليها أن لا تتأثّر بسوء خلق غيرها وإنّما تهتم بأمر واحد وهو التعامل بالحسنى مع الجميع.
لما كان الإمام الرضا سلام الله عليه في طوس تعرّض من قبل المأمون لضغوط كثيرة كان منها أنه أُبعد سلام الله عليه إلى مدينة سرخس وسجن فيها، وكان مقيّداً كأبيه الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليهما في سجن هارون، فجاء رجلان واستأذنا السجّان ودخلا على الإمام فسألاه عن التقصير في الصلاة. فقال لأحدهما: وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني، وقال للآخر: وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان»[18].
هذان الرجلان كان عملهما بالظاهر واحداً وهو سفرهما معاً إلى مكان واحد، لكن نيّتهما كانت مختلفة، واختلاف نيتهما صار سبباً في أن يكون سفر الثاني سفر معصية وحكم صلاته التمام. أما الأول فصلاته القصر لأن سفره لم يكن سفر معصية.
ربّ رجلين أو امرأتين يزوران معاً لكن أجر كل واحد منهما يختلف عن أجر الآخر، لاختلاف نيّتهما. فقد تكون نيّة أحدهما كلّها هي الزيارة والتقرّب إلى الله تعالى بواسطة أهل البيت سلام الله عليهم فتكون سفرته وزيارته في المستوى الرفيع من الأجر، وتُقضى حوائجه وتشمله رعاية المزور سلام الله عليه.
وقد تكون نيّة أحدهما نصفها للزيارة والنصف الآخر للسياحة أو الترفيه وما شابه ذلك فمن المحتمّ أن مستوى أجر زيارة الثاني وثمراتها ستكون أقلّ من مستوى الأول. فأحياناً تكون النيّة سبباً لوجوب العمل أو حرمته، وأحياناً تكون سبباً لارتفاع درجة العمل أو انخفاضها.
لتحاول كلّ واحدة منكن أن تصعد بنيّتها وترتفع بقصدها، فتجعل حركاتها وسكناتها
كلّها لله جلّ شأنه وفي طاعته، وفي سبيل خدمة أهل البيت سلام الله عليهم، حتى يكون
أجرها أكثر، وتنال السعادة في الدنيا والآخرة.