عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «إنّ الله سبحانه وتعالى اطلع إلى الأرض فاختارنا واختار لنا شيعة ينصروننا ويفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويبذلون أنفسهم وأموالهم فينا، أولئك منّا وإلينا».[2]
الصفة الأولى: ينصروننا.
الصفة الثانية: يفرحون لفرحنا.
الصفة الثالثة: يحزنون لحزننا.
الصفة الرابعة: يبذلون أنفسهم وأموالهم فينا.
كلمة «يبذلون» تختلف عن معنى كلمة «يعطون»، فالعطاء يمكن أن يكون عن إجبار وإكراه، لكن البذل يكون عن كامل الاختيار.. يقول الإمام: يبذلون. فمن كان فيه هذه الصفات، فأولئك منّا, وليس فقط سلمان منّا أهل البيت.[3] بل كل من توفرت فيه هذه الصفات الأربع فهو من أهل البيت ويحشر معهم. الإمام الحسين عليه السلام عَبرة ودمعة، وفي نفس الوقت عِبرة وأسوة، وقد ورد ذلك في الحديث: «أنا قتيل العبرة».[4] لذا يجدر بالمؤمنات أن يقمن بدورهنّ وبما يتمكّنّ من عقد إقامة الشعائر الحسينية. وعليهُنّ تبليغ هذه العقائد وهذا الدين إلى أولادهن, وعوائلهن, وأقربائهن، وصديقاتهن, كما أوصلتها الاجيال التي قبلهن بسلامة إليهن.رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه يجب على كل مؤمنة أن تُسعد فاطمة في الحسين عليه السلام.[5] ففاطمة الزهراء تنتظر وتفرح من كل واحدة من المؤمنات، أن تقوم بدورها في إسعادها سلام الله عليها، بأي شيء في الحسين، بأن تقوم كلّ مؤمنة بتعبئة وهداية وإرشاد وتوجيه الفتيات من الجيل الجديد. هذا واجبكنّ أنتنّ المؤمنات، فإن تفلت فتاة واحدة عن طريق أهل البيت فإنها تكون طعماً لذئاب العقائد, ولذئاب الأخلاق. هذه مسؤولية كلّ واحدة من المؤمنات, أن تقوم بدورها, عند ذلك يتحقق الحديث الشريف «أولئك منّا وإلينا».
روي في حديثٍ قدسي: «لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»[7].
أنتن تعرفن ماذا جرى في التاريخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فلولا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه لانمحى كل شيء، فقد كان معاوية يقول علناً، سأسعى بالقدر الذي أستطيع به دفن اسم النبي صلّى الله عليه وآله[8]، فلولا أمير المؤمنين، لما خُلق النبي. وهذا هو معنى «لولا علي لما خلقتك». وكذلك لو فرضنا أن الله تعالى تفضل بخلق النبي والإمام، ولكن لم يخلق السيدة الزهراء عليها السلام، فمن كان يُخلّص، بشكل ظاهر ودونما معجزة، أمير المؤمنين، عندما شدّوا وثاقه، واقتادوه والسيوف مسلَّطة على رأسه الشريف[9]، فلولا السيدة الزهراء لقُتل أمير المؤمنين في ذلك اليوم، ولانتهى كل شيء.
فليس معنى الحديث القدسي المتقدم أن أمير المؤمنين أفضل من النبي صلى الله عليه وآله؛ أو أن فاطمة أفضل من أميرالمؤمنين فالأفضلية موضوع آخر، بل المراد معنى الإلغاء، نظير الآية الكريمة ( وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) [10]، في مسألة الغدير المشهورة، فبعد مضي ثلاث وعشرين عاماً من السعي الدؤوب، وتحمّل المصاعب الكثيرة والأذى والقتال، يقول القرآن الكريم أنه لولا إعلان الغدير، لأضحت كل تلك السنوات بحكم اللاشيء.[11]
فماذا تريد الزهراء عليها السلام، للمرأة؟ ثم إنها بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فلتنظر المرأة كيف كانت الزهراء تعامل أباها؟والزهراء كانت زوجة أمير المؤمنين، فكيف كان تعاملها مع زوجها عليها السلام؟ كما أنها كانت أُمّاً للإمامين الحسن والحسين سلام الله عليهما، والسيدة زينب، وأم كلثوم، فكيف كانت تعامل أبناءها؟ في كل ذلك دروس من السيرة العطرة لسيدة نساء العالمينا، ويلزم على كل امرأة أن تطبّقها على حياتها، وهناك أمر أهمّ وهو الهدف الذي استشهدت لأجله الزهراء، فهي سلام الله عليها فدت الإسلام بنفسها الطاهرة. إن الواجب على النساء شيئان ـ كما يفهم من حديث ابن الزهراء الإمام علي بن موسى الرضا سلام الله عليه ـ هما: تعلّم علوم أهل البيت سلام الله عليهم، وتعليمها للناس.إذا كانت هناك امرأة واحدة لا تعرف أهل البيت فذلك يكون داعٍ لكُنّ أن تعملن في سبيل ان تتعرّف عليهم، وكذلك لو كانت هناك امرأة واحدة لا تعرف واجباتها ووظائفها، فإذا قمتن بالتبليغ لكنها لم تقبل، فأنتن معذورات. إن الواجب الكفائي يعني أنه ابتداءً يكون واجباً على الجميع، إلا أنه إذا قام به من فيه الكفاية، سقط عن الباقين، لكن لم تحرز الكفاية في هذه المجالات حتى إلى عشر سنوات بل إلى خمسين سنة قادمة؛ لأنه مهما كثر التبليغ فإنه ليس غير كافٍٍ.
يجدر بالجميع أن لا يتوانوا في إقامة الشعائر المرتبطة بذكرى عاشوراء، وأن يتجنبوا العمل السلبي في أية قضية أو موضوع يرتبط بسيد الشهداء سلام الله عليه. فقضية الحسين سلام الله عليه تختلف عن كل القضايا الأخرى، فهي قضية خطرة وحساسة جداً، وإن الله سبحانه وتعالى سيجازي كل من يتهاون في قضايا أبي عبد الله سلام الله عليه، في الدنيا قبل الآخرة.
فقد ورد في الآية القرآنية الكريمة: ( أَقِيمُوا الدِّينَ ) [13]، وفي آية أخرى: ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) [14]؛ والمراد من الآية الأولى هو إقامة الإسلام، فلابد أن نعمل جادّين لنبلّغ الدين إلى كل من لا يعلم شيئاً عنه، أو يعلم عنه القليل، فلهذا الغرض ـ إقامة الدين ـ نهض مولانا أبي عبد الله سلام الله عليه.
كان الهدف من نهضة الإمام الحسين سلام الله عليه إحياء الدين الذي سعى حكّام بني أمية، تحت غطاء الإسلام، إلى طمس معالمه ومحو آثاره؛ فمابناه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، كاد يذهب هباءً، لولا النهضة الحسينية، فالواجب علينا أن نسعى في سبيل إقامة المجالس ومراسم العزاء الحسيني، لتحقيق الهدف الذي من أجله استشهد سيد الشهداء عليه الصلواة والسلام.
لقد كان الحسين سلام الله عليه عالماً بكل ما سيجري عليه، حتى أنه أخبر بذلك، وحين سئل عن سبب خروجه إلى كربلاء، قال: «فبمن يمتحن هذا الخلق». [17]
إن شهادة الإمام الحسين سلام الله عليه امتحان واختبار مستمران للمؤمنين والمؤمنات، وإن من أهداف إقامة مراسم العزاء في شهر محرم من كل عام، تنبيه وتذكير من قد ينحرف عن مسيرة الحسين سلام الله عليه.
كما أن الذي لأجله بذل الحسين سلام الله عليه مهجته هو القرآن؛ حتى يضع الناس القرآن نصب أعينهم، ويتعلّموه ويعملوا به. فمن الضروري أن نهتم بتعلّم الدين وتعليم أحكامه في شهر محرم لنيل رضى الله سبحانه وتعالى.
إنّ الله تعالى أنزل القرآن الكريم وبعث الأنبياء والمرسلين والأوصياء لتقوم البيّنة على الناس ويعرفوا الحقّ من الباطل، قال الله تعالى: ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) [19].
وإنّ الله تعالى قد أودع في الناس أمرين: العقل، والنفس اللوّامة. راجعن التاريخ، وإلى اليوم، سترين أن الكثير من علماء المسيحيّة واليهود والعامّة، يعتنقون الإسلام والتشيّع. ففي مدينة اُروميّة الإيرانيّة، قبل 200 سنة، كانت النصارى تعيش وكان كبير علمائهم ورئيس كنيستهم رجل مسنّ فتباحث معه علماء الشيعة وبمرور الأيّام وبعد أن توضّحت له البيّنة أسلم وصار شيعياً وجعل إسمه محمّد صادق وصار يلقّب بفخر الإسلام وألّف كتاباً بعنوان (أنيس الأعلام).[20]
وكذا الحال بالنسبة لأحد علماء اليهود الذي أبدل اسمه بعد إسلامه إلى محمد رضا، وكان يسكن مدينة قزوين. فإنّه تشيّع بعد أن تمّت عليه الحجّة وله كتاب باسم (محضر الشهود).[21]
إنّ السندي بن شاهك (أحد أعوان العبّاسيين) سجن الإمام موسى الكاظم سلام الله عليه في بيته وكان يؤذي الإمام كثيراً فضلاً عن تعذيبه للشيعة. وقد استطاع الإمام الكاظم سلام الله عليه في فترة سجنه أن يهدي أُخت السندي وحفيده إلى الحقّ. فصار الأخير (وكان اسمه كشاجم) من علماء الشيعة[22] وهناك الكثير من هذه النماذج الذين اهتدوا إلى المذهب الحقّ عندما قامت لهم البيّنة أمثال زهير بن القين الذي كان عثمانياً ثمّ اتّبع الإمام الحسين سلام الله عليه واستشهد معه، وأُم الأسود التي كانت مسيحية فاهتدت إلى التشيّع وصار عدد من إخوانها من خيرة أصحاب الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم ومن ثقات رواة أحاديثهم.
إنّ العالم اليوم بعيد عن أهل البيت سلام الله عليهم ولا يعرف عنهم شيئاً. فمسؤولية كلّ واحد منّا هي أن نسعى في تعريف مذهب أهل البيت سلام الله عليهم وعرضه على الناس في كلّ مكان. فالعقلاء من الناس عندما تقوم لهم الحجّة وتثبت لهم البيّنة يتّبعون الحقّ. وقد جاء في الحديث عن الإمام الرضا سلام الله عليه: «فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا، لاتّبعونا»[23].
كان اليهود في المدينة كثيراً ما يؤذون النبي صلّى الله عليه وآله في القرآن قوله تعالى: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ ) [24]، لكنّهم عندما اطّلعوا على الإسلام الذي تجلّى في سيرة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله والقوانين الإسلامية السامية التي سنّها صلوات الله عليه وآله، دخل أكثرهم في الإسلام كما أشار إلى ذلك الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه[25]. إنكنّ كلّ ما تقمن به من نشاط في سبيل خدمة مذهب أهل البيت سلام الله عليهم فهو يدوّن في صحائف أعمالكنّ ثمّ يعرض على الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف فيدعو لكنّ كي تنلن مرضاة الله عزّ وجلّ. فينبغي أن تسعَين في تعليم سائر النساء اُصول الإسلام وأحكامه وسيرة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين. فإن وجدتنّ النساء اللاتي لا يعرفن شيئاً من الإسلام وأحكامه فهذا لا يعني أنّهنّ لسن أهلاً أن يكنّ مؤمنات إنّما لم تقم لهنّ البيّنة.
وأوصيكن بثلاثة أُمور توجب التوفيق في الدنيا والآخرة وهي:
1. التواضع: فكلّما تواضع الإنسان، زاد توفيقه وكثر محبّوه.
2. السعي: فعلى الإنسان أن يسعى ـ ما وسعه ـ لهداية الناس.
3. الصفح عن الناس؛ ولنا في ذلك برسول الله وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين أُسوة وقدوة.
إن للنبي الأكرم صلّى الله عليه وآله مقاماً رفيعاً ومنزلة عظيمة جداً، وكذلك لآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، لذا فمن الضروري الاقتداء بهم باعتبارهم القدوة الحسنة، لاسيما في مسألة الصبر وتحمّل الأذى، فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يتوانى في التضحية والصبر لدى تبليغه الدين ونشره العقيدة.وكان من أخلاقه صلى الله عليه وآله، الدعاء للمشركين بالهداية رغم توجيههم أنواع الأذى له وتحيّنهم الفرص للشماتة به وبسائر المؤمنين.. فهو المثل الأعلى للمؤمنين، ومنهم النساء اللاتي يجب عليهن مواجهة ما يتعرّضن له من مشاكل وخلافات في الأسرة، بحكمة وصبر، يطلبن به وجه الله تعالى، ليكون ذلك مدعاةً لتطهير القلوب من الغلّ والبغضاء، ولتقبّل الأعمال ونيل الموفقية في الحياة. ولنا في رسول الله صلوات الله عليه وآله أسوة حسنة.
إن الذين يزورون الأئمة سلام الله عليهم كثيرون، ولكن الذين يستفيدون من هذه الزيارة قليلون، والمستفيد الأكبر هو من كان مرضيّاً عندهم.
إذا سلَّمتِ الزائرة المؤمنة على الإمام المعصوم سلام الله عليه جاءها الجواب من الإمام، ولكن الجواب يختلف بالنّسبة التي تكون الزائرة مرضيّة عند الإمام سلام الله عليه.
ذكر لي أحد العلماء، قال: كنتُ قد وصلتُ إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا سلام الله عليه في يوم خميس وعزمت على البقاء ليلة الجمعة عند الإمام سلام الله عليه ثم العودة في اليوم التالي إلى بلدي، ولكني التفتُّ فجأة أنّ ما معي من مال لا يكفي للمبيت وأنه يتعيَّن عليّ أن أعود في اليوم نفسه، فتأسّفت وقررت أن أذهب للروضة الشريفة لكي أزور زيارة الوداع ثم أستعدّ للرحيل، وبعد الزيارة خاطبت الإمام بقولي: يا سيّدي كان بودّي البقاء عندكم ولكن أعوزتني النفقة. وتوجّهت بعد ذلك لأداء الصلاة والخروج من الحرم، ولكني وأنا أصلّي جاء شخص ووضع مقداراً من المال بجنبي وقال: هذه هدية لزوّار الرضا سلام الله عليه، ففرحتُ وشكرت الإمام وبقيت عنده تلك الليلة ثم رجعت في الغد.
هكذا هو الإنسان المرضيّ عند الإمام سلام الله عليه فإنه حتى لم يطلب من الإمام بل أبدى له أسفه فقط، وكان هذا كافياً لأن يستجيب له الإمام.
إن رضاية الإمام سلام الله عليه تتلخّص في أمور أهمّها حسن الخلق مع الجميع، فينبغي أن تعزموا على أن تكونوا حسني الخلق منذ هذه اللحظة مع الجميع، وبمقدار ما تحققون من ذلك ستحصلون على رضا الإمام سلام الله عليه. الذي فيه رضا الله سبحانه وتعالى.
كانت هناك امرأة من أهل العراق تُعرف بأمّ سعيد الأحمسيّة محبّة لأهل البيت سلام الله عليهم عاصرت الإمام الباقر والإمام الصادق سلام الله عليهما وتشرّفت بلقاء الإمام الباقر سلام الله عليه أربع مرات كما تشرّفت بلقاء الإمام الصادق سلام الله عليه أربع مرات أيضاً وكانت طاعنة في السن آنذاك (ذكر بعض الرواة أنها كانت تناهز المائة). وقد روت عدة روايات بعضها فيما يخصّ الإمام الحسين سلام الله عليه وبعضها في مسائل أخرى. ومنها:قالت: «جئت إلى أبي عبد الله (الصادق) سلام الله عليه فدخلت عليه فجاءت الجارية فقالت: قد جئتك بالدّابّة فقال: يا أمّ سعيد! أيّ شيء هذه الدابة أين تبغين تذهبين؟ قالت: أزور قبور الشهداء، فقال: أخّري ذلك اليوم، ما أعجبكم يا أهل العراق تأتون الشهداء من سفر بعيد وتتركون سيد الشهداء لا تأتونه! قالت: قلت له: مَنْ سيد الشهداء؟ قال: الحسين بن علي. قلت: إني امرأة. فقال: لا بأس لمن كان مثلك أن تذهب إليه وتزورَه. قالت: قل: أيّ شيء لنا في زيارته؟ قال: تعدل حجّة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام وصيامهما وخير منها، قالت: وبسط يده وضمّها ثلاث مرّات»[29].
وعنها أيضاً قالت: قال لي أبو عبد الله سلام الله عليه: «يا أمّ سعيد تزورين قبر الحسين سلام الله عليه؟ قالت: قلت نعم. قال: زوريه فإن زيارة الحسين واجبة على الرجال والنساء»[30]. إن الرجال يرجون شفاعة أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه أفلا ترجو ذلك النساء؟ وإذا كان الرجال يرجون أن تبيضّ وجوههم عند رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم القيامة، أفلا ترجو النساء أن تبيضّ وجوههن عند الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها؟ لاشك أنّهن يتمنّين أن ينلن شفاعة الحسين سلام الله عليه، وبياض الوجه عند أمّه الزهراء سلام الله عليها.
إنّ كلّ ما تقدّمونه (رجالاً ونساءً) في الهيئات والمجالس الحسينية يسجّل في صحيفة أعمالكم مهما كان صغيراً، حتى ما لا يخطر على أذهانكم، بل الغبار الذي يقع عليكم ولا تحسّون به، تثابون عليه أيضاً، ما دام في مجلس الإمام الحسين سلام الله عليه وفي سبيله، والمرأة التي تشجّع زوجها للمشاركة في مجالس أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه تثاب بنسبة تشجيعها، وكل شيء تعملونه في طريق الإمام الحسين سلام الله عليه يثبّت في صحيفتكم وتكافؤون عليه، حتى جلوسكم هنا للاستماع عن الثواب الذي يكون لمن يعمل تلك الأعمال. اسعين لتكثير مجالس الحسين سلام الله عليه ونشرها من مدينةٍ لأخرى ومن دولةٍ لاُخرى، وشجّعن الجميع للقيام بهذا العمل، سواء عن طريق الهاتف أو كتابة الرسائل أو أي طريق آخر... واسعين لأن يكون ميزان أعمالكن في السنة القادمة أثقل من هذه السنة، وهكذا في كلّ سنة، وحاولن أن تُقمن هذه المجالس طيلة السنة مرةً في كل أسبوع، لأنّ الإمام الحسين سلام الله عليه وأهل البيت سلام الله عليهم لكل يوم واسبوع وشهر وسنة.
إن من أهمّ ما يجب على زائري مراقد أهل البيت سلام الله عليهم أن يكونوا حاضري القلب ليحصلوا على مبتغاهم ويستحقّوا الجواب منهم سلام الله عليهم؛ شأنهم في ذلك شأن من يصلّي حيث يلزم أن يركّز ذهنه في معاني ما يقول في الصلاة، وإلا فإنها لا تؤدّي الغرض المطلوب منها. أما حضور القلب لدى الزيارة، فإنه يعكس مستوى تعلّق الزائر وولائه للإمام الذي يزوره.
رغم أن السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام الكاظم سلام الله عليهما ليست من المعصومين الأربعة عشر، وليس لمرقدها الشريف أحكام مراقدهم الطاهرة، إلا أنه قد ورد في الأحاديث أن من زارها ـ عارفاً بحقها ـ وجبت له الجنة، مما يدلّ على مرتبتها العالية في نظر المعصومين، وليست عظمتها لمجرد كونها ابنة إمام معصوم بل لأجل منزلتها نفسها، عند الله عزّ وجلّ.
إن من الجدير بمن يتحمّل عناء زيارة المشاهد المشرّفة أن يلتفت لما يقول ويفعل، فلا يشغل ذهنه بالأمور الجانبية التي قد تبعده عن أدب الزيارة ومعرفة من يزور وماذا يقول.حدثني أحد الأشخاص بأنه قصد زيارة مرقد أحد المعصومين وطلب إليه حاجةً، فلم يرى الإجابة رغم تكراره الزيارة أربعين مرة، إذ شاهد في آخرها قضاء الإمام حاجة أحد الزائرين من أوّل مرّة، فتملّكه العجب مما شاهد. فأخذ يعاتب الإمام على عدم إجابته إيّاه، ولكنه في الليل رأى في منامه أن الإمام يبيّن له سبب إعراضه عن إجابته، إذ قال له: إنك جئتني أربعين مرّة، بجسمك لا بقلبك، بينما قصدني ذلك الشخص بقلبه وفكره.
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال في خصوص القرآن الكريم: «التمسوا غرائبه» [33]. وهذا معناه أنّ على كلّ منا أن ينتبه عندما يقرأ القرآن الكريم إلى ما فيه من عجائب وغرائب، وأن يسعى للعمل به أيضاً.
إن على كل فردٍ منّا خمس وظائف تجاه القرآن الكريم ينبغي العمل بها:
1. القرآءة الصحيحة لآياته المباركة. فليسع كلّ مسلم أن يصحّح قراءته للقرآن، من حيث النطق الصحيح وأداء الألفاظ والحركات، فلا يغيّر في جملة أو كلمة، فيتبدّل معناها إلى كفر والعياذ بالله أو ما هو خارج عن القرآن.
2. تعلّم تجويد القرآن أي تحسين الصوت في قراءته ومراعاة قواعد التجويد.
3. فهم معاني الآيات والكلمات؛ فإنه من الأغراض المهمة لقراءة القرآن الكريم.
4. العمل بالقرآن؛ فعلى كل إنسان يقرأ القرآن أن يعرف معناه وما يريده القرآن منه، ثم يبادر إلى العمل به.
5. الدعوة إلى القرآن؛ ومنه الأمر بالمعروف الذي أمر به القرآن، والنهي عن المنكر الذي نهى عنه.
روى المرحوم الشهيد الثاني في كتابه «منية المريد» رواية في خصوص قراءة القرآن والعمل به وهي:
«عن أبي عبد الرحمن السُلمي قال: حدّثنا من كان يُقرئنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل» [34].
وفي الرواية أنّ القرآن يحشر يوم القيامة على هيئة شابّ جميل ويمرّ من بين أولئك الذين تلوه في الدنيا حتى يقف بين يدي الله تعالى فيشفع لأولئك الذين عملوا به ودعوا إليه، ثم يشكو أولئك الذين هجروه ويطلب من الله عزّ وجلّ أن يعاقبهم.
إن لهذا القرآن الذي بين أيدينا من الأهمية بحيث ضحّى أربعة عشر معصوماً بأنفسهم من أجله؛ فإنه حتى الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف بعد أن يظهر ويقيم حكومته العالمية العادلة يستشهد بعد مدّة، ولا تكون شهادته إلا من أجل القرآن الكريم.
إنّ الخروج من الجهالة والضلالة إنّما يكون بقراءة القرآن وفهمه والعمل به والدعوة إليه، فلتسع كلّ واحدة منكن أن تؤسّس في محلّتها أو في الحسينيات والمساجد مجالس ومحافل للقرآن الكريم. واذكرن النقاط الخمس المتقدّمة وذكّرن بها الآخرين أيضاً.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) [36].
لقد سبقكن آباؤكن وأجدادكن ـ الذين رحلوا عن هذه الدنيا ـ بزيارة المراقد الطاهرة للأئمة الهداة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، ودارت عجلة الزمن وجاء دوركن لتأخذن مكانهم وتزرن. النقطة المهمة هنا هي أنّكن بعد أدائكن لمراسيم الزيارة وعودتكن إلى دياركن إما أنّكن ستفزن بثواب جزيل ورضا الله تعالى وقربه، أو أنّكن ـ والعياذ بالله ـ ستحرمن الثواب وترجعن بيدٍ خالية.
من المسائل المهمّة مسألة الإخلاص والنية الحسنة، فكلما كان إخلاصنا لله سبحانه وتعالى، أكثر ونيّتنا أصدق، ارتقى مستوى عملنا وثواب زيارتنا إلى درجات أسمى وأرقى.
كلّنا نصلّي ونصوم ونؤدّي الزيارات، لكنّا لا نحصل على مقدار واحدٍ من الثواب، والسبب هو مستوى إخلاص كل منّا، فكلما كان إخلاصنا أكثر كان ثواب عباداتنا أكثر.
من يسلك طريق العلم عليه أن يتحلّى بالإخلاص والأخلاق الفاضلة، وبما أنكن قد سلكتن هذا الطريق فعليكن الاقتداء بمولاتنا سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها في الإخلاص في العمل، والالتزام بحسن الأخلاق؛ حتى تنلن التوفيق والنجاح. طالعن التاريخ فستجدن الكثير من النساء اللواتي استطعن هداية الكثير إلى نور أهل البيت سلام الله عليهم. فالمرأة التي تجدّ وتجتهد في تعلّم علوم الإسلام وتخلص النيّة وتستفيد من عمرها بصورة أفضل سيُخلّد التاريخ ذكرها واسمها وتصبح نموذجاً تقتدي بها النساء.
إن أحد عشر من الأئمة المعصومين سلام الله عليهم هم من ذريّة مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها وطاعتهم مفروضة وهم أسوة وحجج على الخلق أجمعين وسيدتنا الزهراء سلام الله عليها حجة عليهم، كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه: «نحن حجج الله على خلقه وجدّتنا فاطمة حجة علينا»[42]. حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها فقالت: إن لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك أسألك. فأجابتها فاطمة سلام الله عليها عن ذلك، ثم ثنّت، فأجابت، ثم ثلّثت [فأجابت] إلى أن عشّرت فأجابت، ثم خجلت من الكثرة، فقالت: لا أشقّ عليك يا بنت رسول الله. قالت فاطمة سلام الله عليها: هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل، وكراؤه مائة ألف دينار، أيثقل عليه؟ فقالت: لا. فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً، فأحرى أن لا يثقل عليّ. سمعتُ أبي [رسول الله صلى الله عليه وآله] يقول: إن علماء شيعتنا يحشرون، فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجِدِّهم في إرشاد عباد الله، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف خلعة من نور [39].
ينبغي للنساء أن يتأسّين بسيدتنا الصديقة الكبرى سلام الله عليها في كل شيء، ومن أهمّ ذلك هو أن يتعلّمن المسائل الشرعيّة وعلوم أهل البيت سلام الله عليهم، ويسعين في تعليم سائر النساء.
إنّ علوم أهل البيت سلام الله عليهم توجد فيها الأحكام والعقائد والآداب والسنن، فاسعين إلى تعلّمها وعلّمن الأخريات، واعلمن أنه بمقدار ما تبذلن من الجهد والسعي في هذا المجال ستنلن يوم القيامة القرب من مولاتنا سيدة نساء العالمين سلام الله عليها. فكثير من بنات اليوم لا يعرفن المسائل الشرعية ولا آداب الإسلام ولا ثقافته، فأوصيكن أن تنتهزن العطلة الصيفيّة في جمع الطالبات من أقاربكن ومن محلّتكن واعقدن لهن جلسات تعليم أصول الدين وأحكامه وأخلاقه وآدابه وسننه. ويمكنكن الاستعانة بكتاب «المسائل الإسلاميّة» حيث تطرّقت في مقدمته إلى ذكر شروح حول أصول الدين وفروعه وأخلاقه. فعلى كل واحد منّا واجبان:
الأوّل: أن نعمل أنفسنا بأحكام الإسلام، والثاني أن ندعو الآخرين إلى العمل بتلك الأحكام. فنحن مكلّفون بإعطاء الخمس وتحفيز الآخرين على ذلك. فالذي يخمّس ولا يأمر بالمعروف، أو لا يحفّز الآخرين على دفع الخمس، فإنّه قد عمل بواحد من الواجبين. والذي يخمّس ويأمر بالمعروف أو يدعو الآخرين لدفع الخمس فإنّه قد عمل بالواجبين، والذي يترك كلا العملين فإنّه تارك لكلا الواجبين.
إنّ هذين الواجبين، واجبان مستقلان عن بعضهما. لذا لا يصحّ لنا أن نترك تبليغ وتعليم أحكام الدين إن لم نوفّق للعمل بهما. بل من الجدير ضمن سعينا في تبليغ وتعليم أحكام الإسلام للآخرين، أن نسعى في العمل بتلك الأحكام.
إن الزوّار على قسمين: قسم يعود من الزيارة وقد نال رضى الله سبحانه وقسم يعود ـ والعياذ بالله ـ صفر اليدين.
فليستفد زوّار أهل البيت سلام الله عليهم من الزيارة أكبر قدر سواء كان المزور إماماً معصوماً كالإمام الرضا سلام الله عليه أو غير إمام معصوم كالسيدة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليه التي ورد بحقّها الحديث الشريف عن الإمام الصادق سلام الله عليه: «من زارها عارفاً بحقها وجبت له الجنة»[41].
فيجدر بالزائرات الكرام أن يزرن بقلوبهنّ حتى يحظين برعاية المزور وتُقبل زيارتهن، فإنّ ذلك من أهمّ ما ينبغي رعايته حين الزيارة.
ذكروا عن أحد العلماء أنه أثناء زيارته للإمام الرضا سلام الله عليه شاهد آلاف الزوّار يسلّمون على الإمام في آن واحد، ففكّر في نفسه: كيف يجيب الإمام على هذه الجموع؟ فانكشف له في تلك الحال، فرأى الإمام يجيب ـ وبصورةٍ معجزة وفي لحظة ـ على سلام كل واحد من تلك الآلاف بسلام خاص به.
فالزائر يلزم أن يكون منتبهاً إلى أن الإمام حاضر وينظر إليه، حيث نقرأ في الزيارة: «أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع كلامي وأنك حيّ عند ربّك تُرزق»[42] فإذا تكلّم الزائر بروحه مع الإمام فسيتوجّه الإمام إليه، وسيرجع برعاية الإمام سلام الله عليه.
كما يجدر بالزائر أن يكون قريباً من أهل البيت سلام الله عليهم، وذلك بالالتزام بحُسن الخُلق وخصوصاً في السفر. فإن الخُلُق الحَسن من أهم ما أكّده أهل البيت سلام الله عليهم في أحاديثهم الشريفة، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «إن العبد لينال بحُسن خُلقه درجة الصائم القائم»[43].
قال تعالى: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) [45].
عندما يقوم أحدنا بزيارة مراقد أهل البيت صلوات الله عليهم، ماذا يكون هدفه من الزيارة؟ أهو لدنياه أم لآخرته، لنفسه أم لأقاربه، الأحياء منهم أم الأموات؟
مهما كان الهدف فإن المهم هو مدى الاستفادة منها. فربّ أخوين أو أختين أو زوجين أو صديقين أو زميلين يأتيان للزيارة لكن تكون استفادة أحدهما مئة بالمئة، والآخر عشرة بالمئة أو عشرين وهكذا.إن الإمام المعصوم صلوات الله وسلامه عليه باب عطائه وكرمه وفضله مفتوح للجميع بدون فرق أو استثناء، سواء كان رجلاً أو امرأة، عالماً أو جاهلاً، شابّاً أو كبير السن. لكن الإمام سلام الله عليه يعطي كل زائر حسب مستوى عقيدته وإيمانه ونسبة عمله الصالحات. وهذا ما يستفاد من الروايات الشريفة.
إن الله عزّ وجلّ يتعامل مع عباده في العطاء بنسبة إيمانهم وأدائهم الفرائض والعبادات والتزامهم بالأعمال الصالحة. فالله تعالى يقبل الصلاة من كل مصلٍّ بمقدار تركيزه والتفاته في صلاته، وهكذا في بقية العبادات.
والاُسلوب ذاته اتخذه أهل البيت سلام الله عليهم أيضاً. فبنسبة ما لدى كل واحدة منكن من الإيمان وبنسبة التزامها بالصالحات تكون استفادتها من الزيارة، والدعاء لنفسها ولغيرها وللأموات والأحياء من أرحامها وأقربائها.إن كرم أهل البيت سلام الله عليهم واسع وكثير، وهكذا فضلهم وعطاؤهم فحاولن وصممن على الاستفادة أكثر وأكثر من زياراتكن لهم بأن تقوّين إيمانكن وتزدن في التزامكن بالطاعات والاعمال الصالحة. ولتكن زياراتكن لهم سلام الله عليهم زيارة بانتباه وحضور قلب.
ورد في حديث شريف متواتر، رواه الخاصّة والعامّة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «هذا علي مع القرآن والقرآن مع علي ... ألا وإني سائلكم غداً ما ذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم عليَّ حوضي»[48]. فالقرآن هو كتاب الله تعالى نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليّ إمام من قِبَل الله سبحانه ووصي رسول الله وهما يلتقيان دائما، ولاتوجد منطقة فراغ. فعليّ يدعو إلى القرآن والقرآن يدعو إلى علي سلام الله عليه.
إن القرآن حينما يأمر بالصلاة فـ عليٌّ سلام الله عليه في طليعة الآمرين بالصلاة، وفي طليعة المقيمين لها. وإذ يأمر بحُسن الخُلق فـ : عليٌّ هو القدوة في حسن الخلق وهو يدعو إليه. وإذ يأمر القرآن بصلة الرحم وينهى عن قطعه فـ : عليٌّ سلام الله عليه في طليعة من وصل الرحم واجتنب قطعه وأمر بصلة الرحم ونهى عن قطعه. ولئن كان القرآن الكريم يدعو إلى حسن الجوار فـ : عليٌّ سلام الله عليه في طليعة من يحسن لجاره ويأمر بحسن الجوار. وليس هنالك ما أمر به القرآن إلاّ كان أمير المؤمنين سلام الله عليه في طليعة العاملين وفي طليعة الآمرين بعد مولانا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
إن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا الحديث لم يقل (أنا أسألكم) وإن كان يؤدّي المعنى نفسه وإنما قال (إني سائلكم) وهذا يدلّ على التأكيد. فكل من له معرفة وإلمام بالعربية يعرف أن الجملة الإسمية يوتى بها للتأكيد. مثلاً إذا قال أحد لابنه (أنا أسألك غداً عن الأمر الفلاني) فهذا للسؤال وهو جملة فعلية. أما إذا أراد التأكيد فيقول له (إني سائلك غداً عن الأمر الفلاني) وهي جملة خبرية إسمية، للتأكيد.
لا شك أن مولانا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يسأل الجميع يوم القيامة عن القرآن وعن عليّ، فقد قالت مولاتنا الزهراء سلام الله عليها: «والزعيم محمد والموعد القيامة»[49]. فكل واحد منّا ـ سواء كان رجلاً أو امرأة، شيخاً أو شابّاً غنياً أو فقيراً ـ سيُسأل يوم القيامة: كيف كان عملك بالقرآن؟ واتّباعك لعليّ؟
ورد في الحديث الشريف عن مولانا الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «إن الله جعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا»[51]،
إن القرآن الحكيم وأهل البيت هما أمران لا يفترقان. فكل ما يقوله القرآن يدعو إليه أهل البيت، وكل ما يدعو إليه أهل البيت فجذوره موجودة في القرآن الكريم.إن القرآن يأمر بالصلاة وأهل البيت هم السابقون إلى الصلاة ولقد أقاموها وأمروا بها. والقرآن يأمر بحسن الخُلق وأهل البيت هم القمّة في حسن الأخلاق وفي طليعة من يدعو إلى ذلك. والقرآن يدعو إلى الإخلاص لله تعالى وأهلُ البيت هم القمم في الإخلاص والسابقون في ذلك والمعلّمون له. والقرآن نهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وأهل البيت هم أشدُّ من إجتنبها وإجتنب كلّ ما نهى الله تعالى عنه.
أوصيكن بالمواظبة على تلاوة القرآن الكريم والعمل بآياته الشريفة، وأن تعملن بما تقرأنه أو تسمعنه من أقوال وسيرة أهل البيت سلام الله عليهم.
لم نكن نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله لنرى من قريب كيف كانت أخلاقه، وكيف كان يتعامل مع الناس، ومع أقربائه، وجيرانه، وأعدائه، وماذا كان يقول، وكيف كان جوابه إذا سألوه، وكيف كان يردّ إذا عارضه أحد أو شاكسه؟ ولم نعرف كيف كانت صلاته وصومه وحجّه وإنفاقه وسائر عباداته وتعامله صلوات الله وسلامه عليه وآله، إلاّ بمقدار ما ورد في الأحاديث الشريفة وتاريخ السيرة النبوية الكريمة.
إذا أردتن معرفة أنّه كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله فعليكن بأحاديث أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فقد قال الإمام الصادق سلام الله عليه واصفاً أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله: «كان خُلقه القرآن»[53]، ثم ـ كمصداق، وكجزئي في هذا المجال ـ تلا الإمام سلام الله عليه قوله تعالى: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) [54]، ثم قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك[55].كل الأخلاق الطيّبة الموجودة في القرآن الكريم فهي خُلق رسول الله صلى الله عليه وآله فيجدر بالمؤمنات كافّة، الاستنان بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله والاقتداء به في عباداتهن وأقوالهن وسلوكهن وذلك بأن يقرأن آيات القرآن في صباح كل يوم ويتدبّرن فيها ويعزمن على العمل بها والالتزام بمضامينها حتى يكنّ ـ إن شاء الله تعالى ـ مصداقاً لمن يمتثل لقوله جلّ وعلا: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ) [56].
إن أهل البيت سلام الله عليهم هم خير أسوة في كل شيء. ومما يجب علينا أن نتعلّمه منهم أنهم سلام الله عليهم كانوا ينفقون في سبيل الله سبحانه كل ما يقع في أيديهم من الأموال والثروات لأن المال والثروة وكلّ مظاهر الدنيا التي يعتزّ بها كثير من الناس لاتعدل عندهم شيئاً.
والثمين عندهم هو رضا الله وطاعته جلّ وعلا، وليس متاع الدنيا.
علينا أن نقتدي بهم سلام الله عليهم وأن نفكّر ونتأمل في سبب مجيئنا إلى هذه الدنيا؟ وما هو الدور المطلوب منّا؟
إنّ مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا ليس لكي يأكل ويلبس ويسكن في بيت كذا. وليس من الصحيح أن يصرف الإنسان عمره لأجل هذه الأمور الدنيوية فقط، بل عليه أن يستفيد من عمره فيما يرضي الله تعالى وفي خدمة المؤمنين وقضاء حوائجهم، وأن يستفيد من الدنيا قدر الضرورة وقدر ما يقوّيه ويعينه على طاعة الله تعالى وعبادته.
لذا يجدر بالإنسان أن لا يصبّ جلّ اهتمامه للمأكل والملبس وما شابههما، أو يسرف فيها، أو يتخاصم مع زوجته بسببها.
اعلمن أن إعانة الشابّات وتسهيل أمور زواجهن هي من الأمور المحفوظة عند الله ( وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ ) [58]، كما ورد في القرآن الكريم. فتوسّلن إلى الله جل شأنه بأهل البيت سلام الله عليهم كي يعينكن على تقديم خدمات أكثر، وصمّمن على أن تستفدن أكثر وأكثر من أموالكن وطاقاتكن ولحظات عمركن في إحياء أمر المعصومين الطاهرين صلوات الله عليهم، ومنها إعانة المؤمنين والمؤمنات في تزويجهم. واعلمن أن التصميم على هذا الأمر هو من علائم قبول الأعمال.
إن الذين ظلموا أمير المؤمنين سلام الله عليه وغصبوا الخلافة لم يظلموا الإمام وحده، وإنما ظلموا المؤمنين والإنسانية كلّها والتاريخ. فقد ورد في زيارة الغدير المنسوبة للإمام الهادي سلام الله عليه: «وحال بينك وبين مواهب الله»[60].
إن بعض الخصائص التي وهبها الله سبحانه وتعالى لأمير المؤمنين سلام الله عليه لا ترتبط بخلافته الظاهرية. فهو سلام الله عليه ولي الله وحجّته على الخلق أجمعين، وإمام المتّقين، وباب مدينة علم الرسول صلّى الله عليه وآله، سواء كان حاكماً أو جليس الدار.
وللإمام سلام الله عليه خصائص أخركانت ستعطي ثماراً وخيراً كثيراً للناس لو أن الأمة أطاعوه واتبعوه، كما قال سلام الله عليه: «ولو أن الأمة منذ قُبض رسول الله صلى الله عليه وآله اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم»[61]. لكن أعداء الله منعوا تحقق ما أوصى به رسول الله صلّى الله عليه وآله يوم الغدير وحرموا الناس من مواهب الإمام بإقصائهم الغدير، وصاروا سبباً لكل ظلم وقتل وفساد وفقر وسنّة سيئة.إن ثقافة الغدير مدرسة لبناء وتربية مجتمع سليم، وباقي الثقافات واهية وضالة. فقد ربّت ثقافة الغدير المؤمنين والصلحاء ومنهم أبو ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه الذي زرع بذرة التشيّع في جبل عامل اللبنانية فكان من ثمار ذلك أن خرّجت هذه البلدة الآلاف من المؤمنين والعلماء الصالحين.
أما باقي الثقافات فإنها قد صنعت أشخاصاً خارجين عن الإنسانية بل دمويين أكثر من الحيوانات المفترسة.
كما إن من خصائص ثقافة الغدير العدل، والمساواة، والإيثار والتضحية وحبّ الخير للآخرين ونبذ الدنيا وزخرفها وزبرجها. فهذا أبو ذر رضوان الله عليه فضّل الغربة والبعد عن الوطن على الراحة مع السكوت على الظلم. فقد نفاه عثمان إلى الشام، فقام هناك يدعو الناس إلى أهل البيت الأطهار سلام الله عليهم أجمعين، فأرسل معاوية رسالة إلى عثمان حذّره فيها بأن بقاء أبي ذر سيفقده الشامات. فردّه عثمان إلى المدينة على بعير عليه قتب يابس، معه خمسمئة من الصقالبة يطردون به حتى أتوا به المدينة وقد تسلّخت بواطن أفخاذه وكاد يتلف، فقيل له: إنّك تموت من ذلك. فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى.. [62]، بعد ذلك نفاه عثمان إلى الربذة فقضى نحبه فيها من شدة الجوع.
وجاء في الروايات الشريفة: عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ: دَعَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [الصادق سلام الله عليه] مَوْلًى يُقَالُ لَهُ مُصَادِفٌ فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَقَالَ لَهُ: تَجَهَّزْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى مِصْرَ فَإِنَّ عِيَالِي قَدْ كَثُرُوا.
قَالَ: فَتَجَهَّزَ بِمَتَاعٍ وَخَرَجَ مَعَ التُّجَّارِ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ مِصْرَ اسْتَقْبَلَتْهُمْ قَافِلَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ مِصْرَ فَسَأَلُوهُمْ عَنِ الْمَتَاعِ الَّذِي مَعَهُمْ مَا حَالُهُ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ مَتَاعَ الْعَامَّةِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِصْرَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَتَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ لا يَنْقُصُوا مَتَاعَهُمْ مِنْ رِبْحِ الدِّينَارِ دِينَاراً، فَلَمَّا قَبَضُوا أَمْوَالَهُمُ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ مُصَادِفٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه وَمَعَهُ كِيسَانِ كُلَّ وَاحِدٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ:
جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا رَأْسُ الْمَالِ وَهَذَا الآخَرُ رِبْحٌ.
فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرِّبْحَ كَثِيرٌ وَلَكِنْ مَا صَنَعْتُمْ فِي الْمَتَاعِ؟
فَحَدَّثَهُ كَيْفَ صَنَعُوا وَكَيْفَ تَحَالَفُوا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ تَحْلِفُونَ عَلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ أَنْ لا تَبِيعُوهُمْ إلاّ بِرِبْحِ الدِّينَارِ دِينَاراً؟!
ثُمَّ أَخَذَ أَحَدَ الْكِيسَيْنِ وَقَالَ: هَذَا رَأْسُ مَالِي وَلا حَاجَةَ لَنَا فِي هَذَا الرِّبْحِ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مُصَادِفُ مُجَالَدَةُ السُّيُوفِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ الْحَلالِ.[63]
كما ذكرت الروايات: كان ابن أبي عمير رجلاً بزّازاً وكان له على رجل عشرة آلاف درهم فذهب ماله وافتقر، فجاء الرجل فباع داراً له بعشرة آلاف درهم وحملها إليه فدقّ عليه الباب فخرج إليه إبنُ أبي عمير فقال له الرجل:
هذا مالك الذي لك عليّ فخُذه.
فقال ابن أبي عمير: فمن أين لك هذا المال؟ ورثته؟
قال: لا.
قال: وُهب لك؟
قال: لا، ولكني بعت داري الفلاني لأقضي دَيني.
فقال ابن أبي عمير رحمه الله: حدّثني ذريح المحاربي عن أبي عبد الله سلام الله عليه أنه قال:
لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدَين، ارفعها فلا حاجة لي فيها، والله إني محتاج في وقتي هذا إلى درهم وما يدخل ملكي منها درهم.[64]
كان بإمكان ابن أبي عمير أن لا يسأل المدين عن كيفية إتيانه لهذا المال ولا إشكال عليه في ذلك أبداً لأنه كان يطلبه وكان في وضع مالي صعب وحرج، لكنه امتنع عن استلام حتى درهم واحد منه.
وهكذا تربّي ثقافة الغدير المؤمن بأن تجعله يحبّ لغيره ما يحبّه لنفسه.
حقاً لو كانت ثقافة الغدير هي الحاكمة لما وجدنا فقيراً واحداً، وما ظُلِم أحد، وما وقعت حالة طلاق بلا مسوّغ شرعي أبداً، ولعاشت البشرية في رغد وسعادة ورفاه، ولكن الظالمين حالوا دون ذلك.
فاللازم على كلّ من يؤمن بالغدير وثقافته أن يلتزم بالأمرين التاليين:
1. الاقتداء بسيرة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عملاً وبصدق وإخلاص، وعدم الاكتفاء بالادعاء فقط.
2. الامتثال لمبادئ ثقافة الغدير كما كان ابن أبي عمير وأبو ذر وغيرهما، والعمل على نشرها.
إن الشاكّ بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه لا يكون مؤمناً بالرسول صلّى الله عليه وآله وبما جاء به من عند الله تعالى، كما خاطب الإمام الهادي جدّه أمير المؤمنين في زيارة يوم الغدير: «والشاكّ فيك ما آمن بالرسول الأمين»[66].
لقد ذكر القرآن الكريم ولاية أمير المؤمنين في موارد عديدة ومنها قوله عزّ من قائل: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [67]. وهذه الآية الكريمة ليست تهديداً للنبي المصطفى صلّى الله عليه وآله وإن كانت صيغتها صيغة تهديد وإنما المقصود بها كلُّ من لا يرضى بهذا الأمر العظيم، ليعلموا أهميته وعظمته عند الله جلّ شأنه. فالقرآن الحكيم نزل في كثير من آياته بطريقة «إيّاك أعني واسمعي يا جارة»[68]، كما جاء في أحاديث أهل بيت العصمة سلام الله عليهم.
كما أن من الإيمان برسول الله صلّى الله عليه وآله الإيمان بأمير المؤمنين سلام الله عليه وبولايته، فقد قال صلّى الله عليه وآله: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»[69].
الدعاء والسعي يلزم أن يكونا معاً، وبافتراقهما فإنهما ناقصان، أما إن اجتمعا فسيعطيان النتيجة المطلوبة والمرجوّة. وفي القرآن الكريم آيتان، إحداهما ذكرت أهمية الدعاء، والثانية ذكرت أهمية السعي، وكلتاهما جاءتا بصيغة الحصر والاستثناء وهو قوله تعالى: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) [71] و ( وَأَنْ لَيْسَ لِْلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى ) [72].
ينبغي للإنسان أن يبدأ عمله بذكر الله سبحانه وبقول بسم الله الرحمن الرحيم، سواء كان عملاً سهلاً أو صعباً. فإن ذكر الله جلّ شأنه فيه ثمرات كثيرة، كما ثبت بالتجربة أن طالب العلم عندما يبدأ ببسم الله ويستعين بالله سبحانه لأجل فهم وحلّ المسائل العلمية الصعبة تنفتح له أبواب الفهم.
لا يخفى أن التوسّل بآل البيت سلام الله عليهم هو عين التوسل بالله تعالى، ومصداق طلب العون منه تبارك وتعالى. إن الله عزّ وجلّ جعل المعصومين الأربعة عشر هم السبيل للتقرّب إليه للناس جميعاً، بل وللأنبياء والمرسلين وحتى الملائكة.
إن جبرئيل علّم آدم عليه السلام التوسّل إلى الله تعالى بأسماء المعصومين الخمسة أصحاب الكساء سلام الله عليهم كي يستجيب الله دعاءه. وحدث الأمر نفسه مع نوح النبي وغيره من أنبياء الله عليهم السلام.
أما الكدح الذي ورد في قوله عزّ وجلّ: ( يا أَيُّهَا اْلإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقيهِ ) [73]، فهو أعلى مرتبة من السعي. ومعناه اصطلاحاً هو اكتساب الشيء بمشقّة. فالله تعالى أودع في الإنسان قوى عديدة، لكن أكثر الناس لا يستثمرونها في الوصول إلى هدفهم المنشود.
إن العظماء كأبي ذر وسلمان رضوان الله تعالى عليهما لم يبلغا المراتب العالية اعتباطاً، ولم يولدا عظيمين. فالعظمة لا يحصّلها العظيم منذ أن يولد، وإنما بعد الكدّ والتعب وبذل المساعي والجهود. فالصالحين والعظماء نالوا الدرجات الرفيعة يجدّهم واجتهادهم في الدعاء والعمل وبالتوسّل بالله سبحانه وتعالى.
لقد أوصى القرآن الكريم ببذل الجهد والسعي، فيجدر بالمرأة أيضاً أن تكون ساعية
دوماً ولا تهدر حتى لحظة واحدة من عمرها في غير النافع أو الضروري. وعليها أن لا
تغفل عن ذكر الله تعالى وعن التوسّل إليه بأهل البيت سلام الله عليهم، فهم الواسطة
بينه وبين العباد، وهم الوسيلة للقرب إليه.