السعادة كلمة رائقة، والّذي ينبغي أن يُلاحظ هو أنّ من الذي طبّق السعادة واقعاً. ورد في التاريخ الإسلامي، وفي الروايات الشيعية وغير الشيعية ـ بل روى غير المسلمين أيضاً ـ أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، منذ أن بشّر الناس بالإسلام، قد ظهرت حقيقة السعادة في أقواله وأفعاله على حد سواء.. إن النبي صلى الله عليه وآله لبث في مكّة المكرّمة ثلاث عشرة سنة، واجه خلالها ضغوطاً كبيرة من قِبل المشركين، ولذلك غادر مكّة إلى المدينة المنورة وأقام بها أوّل حكومة إسلامية حيث يقطن عدد كثير من اليهود والنصارى، ثم جاء تأكيد القرآن الحكيم بأن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود.
روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أن النبي صلّى الله عليه وآله قال: «من ترك ديناً أو ضياعاً فعليّ ومن ترك مالاً فلورثته. ... وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله صلّى الله عليه وآله وإنهم آمنوا على أنفسهم وعلى عيالاتهم».[2]
ذلك لأنه قد جرت العادة لدى المشركين واليهود والنصارى والمجوس، قبل الإسلام، على أخذ رسوم وضرائب على أموال المواريث، وهذه العادة، أو الأصل، لم تزل باقية حتى يوم الناس هذا.
أما في الإسلام فلا وجود لشيء من هذا القبيل. وإنما ذهب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبعد من ذلك حينما قرّر بأن من رحل عن الدنيا وكان عائلاً ولم يترك لعائلته إرثاً، فهؤلاء يدخلون في عهدة النبي صلى الله عليه وآله وأكثر من ذلك جعل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله على نفسه قضاء دين الميت، ومنع الدائنين من مراجعة زوجته وأطفاله في طلب سداد الدين المترتب عليه. إن أقوال وتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وآله تلك صارت باعثاً ومحفزاً لدى يهود مكة وأطراف المدينة، لدخول الدين الإسلامي؛ لأن حرص جمع المال وقصر الهم على الاقتصاد، كانت قد تأصلت في نفوس اليهود من قديم عهدهم، فهبوا يدخلون ـ جماعات جماعات ـ في الإسلام لرؤيتهم أنّ هذا القول من النبي هو في صالح ثرواتهم وثروات أسرهم..
إنكم لا تجدون حتى في أكثر بلدان عالم اليوم تقدماً، رئيس حكومة يتعهد بقضاء ديون الميت، كما لا تجدون قانوناً من قوانين دنيا اليوم، ينص على أن من استقرض مالاً وعجز عن ردّه حتى مات، فعلى الدولة تسديد ديونه.. في حين نجد في أحكام الإسلام أن من مات فقيراً، وكان في ذمته دين، ولم يترك لورثته ما يقضون به دينه، فعلى إمام المسلمين قضاء دينه.
جاء في بعض الروايات أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لم يأكل أيام حكومته التي استمرت أربع سنين والتي ضمت بقاعاً مترامية الأطراف (50 بلداً بتقسيمات اليوم)، لم يأكل لحماً إلاّ في يوم واحد في السنة، وهو يوم عيد الأضحى، مواساة منه لأضعف المسلمين؛ فأين تجدون مثل هذا النموذج في الحكم.
إن السرقة والسطو والإغارة كانت متفشية قبل الإسلام، ولكن لما بعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بالإسلام، انقطع دابر السرقة، واستمر الحال كذلك نحو مئتي عام أي حتى زمان حكومة المعتصم العباسي الذي لم يدر من أين يجب أن تقطع يد السارق وعجز العلماء عن الإجابة الصحيحة فرجع إلى الإمام الجواد سلام الله عليه.[3]
هناك ثلاث كلمات تعتبر من مظاهر الإسلام الجميلة والرائعة: الأولى فيما يخصّ التشجيع على كسب العلم، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «اطلبوا العلم ولو بالصين»[5] في وقت كان أكثر الناس لا يعرفون الصين ولم يكن أحد ليفكّر بالسفر إليها، لمشقّة الذهاب الذي كان قد يستغرق سنتين على الأقلّ، وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «قيمة كل امرئ ما يحسنه»[6].
أما الكلمة الثانية؛ ففي الجانب الإنساني من الإسلام. فرغم أن النبي صلّى الله عليه وآله قال: «إن عمود الدين الصلاة، وهي أول ما يُنظر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحّت نُظر في عمله، وإن لم تصحّ لم يُنظر في بقية عمله»[7] إلا أنه أُخبر ذات يوم عن امرأة تحيي ليلها بالصلاة والعبادة والدعاء، ولكنها سيئة الخلق مع جيرتها، فقال: «لا خير فيها، هي من أهل النار»[8] وهذا ما يشير بوضوح إلى مدى ما يوليه الإسلام للجانب الإنساني من الأهمية.
أما الكلمة الثالثة؛ اهتمام الإسلام بالسعي والعمل البنّاء، فالإسلام يكره وينبذ التقاعس والاتكالية وثقافة التبرير والتهرب من تحمل المسؤولية. كما أعطى الإسلام قضية التحلّي بفضائل الأخلاق الرتبة الأولى. حتى إن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أعظم شخصية على الإطلاق، رغم المصاعب التي كان يواجهها في سبيل هداية الناس من الجاهلية إلى الإسلام والعلم، إلا أنه كان حريصاً كل الحرص على اختيار الكلمات الأكثر تناسباً لدى تعليم الناس مبادئ دينهم. فلم يكن يختار ـ في كثير من الاحيان ـ الأسلوب المباشر في الإرشاد، لعلمه المسبق بتنفّر النفس منه، وكان يعبّر عن حرمة كذا عمل بقوله: «إني أكره هذا».[9]
كما كان يعبّر بأساليب مختلفة ملؤها الأدب لإبلاغ التعاليم وإرشاد البشرية.
من المسائل المهمة جداً والمغفول عنها هي وصايا ومواعظ النبي صلى الله عليه وآله والتي تشمل أصول الدين والأحكام الشرعية والآداب والأخلاق. فهناك كثيرون لا يعرفون من العقائد إلاّ الاسم، وهذه تُعتبر مشكلة، لأن تعلّم العقائد من الواجبات الدينية، فيجب على كل مسلم أن يعرف العقائد الإسلامية.تثار هذه الأيام في المجالس والجامعات وغيرها شبهات حول الدين، كما تثار شبهات حول القرآن الكريم الأئمة الأطهار والعقائد الإسلامية، وهذا يحمّلنا المسؤولية للردّ عليها، فيجدر بنا إذاً أن نضاعف من قدراتنا العلمية لنستطيع الإجابة على الشبهات.
وأوصي المؤمنات بأن لا يكنّ ممن يعملن المستحبّات ويتركن الواجبات، وأدعوهن إلى مزيد من تعلّم أحكام الدين وأصوله وآدابه وأخلاقه وتعليمها للآخرين.
لقد منحنا الله تعالى جميعاً ـ صغاراً وكباراً؛ رجالاً ونساءً؛ القدرة على أن نكون مؤمنين صالحين بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولكن هذا الأمر بحاجة إلى عزم صادق وإرادة جادّة ومستمرة ـ وكما في الحديث الشريف؛ «إنما هي عزمة» ـ فلو صممنا حقّاً أن نكون كذلك فإن الله تعالى سيوفّقنا أيضاً.
«وردت رواية عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كَانَ لِي صَدِيقٌ مِنْ كُتَّابِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ [الصادق]، فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ سَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي كُنْتُ فِي دِيوَانِ هَؤُلاء الْقَوْمِ (بني أميّة) فَأَصَبْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ مَالاً كَثِيراً، وَأَغْمَضْتُ فِي مَطَالِبِهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه: لَوْ لا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ وَيَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ وَيُقَاتِلُ عَنْهُمْ وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا، وَلَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إلا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ.
فَقَالَ الْفَتَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَهَلْ لِي مَخْرَجٌ مِنْهُ؟
قَالَ: إِنْ قُلْتُ لَكَ تَفْعَلُ؟
قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ لَهُ: فَاخْرُجْ مِنْ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبْتَ فِي دِيوَانِهِمْ، فَمَنْ عَرَفْتَ مِنْهُمْ رَدَدْتَ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ تَصَدَّقْتَ بِهِ، وَأَنَا أَضْمَنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ.
قَالَ: فَأَطْرَقَ الْفَتَى رَأْسَهُ طَوِيلاً ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ.قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: فَرَجَعَ الْفَتَى مَعَنَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَمَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ إلا خَرَجَ مِنْهُ، حَتَّى ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ. فَقَسَمْتُ لَهُ قِسْمَةً، وَاشْتَرَيْنَا لَهُ ثِيَاباً، وَبَعَثْنَا إِلَيْهِ بِنَفَقَةٍ. فَمَا أَتَى عَلَيْهِ إلا أَشْهُرٌ قَلائِلُ حَتَّى مَرِضَ، فَكُنَّا نَعُودُهُ.قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً وَهُوَ فِي السَّوْقِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ! وَفَى لِي وَاللَّهِ صَاحِبُكَ. قَالَ: ثُمَّ مَاتَ، فَتَوَلَّيْنَا أَمْرَهُ، فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ! وَفَيْنَا وَاللَّهِ لِصَاحِبِكَ.
قَالَ: فَقُلْتُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَكَذَا وَاللَّهِ قَالَ لِي عِنْدَ مَوْتِهِ»[12].
إن التصرّف الذي بدر من هذا الرجل كان عظيماً جداً، وإنّ عزمه القاطع هو الذي صار سبباً لصدور هذا الموقف المشرّف منه. والملفت أنّ هذا الرجل كان من عمّال بني أميّة أي كان بعيداً عن خطّ أهل البيت عليهم السلام ومع ذلك وُفّق لهذه النهاية السعيدة، وأمّا نحن ـ محبّوا أهل البيت عليهم السلام ـ فالمرجوّ أن نكون أوفر حظّاً في التحوّل والرقيّ إن عزمنا، وأقرب إلى إعانة الله سبحانه وتعالى.
فلتطلب كل واحدة منكنّ، من الله تعالى أن يوفّقها لطاعته وللسير على طريق أهل البيت عليهم السلام، وأن تصمّم على أن تجعل رضا الله جلّ شأنه نصب عينها في جميع الأمور.
«روي عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنّه قال في خطبة الوداع: أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين. قالوا: يا رسول الله وما الثقلان؟ قال: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبّأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كإصبعيّ هاتين ـ وجمع بين سبّابتيه ـ ولا أقول كهاتين ـ وجمع سبابته والوسطى ـ فتفضل هذه على هذه»[14].
روى هذا الحديث محبّو أهل البيت عليهم السلام ومبغضوهم على السواء، المسألة الجديرة بالملاحظة هنا هي أنّ الإنسان إذا أراد الإشارة إلى شيئين مختلفين لا يستخدم سبّابتيه، بل السبابة والوسطى من نفس اليد، ولكن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فعل ذلك في هذه المرّة فقط ولم يُنقل أنه فعلها قبل ذلك. والسبب أنّه أراد أن يلفت الانتباه إلى أنّ القرآن الكريم والعترة الطاهرة هما صنوان ولا يختلفان في شيء مثقال ذرة، بعبارة أخرى، إنّ القرآن الكريم والإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف كلاهما واحد ويتّفقان في كل شيء. فقد أوصى أهل البيت سلام الله عليهم النّاس بالانقياد للقرآن الكريم وكذلك القرآن دعا الناس إلى الانقياد لهم. لذا، فلا يثني القرآن الكريم على شيء أو شخص ولا يحظى هذا الشيء أو الشخص برضا أهل البيت عليهم السلام، والعكس صحيح أيضاً.
روي أنّ القرآن في يوم القيامة يظهر في صورة فتى وسيم، ويشهد للمتّقين والذين عملوا بأحكامه وينتصر لهم، بينما يشهد على من تركه وراء ظهره ولم يعمل به أو لم يؤدّ حقّ أهل البيت سلام الله عليهم.[15]
جاء في وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضوان الله عليه: «يا أبا ذر ليكن لك في كل شيء نيّة صالحة حتى في النوم والأكل»[17] وقال:
هذه الوصية والعشرات من أمثالها ذكرتها العديد من كتب الروايات، والمخاطب فيها ليس أبا ذر وحده، بل هي للمؤمنين والمؤمنات جميعاً إلى يوم القيامة. وإني أوصي الجميع لاسيما المؤمنات المحترمات بحفظ هذه الوصايا لينفعن بها أنفسهن وغيرهن، فهي نافعة للدنيا والآخرة.
في هذه الوصية الثمينة يشير مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الهدف فيما يقوم به الإنسان في الحياة الدنيا، فالإنسان يسافر، ويأكل، ويشرب، ويتزوّج، ويتاجر، ويكسب المال، وينفقه، ويدرس ويدرّس، ويكتب ويخطب وما إلى ذلك، والناس يختلفون في أهدافهم، فقد يكون القصد لله تعالى، وقد يكون للشهوات الشخصية.
قال الله تبارك وتعالى: )وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى([18]، فليعزم كل واحد منّا أن يكون الهدف في كل ما يقوم به من عمل هو الله جلّ شأنه، وإن صغر العمل أو كان بسيطاً كشرب الماء مثلاً، فمرجع البشر جميعاً إلى الله تعالى فحريّ بنا أن تكون نيّتنا وقصدنا هو الله تبارك وتعالى لا غيره. فليُحسن المرء خُلقه مع عائلته لله تعالى لا وقاية من نقد الناس أو حتى لا يقع في مشكلة.
قالت سيدة نساء العالمين سلام الله عليها في خطبتها: «أنتم عباد الله نُصب أمره ونهيه»[20].
كل الناس في هذه الدنيا، رجالاً ونساءً، وفقراء وأغنياء، وموظفون وكسبة، وعلماء وغيرهم، هم نصب أمر الله تعالى ونهيه. فهذه الدنيا بمثابة مختبر للجميع، كل في مجاله. فكل واحد يختبر يومياً بل وفي كل ساعة بشبابه وبماله وبعمره وأولاده وأبويه وأقربائه وجيرانه وشركائه ومع زوجته. ثم تكون نتيجة الاختبار السعادة أو الشقاء في الدنيا، وفي الآخرة الجنة والنعيم أو العذاب والجحيم والعياذ بالله. فهذه هي خلاصة الحياة الدنيا للجميع.إن النتيجة التي يحصل عليها المرء في الدنيا والآخرة ترتبط بما يقوم به من عمل، ومدى استجابته لأوامر الله تعالى وتطبيقها والعمل بها. فقد نرى أخوين، أو زميلين، أوجارين، يكون أحدهما في قمة الخير، والآخر في حضيض الشرّ.يقول المرحوم السيد الأخ الأكبر رضوان الله تعالى عليه: كنت أعرف أخوين من أب واحد وأم واحدة، وكان أحدهما وضعه المالي ضعيفاً، والآخر في وضع أفضل. وكان الأول يخمّس ماله كل سنة أما الثاني فما كان يعمل بأمر الله تعالى في تخميس أمواله. وبعد فترة من الزمن مات كلاهما. فعاش أولاد الأول في نعيم، أما أولاد الثاني فعاشوا الجدب.فالإنسان يلزم أن يكون على بصيرة من أمره ويعلم أن كلّ ما يقوله ويعمله فهو تحت نظر الله جلّ شأنه. فعندما يتكلّم المرء أو يسكت فإن الله تعالى ناظر إليه. وعندما يأخذ المال أو يعطيه، وعندما يُمدح أو يُذمّ، وعندما تثور عنده مختلف الشهوات الدنيوية وإلى غير ذلك. فليعزم أن يكون كلامه سديداً وعمله صالحاً وأن يمتثل لما أمر به الله عزّ وجلّ وأن يواصل عزمه على ذلك حتى ينال التوفيق.
من وصايا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لأبي ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه: «يا أباذر اعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فإنه يراك»[22].
كل إنسان عندما يتحدث مع عائلته مثلاً أو في السوق أو في مكان عمله، يكون كلامه عن تفكّر وتفهم وتركيز في الحواس. وفي هذه الوصية يريد رسول الله صلى الله عليه وآله منّا أن نكون منتبهين إلى ما نقوله وما نقوم به أثناء تأدية العبادات، وإن كانت كلمة واحدة كقولنا (يا الله). فعندما نقول في الركوع (سبحان ربّي العظيم وبحمده) علينا أن ننتبه إلى أن الربّ العظيم ناظر إلينا ويسمع كلامنا كلّه.
إن الله تعالى ليس بجسم ولا يمكننا أن نراه أبداً، فإنّا لا نرى اُموراً بسيطة كجاذبيّة الأرض والوجع، أما الله سبحانه وتعالى فهو ناظر إلينا دائماً ويرى كل شيء يصدر منّا، سواء كان قولاً أو فعلاً، ومطلع على سرائرنا كلّها، فاللازم حينما نقول ونفعل أن نكون وكأنّنا نرى الله تعالى، فإذا لقّن الإنسان نفسه هذا النوع من التفكير حين الكلام والفعل ستكون عبادته لله تعالى أحسن وأفضل، وسيتجنّب المعاصي، وستكون حياته في الدنيا والآخرة حياة سعيدة.
قال الإمام الصادق عليه السلام: كَانَ [للنبي عيسى عليه السلام] صَدِيقٌ مُوَاخٍ لَهُ فِي اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ عِيسَى عليه السلام يَمُرُّ بِهِ وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ. وَإِنَّ عِيسَى غَابَ عَنْهُ حِيناً ثُمَّ مَرَّ بِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَ فَتُحِبِّينَ أَنْ تَرَيه؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: فَإِذَا كَانَ غَداً فَآتِيكِ حَتَّى أُحْيِيَهُ لَكِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهَا فَقَالَ لَهَا: انْطَلِقِي مَعِي إِلَى قَبْرِهِ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا قَبْرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ عِيسَى عليه السلام ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَانْفَرَجَ الْقَبْرُ وَخَرَجَ ابْنُهَا حَيّاً، فَلَمَّا رَأَتْهُ أُمُّهُ وَرَآهَا بَكَيَا، فَرَحِمَهُمَا عِيسَى عليه السلام فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَتُحِبُّ أَنْ تَبْقَى مَعَ أُمِّكَ فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَكْلٍ وَرِزْقٍ وَمُدَّةٍ أَمْ بِغَيْرِ أَكْلٍ وَلا رِزْقٍ وَلا مُدَّةٍ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى عليه السلام: بِأَكْلٍ وَرِزْقٍ وَمُدَّةٍ، وَتُعَمَّرُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَكَ. قَالَ: نَعَمْ إِذاً. قَالَ: فَدَفَعَهُ عِيسَى إِلَى أُمِّهِ، فَعَاشَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَزَوَّجَ وَوُلِدَ لَهُ.[24]
يجدر بالإنسان وهو في الدنيا أن يستعد دوماً ليوم الحساب في الآخرة، فينظر ما عليه من تقصير في العبادات وفي حقوق الوالدين والزوجة والأولاد والأرحام وبقية الناس كأكل المال بالباطل مثلاً أو بغض صدر منه أو غلّ، أو سوء خلق، ويسعى في جبران ما قصّر فيه.
فلا رجعة إلى الدنيا بعد الموت إلا للمعصومين سلام الله عليهم ولبعض المؤمنين الخلّص وذلك بالأدلة الثابتة. فعلى كل إنسان أن يعمل ما بوسعه لكي يكون في الآخرة من الفائزين، لامن المقصّرين الذي يسألون الله تعالى الرجعة إلى الدنيا لإصلاح ما قصّروا فيه من الواجبات وحق الله تعالى وحق الناس. فقد ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ياعلي تارك الزكاة يسأل الله الرجعة إلى الدنيا وذلك قول الله عزّ وجلّ: )حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ([25]».
ينبغي للإنسان أن يعزم على صلاح أمره فيتدارك ما قصّر في العبادة والطاعة والواجب تجاه الله سبحانه وتجاه نفسه والآخرين، ويصلح ما أفسد من قول أو عمل.
إن المؤمن لا يستوحش أبداً لأنه يؤمن بأن الله تعالى معه أينما حلّ وارتحل.
من تبعات الفراغ الروحي والأمراض الروحية الإحساس بالوحشة والغربة وربما تتعدى ذلك فتصيب المرء بالكآبة أو الإقدام على الانتحار والعياذ بالله. أما من يؤمن بوجود الله وأنه عزّ وجلّ ناظر إليه دائماً ومعه أينما كان، فلا يعاني الفراغ الروحي ولا يصاب بالأمراض الروحية، ويكون مصوناً من مشاعر الاحساس بالوحشة أو الغربة. فالإيمان بالله جلّ وعلا أمان للإنسان.
وجُنّة أيضاً من المعاصي والظلم، فكلّ من يعتقد بأنّ الله تعالى ناظر إليه دائماً، لا يتطاول على حقوق الآخرين، ولا يلوّث نفسه بالمعصية أو الذنب حتى في الخلوة. ويأمنه أهله وعائلته.
لقد ارتكب حكّام الجور عبر التاريخ الكثير، كان منها استغلال أموال المسلمين وتبذيرها والتلاعب بمقدراتهم. فقد نقل التاريخ من أفعال عثمان بن عفان أنه سلّط الوليد بن عقبة على خزانة الكوفة فاستقرض منها ما شاء، ثم طالبه عبد الله بن مسعود خازن بيت المال فكتب الوليد إلى عثمان بذلك، فكتب الأخير إلى ابن مسعود: (إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال). فلما انتهى إلى ابن مسعود كتاب عثمان طرح المفاتيح وقال: (كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما إذا كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك). ثم استقال من منصبه[27].
إن تأصيل المعتقدات الدينية وتعميم الثقافة الإسلامية بين الناس وبالأخص الشباب
هي أفضل السبل للحَدّ من الجرائم الفردية والاجتماعية. فالشاب الذي ينشأ على
الاعتقاد بأن الله ناظر إليه وأنه جلّ شأنه يعلم بما يُخفيه وما يُعلنه لا يَزِلّ،
ويكون مصوناً من الذنب والظلم.