الثقافة هي الاساس *

قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(1).
إنّ صيغة الآية الاستفهامية إنّما تريد الإشارة بوضوح إلى حقيقة الإجابة التي لا يختلف فيها اثنان، باعتبار أنّ العلم والعلماء أرقى منزلة من الجهل والجهّال.
إنّ مسألة الثقافة من أهمّ المسائل في كلّ أُمّة وحضارة. وقد يصحّ ما يقال بأنّ العالَم يدور على عجلة الاقتصاد والسياسة، ولكن الأصحّ من ذلك هو القول بأنّ الثقافة هي التي توجّه الاقتصاد والسياسة. فبقدر ما يحمل الفرد من ثقافة وعلم في كلا المجالين، فإنّه لا يَخسر ولا يُغلَب.
إنّ الثقافة الصائبة وحدها القادرة على مواجهة وتصحيح ما نراه من ثقافة ضحلة في عالم اليوم، لأنّ القوّة أو المال أو غير ذلك يعجز عن مواجهة الثقافات وتغييرها، إذ لا يقارع الثقافة إلاّ الثقافة. فقد يهزم التاجر زميله التاجر، والسياسيّ نظيره، ولكن الفكر والثقافة لا يهزمان بالمال أو القوّة السياسية أو العسكرية، بل لابدّ لمن أراد خوض الميدان الثقافي الهادف إلى التغيير أن يكون متسلّحاً بسلاح الفكر والثقافة. ومن هنا كان العمل الثقافي من أهمّ الأعمال في المجتمع، فهو يمثّل البناء التحتيّ لغيره من الأعمال.
إنّ من المغالطات المعروفة، الخلط بين وحدة الموقف السياسي ووحدة العقيدة، فتصوَّر الكثير من المسلمين بأنّ الوحدة بين الشيعة وغيرهم تعني فرض عقيدة واحدة على الجميع، في حين أنّ هذا الأمر شيءٌ مستحيل وخاطئ، إذ الاختلافات العقائدية من شأنها أن تُحلَّ بالحوار فقط، وصولاً إلى الحقّ وليس من الضرورة أن يتمّ الاتّفاق على كلّ المعتقدات، فإنّ الاختلاف سنّة الحياة، وقد قال تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)(2).
لو تطرّقنا إلى تفسير جانب من جوانب قوله سبحانه: (ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)(3) باعتبار أنّ الدليل هو الأمر الوحيد القادر على إحداث التغيير الجذري في قناعة هذا الإنسان أو ذاك، فإنّنا سنجد أنّ الآية الشريفة تريد تأكيد ضرورة أن يعرف من هلك أنّه إنّما هلك لاختياره طريق الضلالة، وأن يعرف من يحيا أنّه إنّما حيّ لاختياره طريق الهداية، فالمهمّ أن يكون الإنسان عارفاً بما اختار، فلا يهلك وهو جاهل بالأمر، وكذلك لا يكفي للمرء أن يكون على الطريق الصواب، بل يريد الله منه أن يكون عارفاً بأنّه على صواب، وأن يكون اختياره له عن دليل وبيّنة.
ولا يعني تغيّر الإنسان بسبب فكرة أو كلمة ضرورة أن يحدث التحوّل المعلن لديه دفعةً واحدة، لأنّ تغيير المواقف والعقائد والإعلان عنه ليس بالأمر الهيّن، فهو يغيّر تاريخه، بل ونوعية وجوده. ولكن الفكرة النيّرة تهزّ الإنسان ـ المنصف الواعي ـ وتدفعه إلى مزيد من البحث؛ وصولاً للحقيقة الكاملة، وإذا اتّضحت له البيّنة آمن، إلاّ أن يكون معانداً، والمعاندون قليلون، أمّا ما نراه في عامّة الناس من عدم الاهتداء إلى نور الحقّ فهو التعصّب الناشئ من الجهل وعدم انكشاف البيّنة، الأمر الذي يحتاج إلى وسائل وفرص كفيلة بذلك.
وهناك جملة من الأمثلة على نفوذ الثقافة الحقّة القائمة على البيّنة والبرهان في كثير من الأشخاص الذين كانوا يعيشون في بيئة عُرفت بعدائها للحقّ والحقيقة مثل ابن مروان بن الحكم الذي كان يسمّى بسعد الخير رغم ما هو معروف من بطلان منهج أبيه، ومثل عليّ ابن المسمّى صلاح الدين الأيّوبي الذي ارتكب ما ارتكب من مجازر رهيبة بحقّ الفاطميين والشيعة تحت مظلّة مقاومة الهجمات الصليبية.
وخلاصة القول: لمّا كان العمل الثقافي يعدّ من أهمّ الأعمال، بل أهمّها، فإنّ ذلك يستوجب توفّر ثلاثة شروط، لضمان نجاحه وتحويله إلى عمل مثمر، وهذه الشروط هي:
1. التأكّد بأنّ فكر أهل البيت عليهم السلام هو النور والمشعل الوضّاء والبيّنة، وأنّ هنالك الملايين من البشر محرومون منه، وأنّ مهمّة إيصاله إلى هذا الكمّ الهائل ليس بالمهمّة السهلة، ممّا يستدعي مضاعفة الجهود لنشر ثقافة هذا النور لتحرير الناس ـ بمن فيهم المفكّرون والمثقّفون ـ من ظلمات الجهل.
2. إذا أردنا لأعمالنا أن تحقّق أهدافها، فلابدّ أن تكون مطابقة للطريق الذي رسمه الشرع لنا، وإلاّ فسيكون مثَلنا مثل ذلك السائق الذي لا يتقيّد بالعلامات المرورية، ثمّ يتبيّن لنا أنّ المسافة التي قطعناها بعد مدّة طويلة لم تكن هي المطلوبة، وأنّه ينبغي علينا العودة إلى نقطة البداية لتصحيح المسار .. وبتعبير أدقّ: إنّ على العاملين في السلك الثقافي عموماً أن يعرضوا على الناس عين ما يريده أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم، فهم أعلام الهداية وأنوارها.
3. ضرورة العمل وفق أنجح الأساليب وأجمل التعابير، تماماً كما هو الحال بالنسبة لأساليب الأدعية الواردة عن أئمّتنا المعصومين سلام الله عليهم، حيث روعة البلاغة والفصاحة وجمال التعبير، فضلاً عن سموّ المعنى.


٭ حديث السيد المرجع في نخبة من المثقفين العاملين زاروه في بيته المكرم بمدينة قم المقدّسة.
(1) سورة الزمر، الآية: 9.
(2) سورة هود: الآية: 118.
(3) سورة الأنفال، الآية: 42.