حسِن الخلق يحوز خير الدارين *

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «حَسِنُ الخُلق ذهب بخير الدنيا والآخرة»(1).
إنّ المرء في أيّ مجال كان وفي أيّ بلد وفي أيّ مرتبة فهو مردّد بين الخير والشّر، إذ إنّ في الإنسان دافعاً الى الخير وهو العقل ودافعاً نحو الشر وهي النفس الأمّارة بالسوء. فإذا كان المرء حسن الخلق فإنّ دافع الخير عنده يغلب دافع الشرّ وسيكون نصيبه خير الدنيا والآخرة، بخلاف سيّئ الخلق فهو لا دنيا له ولا آخرة.
أمّا كيف يكون الإنسان حسن الخلق، فهذا يرجع إلى كلمة واحدة يمكن لكلّ إنسان أن يبدأ بالعمل بها من هذه اللحظة ومن هذا المكان الى آخر حياته. والكلمة هي ما ورد في حديث لمولانا الإمام الرضا سلام الله عليه حيث قال: «إنما هي عزمة»(2).
فأيّ إنسان عزم عزماً أكيداً على أن يكون خلوقاً فإنّه يوفّق لذلك.
وحسن الخلق هو أن تكون صادقاً في الكلام، صابراً عند المكاره، تلقى الناس دائماً ببشر الوجه وطلاقته، وأن تحلم عمّن يسيئ إليك، وإلى غير ذلك من محاسن الأخلاق.
يروى عن الامام الباقر صلوات الله وسلامه عليه، أنّه قد اعترضه شخص نصرانيّ وقال له ـ والعياذ بالله ـ : أنت بقر! فأجابه سلام الله عليه: بل أنا باقر(3).
وهذا هو الحلم. فاذا انتقصك شخص ما، فعليك أن تحلم، عندها تحوز على خير الدنيا وخير الآخرة، وهذا بحاجة الى العزم الذي تكون نهايته التوفيق.
وهذه سُنّة الحياة. فطالب العلم إذا عزم على أن يكون حسن الخلق فسيصبح عالماً، والكاسب إذا عزم على ذلك سيصبح تاجراً، والزوج سيكون محبوباً عند زوجته، وهكذا الزوجة.
بعبارة إخرى: إنّ حسن الخلق يكون محبوباً عند الله تعالى وعند الناس كافّة.
فمن الخطأ تصوّر وجوب ردّ السيّئة بالسيّئة. أجل إنّه جائز في الحدود الشرعية كما في قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(4). ولكنه ليس بواجب أو مستحبّ.
إنّه من يريد التوفيق وخير الدنيا و خير الآخرة والمحبّة عند الله عزّ وجلّ وعند الناس ينبغي له أن يردّ السيئة بالإحسان والحلم. فقد ورد في أحوال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّ إحدى زوجاته اتّهمته تهمة عنيفة في قضية قذف زوجته مارية القبطية(5)، فلم يقابلها صلّى الله عليه وآله بالمثل ولم يجبها، بل إنّه صلّى الله عليه وآله اكتفى بنفي التهمة عنه فقط؛ علماً أنّ هذه الرواية نقلت عن أحد المعصومين سلام الله عليهم ولم ينقلها غيرهم من سائر الناس، لأنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لم ينقلها لأحد من الناس. فينبغي تعلّم الفضائل هذه والخلق الحسن من رسول الاسلام صلوات الله وسلامه عليه، والقرآن الحكيم يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(6).
لقد رأيت الكثير ممن اتّصف بالخلق الحسن من العلماء وغيرهم من سائر الناس كانوا موفّقين في حياتهم وكانوا محبوبين عند الناس ولم يلقوا صعوبة في حياتهم.
إنّ أيّ فرد من أفراد الأسرة اذا كان حسن الخلق فإنّه سيكون محبوباً عند الجميع وسيقبل الله عزّ وجلّ أعماله، وإذا مات فسيترحّم عليه الناس، أمّا صاحب الخلق السيّئ فإنّه سيكون على العكس من ذلك تماماً.
لذا ينبغي لكم أن تعزموا على التحلّي بالأخلاق الحسنة، لتنالوا خير الدنيا وخير الآخرة.


٭ حديث سماحته لدى استقباله مجموعة من الطلاب والطالبات في الحوزة العلمية من عمان.
(1) الخصال للصدوق: ص42 باب الاثنين، معرفة التوحيد بتحصلتين، ح34.
(2) انظر بحار الأنوار: ج68 ص259 باب73 رقم 3، والعزمة (بفتح العين) هي صيغة مبالغة ومعناها: العزم الأكيد.
(3) انظر مناقب آل أبي طالب للمازندراني: ج3، ص337، باب إمامة أبي جعفر الباقر عليه السلام.
(4) سورة البقرة، الآية: 194.
(5) راجع تفسير الميزان للطباطبائي: ج15 ص103، مورد تفسير سورة النور، الآية: 11. والمستدرك على الصحيحين للحاكم: ج4 ص39، ذكر سراري رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومجمع الزوائد للهيثمي: ج9 ص161، باب فضل ابراهيم بن رسول الله صلّى الله عليه وآله.
(6) سورة الأحزاب، الأية: 21.