التبليغ والمنبر الحسيني *

نقرأ في الزيارة عبارة «اللهمّ اجعلنـي عندك وجيهاً بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة». هذه العبارة موجودة في زيارة الإمام الحسين ليوم عاشوراء، الذي عُدّ من الأحاديث القدسية.
تتمتّع زيارة عاشوراء باعتبار ووثاقة كبيرين، وليس لأحد التنكّر لذلك، لأنّ ذلك يعني في الواقع التنكّر لزيارة وارث، وزيارة الأربعين، والزيارة الجامعة، وزيارة الإمام الحسين في يوم عرفة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وعدد من الزيارات الأخرى، فجميع هذه الروايات تدخل ضمن نسق واحد.
أما زيارة عاشوراء فتعدّ من الأدعية العميقة الغور والعظيمة الأهمية، وهي تعدّ من النعم والألطاف الإلهية التي منّ الله بها على عباده، حيث رواها أئمّتنا المعصومون سلام الله عليهم، وعلى الرغم من أنّهم يتكلّمون بلسان الله سبحانه ـ وهذا بالضبط هو معنى العصمة ـ ولكن مع ذلك فإنّ زيارة عاشوراء تعتبر في الواقع زيارة خاصّة.
تبيّن العبارة المذكورة آنفاً والمقتبسة من زيارة عاشوراء كم أنّ الإنسان حقير مقابل عظمة الله جلّ شأنه، حيث يعترف بحاجته الماسّة إلى ربّه وأن لا وزن له ولا قيمة من دون الله، ويعلم علم اليقين أنّه لا يملك ما يقدّمه في حضرة معبوده سواء كان قولاً جميلاً أم عملاً رزيناً، وفي الحقيقة إنّا لا نتوافر على أهلية التحدّث إلى الله أو أن ننطق بكلمة «يا الله»، وإذا كنّا نملك شيئاً من هذا فإنّما هو منّة من الله وفضل حبانا بهما سبحانه فأذن لنا بدعائه كما في المنقول «وأذنت لي في دعائك»(1)، ولولا هذه الأدعية والزيارات، لما استطاعت عقولنا أن تحيط بهذه المعاني الراقية، ولولا لطف أهل البيت وكرمهم سلام الله عليهم، لما استوعب العرفاء والحكماء والفلاسفة هذه المعاني العجيبة والمضامين السامية.
نحن جميعاً نُعتَبر دعاة إلى فكر أهل البيت سلام الله عليهم ومدرستهم، وهذا يفسّر أهمية الدور الذي نضطلع به، وهي أهمية نابعة من أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نفسه كان مبلّغ الولاية، حيث خاطبه الله تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)(2)، وكذلك الإمام الصادق والإمام المهديّ سلام الله عليهما هما مبلّغان، ومن هذا المنطلق فإنّنا نُعتبر من مبلّغي أهل البيت سلام الله عليهم والسائرين على نهجهم، وهي نعمة أنعم الله بها علينا. ربّما يتعب الإنسان من عمله أو يصيبه الكلل و الندم، لكنّ المبلّغ الذي يرتبط بأهل البيت سلام الله عليهم ويكون في خدمتهم لا يكلّ ولا يملّ من عمله.
لذا ترانا في خطابنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسائر المعصومين نستخدم عبارة «يا وجيهاً عند الله»(3)، فالوجاهة والكرامة عند الله هي مقام جدّ عالٍ، وعندما نقرأ هذه العبارة المهمّة من زيارة عاشوراء يجب أن نلتفت إلى غور معناها ونحيط بعمق محتواها، وأن نعلم بأنّ لامتلاك الوجاهة عند الله شروطاً ليست باليسيرة.

شروط الوجاهة الربانية

وأحد هذه الشروط هو أن نمتلك صفة العفو والمسامحة إذ إنّ الإمام الحسين سلام الله عليه كان تجسيداً حيّاً لهذه الصفة العظيمة ونحن باعتبارنا دعاة إلى نهج الإمام ينبغي أن نتحلّى بهذه الصفة، وأن نتخلّى عن كثير من الأشياء في سبيل النهج الحسينيّ الذي اخترناه لأنفسنا.
إنّ مبلّغ الإمام الحسين سلام الله عليه يجب أن يتحلّى بصفة العفو في المجالات السياسية والاجتماعية والأسرية، وأن يتحمّل الصعوبات والشدائد في مسيرة التبليغ لمدرسة أهل البيت سلام الله عليهم، لأنّ الإمام الحسين سلام الله عليه ضحّى بدمه الزكي من أجل تحقيق أهداف دين جدّه صلى الله عليه وآله النبيلة.
جاء في إحدى زيارات سيّد الشهداء سلام الله عليه: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة»(4).
لقد تحمّل أشرف الأوّلين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وآله في سبيل تبليغ الرسالة الإسلامية شتّى أنواع الأذى، وصبر على جميع الصعاب وكان نهجه في ذلك الصفح والعفو عن المسيء، ونحن أيضاً ينبغي أن نقتفي أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسيّد الشهداء والإمام الصادق سلام الله عليهما وأن نصبر على الأذى.
لا شكّ في أنّ الرسول الأكرم والإمام أمير المؤمنين والسيدة الزهراء والإمام الحسن المجتبى عليهم أفضل الصلاة هم أعلى مرتبة من الإمام الحسين سلام الله عليه إلاّ أنّ إرادة الله التكوينية والتشريعية شاءت أن يكون لهذا العبد الصالح مقاماً ومكانة لم يخصّ الله بها أحداً من عباده غيره.
لقد بقي نور مجالس العزاء الحسينية وهّاجاً على الرغم من تلك المضايقات والمتاعب. إنّ ذكرى عاشوراء بقيت حيّة في الأذهان ومتجذّرة في الضمائر رغم التصدّي لها ومحاربتها من قبل أعداء أهل البيت سلام الله عليهم، حتى عدّوا نقل فضائل سيّد الشهداء سلام الله عليه جريمة لا تغتفر في بعض مقاطع التاريخ.
ينقل لنا التاريخ أنّ رجلاً ظالماً من عمّال بني العباس يدعى نصر وكان من بطانة المتوكّل العباسي والمقرّبين منه، روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله في باب فضيلة الإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه، وعندما تناهى ذلك إلى علم المتوكّل أمر بجلده ألف جلدة.
وفي عصرنا الراهن، حاربت الحكومات المتعاقبة في العراق بعض مظاهر العزاء الحسيني ومنعته، فكان يُرَشّ الملح والفلفل على جروح المعزّين الحسينيين، ولكن كانت النتيجة أن باتت اللعنات تلاحق أولئك الطغاة، بينما ظل شعاع عاشوراء ينير الدرب نحو العلا.
لقد عُذّب الكثيرون بسبب إحيائهم لمجالس العزاء الحسينية وأُحرقوا وشُرّدوا وقُتّلوا لكن بقي اسم الإمام الحسين سلام الله عليه خالداً لم تمحه هذه الممارسات الظالمة. ولم تنفرج هذه الشدّة إلاّ في السنتين الأخيرتين عقب سقوط حكم البعث في العراق حيث أتيحت الفرصة للزائرين لزيارة العتبات المقدّسة، وحسب الإحصاءات التي نشرتها الجهات الأجنبية، فقد تشرّف حوالي 12 مليون زائر من إيران فقط بزيارة كربلاء المقدّسة.
وينقل أحد خطباء المنبر الحسيني بتعجّب وشغف عن إقامة مجالس العزاء الحسينية في إحدى المدن القريبة من القطب الشمالي التي زارها لأجل التبليغ، حيث يروي أنّ صوت مراسيم العزاء كانت تداعب الآذان حيث كان عدد قليل من المعزّين يحيون شعائر العزاء الحسينية في طقس قارص، شديد البرودة والانجماد.
ويأبى الله إلاّ أن يستمرّ ذِكر أبي عبد الله، وأن يتمّ نوره في القلوب. (لِيَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)(5). فقد قضت حكمة الله أن يهلك المتوكّل العباسي وأضرابه عن بيّنة وأن يحيا شهداء كربلاء حياة خالدة وأبدية وعن بيّنة أيضاً. ولو لم تكن عاشوراء، أنّى لنا أن نتعرّف على حقيقة عمر بن سعد أو زهير بن القين الذي قيل عنه بأنّه كان عثماني الهوى؟
كما ينقل التاريخ بأنّ شمر وحبيب بن مظاهر كانا رفيقين ومن عشيرة واحدة، لكن واقعة كربلاء هي التي فرّقتهما، وكشفت للملأ عن حقيقة كلّ منهما، فلولا عاشوراء لما علمنا بأيّ من هذه الأمور.

وفي ذلكم عبرة

لقد كان الشيخ جعفر الشوشتري ـ أحد مراجع التقليد في عصره حيث له رسالة عملية بعنوان (منهج الرشاد)، وهي رسالة فريدة من حيث تبويب الموضوعات وتصنيفها، وقد علّق عليها صاحب العروة والآخوند ـ ذات مرّة وهو عائد إلى طهران من زيارة كانت له إلى مدينة مشهد المقدّسة صعد المنبر في إحدى المدن في طريق عودته، وذلك نزولاً عند رغبة ثلّة من المؤمنين. وفي إحدى خطبه التي اعتبرها البعض مؤثّرة للغاية قال الشيخ الشوشتري: عندما عزمت على المجيء إلى هنا لفت انتباهي دابّة من الدوابّ بعد ما أفرغت حمولتها في المكان المقصود، وذلك عندما وقع نظري على عينيها وكأنّ لسان حالها يقول لي: يا شيخ جعفر، لقد أدّيتُ ما أنيط بي من واجب على أحسن وجه، ونقلتُ الحمل إلى المنزل المقصود، فهل أدّيت ما عليك من مسؤولية؟ هل نقلت الحمل إلى مقصده؟
فلا بدّ لنا أن نتدبّر في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: «كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته»(6). فكلّنا مسؤول، لأنّ مهمّة التبليغ مناطة بالجميع، لكن القسط الأكبر منه يتحمّله أهل العلم، والجميع بدءاً من مرجع التقليد حتى التلميذ يتحمّل مسؤولية إزاء واقعة عاشوراء ونشر الثقافة الحسينية. حاولوا أن توظّفوا هذه المناسبة بشكل أكبر من السنوات السابقة، وكذلك حاولوا أن توسّعوا من صدركم وصبركم على الشدائد والصعاب، واعلموا أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه في غنى عن تبليغنا وكتاباتنا وخدماتنا، بل نحن والعالمين جميعاً بحاجة إلى كرمه ولطفه صلوات الله عليه.
إنّ من أهمّ واجبات المبلّغين والدعاة هو الاهتمام بشريحتي الناشئة والشباب، كما أنّ من وصايا المغفور له أخي(7) أعلى الله مقامه في مثل هذه المناسبات هي: حاولوا أن ترسّخوا الثقافة الحسينية في ضمير الشباب، فالإمام الصادق سلام الله عليه في خطابه إلى أبي جعفر الأحول (مؤمن الطاق) يقول: «عليك بالأحداث فإنّهم أسرع إلى كلّ خير»(8).


٭ حديث السيّد المرجع في جمع من العلماء والخطباء والمبلّغين وطلبة العلوم الدينية من محافظة إصفهان قاموا بزيارة سماحته قبل حلول شهر محرم الحرام عام 1427 هـ .
(1) راجع مصباح المتهجد للطوسي: ص577 رقم66، دعاء كل ليلة من شهر رمضان.
(2) سورة المائدة: الآية: 67.
(3) راجع بحار الأنوار: ج99 ص247، مقطع من دعاء التوسل.
(4) انظر مصباح المتهجد للطوسي: ص788 رقم12، زيارة أخرى في يوم عاشوراء.
(5) سورة البيّنة، الآية: 42.
(6) بحار الأنوار للمجلسي: ج72 ص38 ح36.
(7) المرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره.
(8) وسائل الشيعة للعاملي: ج16 ص187 باب19، استحباب الدعاء إلى الايمان والاسلام مع رجاءالقبول ...، ح4.